على إثر التعيين والإعفاء

على إثر التعيين والإعفاء
الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 - 14:19

أين تنتهي المسؤولية الفردية وأين تبدأ المسؤولية الجماعية؟

على إثر تعيين أعضاء الحكومة المغربية الجديدة يوم 16 أكتوبر 2026، وما أعقبه من إعفاء إحدى عضواتها بعد يومين فقط، يعود إلى الواجهة سؤال المسؤولية السياسية وحدودها، ليس من زاوية الأشخاص المعنيين وحدهم، وإنما من زاوية المسار الذي ينتج التعيينات والقرارات داخل المؤسسات. فقد جاء إعفاء الوزيرة المنتدبة ماديحة خيير، وفق بلاغ الديوان الملكي، بناءً على طلب من رئيسة الحكومة، وطبقاً لأحكام الفصل 47 من الدستور. غير أن البلاغ لم يحدد أسباب الإعفاء، وهو ما يقتضي التمييز بين ما ثبت رسمياً وما يمكن طرحه من أسئلة سياسية وسوسيولوجية حول الواقعة. فالسؤال الذي يهمني هنا ليس الحكم على شخص بعينه، وإنما فهم الحدود الفاصلة بين المسؤولية الفردية والمسؤولية الحزبية والحكومية والمؤسساتية.

لقد كتبت غير ما مرة بأنني لا أؤمن بمفهوم «المسؤولية الجماعية» حين يُستعمل لإخفاء المسؤوليات الفردية أو لتبرير الإخفاقات. وما زلت أرى أن المسؤولية لا تستقيم دون تحديد الفاعل الذي يتحملها، وطبيعة الفعل الذي يُسأل عنه. فإذا كانت المسؤولية جماعية، فهل ينبغي أن تكون المحاسبة جماعية أيضاً؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل يتحمل جميع أعضاء الجماعة المسؤولية نفسها، رغم اختلاف مواقعهم وصلاحياتهم وقدراتهم على اتخاذ القرار؟ إن الآية التي ورد فيها «ولا تزر وازرة وزر أخرى» تعبر عن قاعدة أخلاقية أساسية، مفادها ألا يتحمل الفرد وزر غيره. غير أن هذه القاعدة لا تعني إعفاء المؤسسات من مسؤولية اختياراتها، بل تستدعي التمييز بين المسؤولية عن السلوك الشخصي والمسؤولية عن القرار المؤسساتي.

ومن منظور سوسيولوجي، لا ينبغي النظر إلى التعيين باعتباره علاقة مباشرة بين شخص ومنصب فحسب. فالوصول إلى المسؤولية الحكومية قد يمر عبر مسارات حزبية وسياسية ومؤسساتية تتداخل فيها الترشيحات والمفاوضات والاختيارات والقرارات. ولا يمتلك جميع الفاعلين في هذه المسارات النفوذ نفسه، كما لا يتحملون بالضرورة المسؤولية ذاتها. فهناك فرق بين من يقترح اسماً، ومن يقيّم ترشيحه، ومن يتبنى الاختيار سياسياً، ومن يمارس الاختصاص الدستوري في التعيين. وهذه الفروق ليست شكلية، لأنها تحدد طبيعة المسؤولية وحدودها. ومن الخطأ السوسيولوجي أن نختزل هذه السلسلة في الشخص الذي انتهى به الأمر إلى تولي المنصب، كما سيكون من الخطأ المقابل أن نحمله أقل مما يتحمل فعلياً من مسؤولية عن أفعاله وتصريحاته ومعطياته الشخصية.

وتزداد أهمية هذا التمييز حين يتعلق الأمر بالأحزاب السياسية. فالحزب الذي يقترح أو يزكي مرشحاً لتحمل مسؤولية حكومية لا يتحمل تلقائياً مسؤولية كل ما قد يصدر عن ذلك الشخص، لكنه يتحمل مسؤولية سياسية عن معايير الاختيار والتزكية، ومدى وضوحها وانسجامها مع المبادئ التي يعلن الدفاع عنها. وإذا كانت الأحزاب تطالب المواطنين بالثقة في مرشحيها وبرامجها، فإن من المشروع مساءلتها عن الكيفية التي تنتقي بها من يمثلونها في المؤسسات. فالمسؤولية الحزبية هنا ليست مسؤولية جنائية بالنيابة عن الأفراد، ولا تعني افتراض العلم بكل ما يتعلق بهم، وإنما تتصل بواجب التقييم السياسي وبمصداقية آليات الانتقاء والتزكية.

