التعليم والتدافع الانتخابي

التعليم والتدافع الانتخابي
السبت 19 شتنبر 2026 - 10:49

تطل محطة 23 شتنبر 2026 الانتخابية بعد أيام قليلة من صدور تقرير البرنامج الدولي لتقييم التلاميذ PISA لدورة 2025، والتي احتل فيها المغرب الرتبة 82 من أصل 90 دولة واقتصاد مشارك، إذ أظهرت النتائج أن 73.2% من التلاميذ المغاربة البالغين 15 سنة لا يتحكمون في الكفايات الأساسية في المجالات الثلاثة مجتمعة: الفهم القرائي؛ الرياضيات؛ العلوم. وتكفي هذه الأرقام وحدها لكي يصبح النقاش حول التعليم أكثر من مجرد فقرة في البرامج الانتخابية، وأكثر إلحاحا من أن يختزل في وعود موسمية تتغير بتغير مواعيد الاستحقاقات.

في هذا السياق تبدو العودة إلى البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية التي تتنافس على أصوات المغاربة اختبارا حقيقيا لجدية الخطاب السياسي حول المدرسة، فهل تحظى التربية والتعليم فعلا بمكانة استراتيجية داخل المشاريع السياسية، أم أنها تظل قطاعا ضمن قطاعات كثيرة؟ وهل تقدم الأحزاب تصورات متماسكة لإصلاح المنظومة، أم أنها تعيد تدوير قائمة معروفة من الاختلالات والحلول؟ ثم هل نقرأ في هذه البرامج التزامات سياسية قابلة للقياس والمحاسبة، أم مجرد وعود انتخابية تعرف طريقها جيدا إلى اللغة التي تستميل الناخب؟

وللإجابة عن هذه الأسئلة، تنصب هذه القراءة على ما قدمته تسعة أحزاب وتحالفات سياسية من برامج انتخابية، وهي: التجمع الوطني للأحرار؛ الأصالة والمعاصرة؛ الاستقلال؛ العدالة والتنمية؛ الحركة الشعبية؛ التقدم والاشتراكية؛ الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية؛ الاتحاد الدستوري؛ وتحالف اليسار.

منذ الوهلة الأولى تكشف المقارنة أن التعليم حاضر في البرامج التسعة، لكن حضوره لا يحمل الدلالة نفسها. هناك من وضعه ضمن صلب تصور للتنمية البشرية، وهناك من تناوله من زاوية الخدمات العمومية أو الدولة الاجتماعية، وهناك من أفرد له إجراءات كثيرة دون أن يمنحه بالضرورة موقعا واضحا في هندسة المشروع السياسي العام. وهذه ملاحظة لا تتعلق بعدد الصفحات المخصصة للتعليم، وإنما بما إذا كان البرنامج يتعامل معه باعتباره سياسة استراتيجية طويلة الأمد، أم باعتباره مجالا يمكن تجميع المطالب والانتظارات داخله.

واللافت أن الأحزاب التسعة تكاد تلتقي في تشخيص المشكلات الكبرى. المدرسة العمومية تحتاج إلى استعادة الجودة، والهدر المدرسي يحتاج إلى مواجهة، والتعليم الأولي يحتاج إلى التعميم، والمدرس يحتاج إلى تحسين ظروفه وتكوينه، والمؤسسات تحتاج إلى التأهيل، والمناهج تحتاج إلى المراجعة، والرقمنة واللغات أصبحتا جزءا من النقاش حول مستقبل المدرسة. يصعب والحالة هذه، أن نعثر على خلاف سياسي حقيقي حول وجود الأزمة. لكن السياسة تبدأ تحديدا بعد هذه النقطة.

فحين تتفق الأحزاب على أن المدرسة تعاني، يصبح السؤال عن الأولويات هو جوهر الاختلاف. وهنا تبدو البرامج أقل وضوحا مما توحي به كثافة الوعود. كثير من الإجراءات تبدو معقولة كل واحدة على حدة، لكن جمعها في برنامج واحد لا يصنع تلقائيا تصورا لسياسة تعليمية. المدرسة لا تحتاج فقط إلى المزيد من المبادرات، وإنما إلى ترتيب صارم لما ينبغي أن يأتي أولا، وما يمكن تأجيله، وما الذي يمكن قياسه، وما الذي ينبغي أن تتوقف الدولة عن فعله.

في قضية المدرس مثلا، يكاد يكون الخطاب الحزبي موحدا في الاعتراف بأهمية تحسين الوضعية المهنية والاجتماعية والتكوين والاستقرار والتحفيز. لكن هذا الإجماع على أهميته، لا يجيب دائما عن السؤال الأصعب؛ أي مهنة تعليمية نريد؟ فهناك فرق بين تحسين شروط ممارسة المهنة وبين إعادة بناء المهنة نفسها. الأول يمكن أن يتحول إلى مطالب مادية وإدارية، أما الثاني فيتطلب تصور المسار المهني منذ الولوج إلى التكوين والتعيين والتوزيع المجالي والتكوين المستمر والتقييم والترقي وتحمل المسؤولية.

بعض البرامج قطع مسافة في هذا الاتجاه عندما اقترح تخطيطا استشرافيا للموارد البشرية، أو ربط التكوين بالمسار المهني، أو وضع حوافز للمناطق النائية، أو إعادة النظر في أنظمة التقييم. لكن الصورة العامة تظل أقل اكتمالا، ويبدو أحيانا أن المدرس هو الطرف الذي يعول عليه البرنامج لإصلاح كل شيء، دون أن يكون واضحا دائما ما الذي ستغيره الدولة في شروط عمله وفي تنظيم المدرسة حتى يصبح هذا الدور ممكنا.

أما المناهج فتقدم نموذجا آخر للمفارقة، فالبرامج الانتخابية تريد في الوقت نفسه التفكير النقدي، واللغات، والمهارات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والتربية المالية والإعلامية والبيئية، والمواطنة، وربط التعليم بسوق الشغل… وهي كلها مطالب مشروعة، لكن المشكلة أن المنهاج لا يتسع إلى ما لا نهاية. حين تضيف المدرسة وظيفة جديدة، فإنها تحتاج إلى زمن تعلم وتكوين للمدرس وموارد وتقويم… ولذلك فإن السؤال الغائب نسبيا عن الخطاب الانتخابي هو؛ ما الذي ينبغي حذفه؟

وهنا تحديدا تصبح نتائج PISA محرجة للخطاب السياسي، فالمدرسة المغربية مدعوة إلى الاستعداد لعالم الذكاء الاصطناعي، لكنها لا تزال تواجه صعوبة في ضمان التحكم في الكفايات الأساسية. الأولوية ليست في الاختيار بين الماضي والمستقبل، وإنما في بناء أساس معرفي يسمح بالوصول إلى المستقبل. بعض البرامج أدركت ذلك بوضوح عندما جعلت القراءة والكتابة والرياضيات في مقدمة الإصلاح، أو حددت أهدافا لتحسين النتائج في التقييمات الدولية. لكن هذا الوعي لا يظهر بالحدة نفسها في جميع التصورات.

وعلى مستوى البنية التحتية، تتكرر بدورها وعود النقل والإطعام وتأهيل المؤسسات وتقليص الاكتظاظ وربط المدارس بالإنترنت وبناء المختبرات والمكتبات والمرافق الرياضية. وهي حاجات حقيقية لا يمكن التقليل من شأنها، خصوصا في المناطق القروية والجبلية. غير أن الخطاب السياسي يميل أحيانا إلى التعامل مع المؤسسة التعليمية بمنطق عمراني، أي أصلح البناء، جهز المؤسسة، أوصل الإنترنت، وستقترب المدرسة من الجودة.