أما على المستوى الحكومي، فإن الفصل 93 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011 ينص على أن «الوزراء مسؤولون عن تنفيذ السياسة الحكومية كل في القطاع المكلف به، وفي إطار التضامن الحكومي». وتكشف هذه الصياغة عن تمييز بالغ الأهمية بين مسؤولية الوزير عن ممارسة مهامه والتضامن الذي يربطه بباقي أعضاء الحكومة. فالتضامن الحكومي لا يلغي المسؤولية الفردية، مثلما لا تعني المسؤولية الفردية أن الحكومة غير معنية باختياراتها المشتركة. ومع ذلك، ينبغي الانتباه إلى أن المسؤولية عن تنفيذ السياسة الحكومية، التي يعالجها هذا الفصل، ليست مطابقة للمسؤولية عن اختيار أعضاء الحكومة وتشكيلها. فلكل منهما موضوعه وآلياته الدستورية والسياسية.

وهنا تبرز أهمية الفصل 47 من الدستور، الذي ينص على أن الملك يعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها، ويجيز لرئيس الحكومة أن يطلب من الملك إعفاء عضو أو أكثر من أعضائها. وبذلك يحدد الدستور مساراً واضحاً لممارسة الاختصاصات، دون أن يجعل الإعفاء في حد ذاته إدانة أو عقوبة. لكن التمييز بين الاختصاص الدستوري والمسؤولية السياسية ضروري أيضاً. فممارسة الاختصاص وفق الدستور لا تجيب وحدها عن جميع الأسئلة المتعلقة بمعايير الاقتراح والاختيار والتقييم. وإذا كان رئيس الحكومة يمارس دوراً في اقتراح أعضاء الحكومة وطلب إعفائهم، فمن المشروع مساءلة هذا الدور سياسياً، دون الخلط بينه وبين الاختصاص الدستوري للملك، ودون افتراض أسباب لم تعلنها الجهات المعنية.

ولذلك، فإن واقعة التعيين والإعفاء تضعنا أمام مستويات مختلفة من المسؤولية ينبغي عدم دمجها. فالمسؤولية الفردية تتعلق بما يمكن إسناده إلى الشخص من أفعال وتصريحات والتزامات. والمسؤولية الحزبية تتعلق بمعايير الترشيح والتزكية والاختيار، متى ثبت دور الحزب في ذلك. والمسؤولية الحكومية تتعلق بالاقتراح والتنسيق والتقييم السياسي وفق الصلاحيات المقررة. أما المسؤولية المؤسساتية فتتصل بسلامة المساطر واحترام الاختصاصات والقواعد المنظمة للقرار. ولا يعني تعدد هذه المستويات أن الجميع مسؤولون بالقدر نفسه، وإنما يعني أن تحديد المسؤولية يقتضي معرفة موقع كل فاعل وما كان يمتلكه من معلومات وصلاحيات وقدرة على التأثير.

وقد يقال إن المسؤولية السياسية للحكومة جماعية بطبيعتها، وهذا صحيح في حدود ما ينظمه الدستور. فالفصل 103 يتيح لرئيس الحكومة ربط مواصلة الحكومة تحمل مسؤوليتها بتصويت مجلس النواب على منح الثقة، ويترتب على سحبها، وفق الشروط الدستورية المحددة، استقالة الحكومة استقالة جماعية. غير أن هذه المسؤولية السياسية المشتركة لا تعني أن كل وزير مسؤول شخصياً عن جميع أفعال زملائه. إنها تعبير عن وحدة الحكومة بوصفها هيئة سياسية، وليست حكماً أخلاقياً أو قانونياً بتساوي جميع أعضائها في الأفعال والقرارات. ولذلك لا يجوز الانتقال آلياً من التضامن الحكومي إلى المحاسبة الفردية، أو من الخطأ الفردي إلى إدانة الجماعة بأكملها.