المشكلة أن المدرسة ليست بناية وفقط، يمكن أن تكون المؤسسة مجهزة بأحدث الوسائل، بينما تظل التعلمات ضعيفة. ويمكن لمؤسسة متواضعة الإمكانات أن تحقق نتائج أفضل إذا امتلكت قيادة تربوية فعالة ومدرسين مؤهلين ومناخا تعليميا جيدا. لذلك لا تقاس قيمة الاستثمار في البنية التحتية بعدد الحجرات أو الأجهزة وحدها، وإنما بما ينتج عنها داخل القسم.

والأمر نفسه ينسحب على المتعلم، فهنا سجلت البرامج تقدما ملحوظا في تجاوز التصور الضيق الذي يساوي بين الحق في التعليم والحق في الولوج إلى المدرسة. النقل والإطعام والمنح والداخليات والدعم والتربية الدامجة والإنذار المبكر وإعادة إدماج المنقطعين أصبحت جزءا من تصور تكافؤ الفرص. وهذا مهم، لأن الطفل الذي يعيش في قرية نائية أو وسط أسرة هشة لا يبدأ العملية التعليمية من النقطة نفسها التي يبدأ منها طفل آخر.

لكن المتعلم لا يظهر دائما في البرامج باعتباره صاحب مشروع تربوي، وإنما غالبا باعتباره مستفيدا من خدمة عمومية. الحديث عن محاربة الهدر والدعم والنقل والإطعام ضروري، لكنه لا يعفي السياسة التعليمية من سؤال أكثر جوهرية؛ ماذا ينبغي أن يتعلم هذا المتعلم، وما الذي ينبغي أن يستطيع فعله في نهاية كل مرحلة؟ هنا يصبح قياس التعلمات أهم من مجرد قياس عدد المستفيدين من الخدمات.

ولعل أكثر ما يكشف الفارق بين البرنامج السياسي والتعاقد السياسي هو المال، فكلما ارتفع سقف الوعود ارتفعت تلقائيا كلفة تنفيذها. تعميم التعليم الأولي؛ بناء المؤسسات؛ توظيف المدرسين؛ تقليص الاكتظاظ؛ توسيع النقل والإطعام؛ تجهيز المدارس؛ تطوير الرقمنة؛ دعم التلاميذ؛ تكوين الأطر؛ وإحداث خدمات جديدة… ليست إجراءات مجانية. ومع ذلك فإن تحديد الموارد المالية اللازمة ظل محدودا في معظم البرامج التي تم الاطلاع عليها.

وهنا تبرز أهمية المبادرات التي اختارت تحديد حصة التعليم من الناتج الداخلي الخام، كما فعل تحالف اليسار أو التقدم والاشتراكية بنسب وآفاق زمنية مختلفة. قد يختلف النقاش حول الرقم المناسب، لكن مجرد تحديده ينقل الوعد من فضاء الخطابة إلى فضاء يمكن مناقشته ومساءلة أصحابه حوله. أما أن يعد البرنامج بكل شيء تقريبا دون أن يقول للناخب كم سيكلف ذلك ومن أين ستأتي الموارد، فمعناه أن الجزء الأكثر حساسية من الوعد ظل خارج البرنامج.

وهذا ينطبق بدرجات مختلفة على الجميع، فالبرنامج الذي يكثر من الأهداف دون مؤشرات وآجال يضعف أمام سؤال المحاسبة. والذي يقدم أرقاما دون بيان واضح لكلفة التنفيذ ومصادر التمويل يظل ناقصا. والذي يجمع عشرات الإجراءات دون ترتيب للأولويات يقدم صورة غنية عن النوايا وفقيرة عن كيفية الاختيار بينها. وحتى البرنامج الأكثر تفصيلا لا يصبح بالضرورة برنامجا متماسكا إذا لم يربط بين أهدافه ووسائل تحقيقها وبين نتائج قابلة للتحقق.