إن الإشكال الحقيقي، في تقديري، يبدأ حين نستعمل المفهوم نفسه بمعانٍ مختلفة بحسب الظرفية السياسية. فقد تُستحضر المسؤولية الجماعية للدفاع عن قرار اتخذته مؤسسة، ثم تُستحضر المسؤولية الفردية وحدها عند ظهور إشكال يتعلق بأحد أعضائها. وقد يحدث العكس أيضاً، حين يُحمَّل حزب أو حكومة تبعات سلوك شخصي لا تتوافر أدلة على مسؤوليتها عنه. وفي الحالتين، يغيب المعيار الذي ينبغي أن يربط المسؤولية بالفعل والصلاحية والمعرفة والقدرة على القرار. ومن هنا فإن التمييز بين الفردي والجماعي ليس ترفاً نظرياً، بل شرط من شروط المحاسبة السياسية العادلة.

وإذا كان التعيين والإعفاء إجراءين دستوريين، فإنهما في الوقت نفسه فعلان سياسيان ينتجان آثاراً في ثقة المواطنين بالمؤسسات. ولا تكفي سلامة المسطرة، على أهميتها، لتفسير جميع أبعاد القرار أمام الرأي العام. فالمواطن يحتاج أيضاً إلى فهم من يقترح، وعلى أي أساس يجري الاختيار، وما حدود مسؤولية كل طرف عند مراجعة ذلك الاختيار. وليس المطلوب كشف معطيات شخصية محمية أو إصدار أحكام دون أدلة، وإنما ترسيخ ثقافة مؤسساتية تقوم على الوضوح في المعايير، والتمييز بين التفسير السياسي والإدانة الشخصية، وبين تصحيح القرار وتحميل المسؤولية.

ولذلك، فإنني لا أرى في واقعة التعيين والإعفاء مجرد حدث عابر يتعلق بمسار شخصي، بل مناسبة لإعادة طرح سؤال أعمق حول كيفية إنتاج القرار السياسي في المغرب. فالمؤسسات لا تختار نفسها بنفسها، والأحزاب لا تتصرف خارج أفعال أعضائها وقياداتها، والحكومة ليست كائناً مستقلاً عن الأشخاص الذين يشاركون في تشكيلها وتوجيهها. ومع ذلك، فإن نتائج الفعل المؤسساتي لا يمكن اختزالها دائماً في إرادة شخص واحد. وهذا تحديداً ما ينبغي أن يوضحه التحليل السوسيولوجي: كيف تتوزع الأدوار، وكيف تتشكل الاختيارات، وكيف تنتقل القرارات بين الفاعلين، وأين تبدأ مسؤولية كل طرف وأين تنتهي.

إن السؤال الذي تطرحه واقعة اليوم ليس فقط: لماذا وقع الإعفاء بعد التعيين؟ بل أيضاً: من يتحمل مسؤولية الاختيار، ومن يتحمل مسؤولية الاقتراح والتزكية، ومن يتحمل مسؤولية القرار، وأين تقف حدود مسؤولية الشخص المعني؟ ولا ينبغي أن يكون الجواب أن الجميع مسؤولون عن كل شيء، ولا أن شخصاً واحداً مسؤول عن كل ما جرى. فحين تُختزل المسؤولية في الفرد، قد تختفي وراءه الجماعة، وحين تُعمم على الجماعة، قد تضيع مسؤولية الفرد. وبين هذين الحدين تتحدد جدية المحاسبة السياسية ومصداقية المؤسسات. فلا تزر وازرة وزر أخرى، ولكن لا ينبغي أيضاً أن تتحول هذه القاعدة إلى ذريعة لإعفاء الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين من مساءلة اختياراتهم وقراراتهم.

-أستاذ السوسيولوجيا بجامعة القاضي عياض بمراكش

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
مجلس النواب يُنصب الحكومة
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 20:25 3

مجلس النواب يُنصب الحكومة

صوت وصورة
المنصوري ترد على الأزمي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 19:10 17

المنصوري ترد على الأزمي

صوت وصورة
جواب المنصوري والتصويت على البرنامج الحكومي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 18:32 7

جواب المنصوري والتصويت على البرنامج الحكومي

صوت وصورة
الرميلي تعلن شرطة النظافة
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 18:10 4

الرميلي تعلن شرطة النظافة

صوت وصورة
البرنامج الحكومي بعيون الأغلبية والمعارضة
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 17:45 5

البرنامج الحكومي بعيون الأغلبية والمعارضة

صوت وصورة
دفاع آيت الجيد يعلن الطعن بالنقض
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 17:44 8

دفاع آيت الجيد يعلن الطعن بالنقض