من هذه الزاوية تبدو البرامج التسعة أقل اختلافا مما قد يوحي به التنافس الانتخابي، فالاختلاف موجود في مستوى التفصيل، وفي بعض الأولويات، وفي حجم الأرقام، وفي درجة الوضوح بشأن التمويل والحكامة والتقييم. لكن القاسم المشترك أكبر، إذ أن الجميع تقريبا يريد مدرسة عمومية ذات جودة، ومدرسا أفضل وضعية، وتعليما أوليا أوسع، وهدرا أقل، ومناهج أكثر ملاءمة، ورقمنة أكبر، ولغات أقوى.

المشكلة أن الاتفاق على ما ينبغي أن يكون عليه التعليم لا يكفي، ما يحتاجه الناخب هو معرفة ما الذي سيأتي أولا، وما الذي سيكلفه ذلك، ومتى ستظهر نتائجه، ومن سيتحمل مسؤولية عدم تحقيقها. هنا بالضبط ينبغي أن يكون التدافع السياسي حول التعليم، لا حول من يستطيع أن يضع في برنامجه أكبر عدد من الوعود.

ثم إن المدرسة لا تعمل بالضرورة وفق الزمن الانتخابي، فالإصلاح التربوي يحتاج إلى وقت أطول من ولاية حكومية واحدة، لأن نتائج تغيير المناهج أو تكوين المدرسين أو إصلاح التعليم الأولي أو معالجة التعلمات الأساسية لا تظهر دفعة واحدة. وهذا يجعل الاستمرارية في السياسات التعليمية ضرورة تتجاوز منطق التناوب الحكومي. ليس المطلوب إلغاء التنافس السياسي حول المدرسة، وإنما إخراجه من منطق القطيعة المستمرة، حتى لا تبدأ كل حكومة من جديد في بناء مدرسة جديدة فوق ما تركته الحكومة السابقة.

في المحصلة، لا تقول البرامج الانتخابية التسعة إن الأحزاب لا تهتم بالتعليم، لكنها تقول شيئا أكثر إزعاجا؛ إن الخطاب السياسي حول المدرسة أصبح غنيا إلى درجة يصعب معها العثور على حزب لا يملك جوابا عاما، بينما تظل الإجابات الدقيقة حول الأولويات والكلفة والآجال والمحاسبة أقل حضورا.

وهذه هي المفارقة التي ينبغي أن تهم الناخب قبل غيره. المدرسة المغربية لا تعاني من فقر في المفردات التي تصف الإصلاح، وإنما من الحاجة إلى سياسات تستطيع أن تتحمل الاختبار في الواقع. وبعد نتائج PISA 2025 لم يعد ممكنا أن يكون الحديث عن التعليم مجرد سباق في إطلاق الوعود. المدرسة تحتاج إلى من يحدد ما يجب إصلاحه أولا، وما الذي يستطيع تمويله، وكيف سيقيس أثره، ومن سيحاسب إذا لم ينجح.

فالانتخابات تنتهي بنتيجة معلنة، أما الإصلاح التربوي فلا تنتهي أسئلته بانتهاء الاقتراع. وبين الاثنين تقع مسؤولية السياسة؛ أن تجعل من المدرسة قضية دولة وسياسة عمومية طويلة الأمد، لا مجرد ورقة إضافية في موسم التدافع على الأصوات.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
شوكي: المواطن والمغرب العميق
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:09

شوكي: المواطن والمغرب العميق

صوت وصورة
بنعبد الله والتغطية الصحية
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:40

بنعبد الله والتغطية الصحية

صوت وصورة
أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:30

أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي

صوت وصورة
المنصوري: سألجأ إلى القضاء
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:10

المنصوري: سألجأ إلى القضاء

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | المهدي بنسعيد
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:34

الطريق إلى الانتخابات 2026 | المهدي بنسعيد

صوت وصورة
بنعبد الله يهاجم "الفراقشية"
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:29

بنعبد الله يهاجم "الفراقشية"