في الغمة التلفزية بالمغرب

في الغمة التلفزية بالمغرب
الأربعاء 8 أكتوبر 2008 - 11:13

كلما اقتبل شهر رمضان من كل سنة، منينا النفس والخاطر، بشبكة برامجية بالإذاعة والتلفزة، هنا بالمغرب، تراعي قداسة ورمزية الشهر الفضيل، تمزج لفائدة المتلقين، برامج في الدين جادة، ومواد في الدراما والكوميديا هادفة، وسلسلات فكاهية تزاوج بين الفرجة والمتعة والفائدة، إذا لم يكن على مدار اليوم والناس صيام، فعلى الأقل بفترات الذروة العالية، حيث العوائل ملتفة برمتها حول موائد الإفطار.


قد لا يكون لشهر رمضان من خاصية فريدة تذكر، دعك من كونه طقسا دينيا صرفا، يتقرب الإنسان المؤمن خلاله من خالقه، لكنه بالمنظور التلفزيوني، مناسبة يتسابق طيلتها وبظلها، فنانون ومبدعون وكتاب نصوص وسيناريوهات ومخرجون ودعاة دين ومحدثون وخطباء وغيرهم، يتسابقون بغرض عرض وترويج “سلع”، يعلمون أن الإقبال عليها بهذا الشهر، يشتد ويتعاظم، لا بل إن المنابر التلفزية تحديدا تتسابق للظفر بتمريرها، إذا لم يكن من باب دعم المصداقية والرفع من سقفها، فتأكيدا بغرض بيعها للمشهرين والمعلنين والتجار وسماسرة الصحافة، وما سواهم.


كنا نمني النفس والخاطر لبلوغ ذلك أو بعضا منه، إلا أن الحصاد، حصاد هذه السنة، كان باهتا، ومنسوب الغلة متدنيا، فيما حالة الغضب والاحتقان الممزوجة بالغمة، في أعلى مستوياتها:


+ فالبرامج الدعوية بالقناتين العموميتين، الرافعتين للواء المرفق العمومي، كانت شبه منعدمة، وما قدم على أساس كونه برنامجا دعويا، لم يتجاوز الخطب المكرورة، المتضمنة لرسائل الوعظ والإرشاد، الفوقية المنحى، العمودية التوجه، الأبوية الصفة، العديمة التفاعلية، تخاطب المتلقي كما لو أنه حديث العهد بالإسلام، لا يفقه من شؤون دينه شيئا يذكر لا بالجملة ولا بالتفصيل، ويخال للمرء وهو يتابعها صورة أو صوتا، ولكأنه في مأثم حقيقي، أو ملاق ربه بعد حين.


لم تخرج “الدروس الحسنية الرمضانية”، المقدمة بين يدي الملك (باعتباره أمير المؤمنين بمنطوق الدستور)، لم تخرج عن ذات المنحى، ليس فقط لأن الثاوين خلف إعدادها، الناظمين لخطها، المرتبين لها، عمدوا سلفا إلى انتقاء “المحاضرين” من هنا أو هناك، ولربما حددوا لهم المواضيع ومحاور “المرافعة”، ولكن أيضا لأن ذوات “المحاضرين” غالبا ما لا يستطيعون التخلص من خطاب الوعظ والإرشاد، إما بتلويك قضايا طرحت وتجووزت، من قبيل موجبات الصلاة ومبطلات الصوم، أو بإثارتهم لإشكالات أشبعت إثارة ومجادلة، من قبيل “التسامح في الإسلام“، أو “الوسطية في الإسلام”، أو “حوار الأديان”، أو “تقريب المذاهب والعقائد“، أو ما سوى ذلك من قضايا “الموضة” العابرة.


وعلى هذا الأساس، فإن رتابة ذات البرامج، وطبيعتها التوجيهية، لم تثر التقزز والاستنكار فحسب (وإن بين المرء وبين نفسه)، بل دفعت بالعديد من المغاربة للانتقال إلى فضائيات عربية، إذا لم يكن لتتبع برامج أعدها دعاة كبار، مشهورون، غالبا ما يزاوجوا بكفاءة وحنكة، الجدية في التناول مع أسلوب العرض الجذاب والمشوق، فعلى الأقل للاستمتاع بطقوس صلاة التراويح من مكة والمدينة، إذا لم يكن، بأضعف الأيمان، الاستماع لتلاوة القرآن الكريم، بأصوات قراء مبرزين ومقتدرين، لا يخلقون الغمة أو الضيم أو القنوط.


+ والمسلسلات الدرامية، خاصية رمضان العربية بامتياز، فتكاد تنعدم بالقناتين، اللهم إلا استثناء واحدا لم يجد بواقعنا المر ما يلهمه، فتوجه صوب رواية روسية علها تنصفه أو تنصفنا، وإن بالتلميح في الوقائع والأدوار والشخوص.


إن غياب مسلسلات من هذا القبيل، لا يسهم فقط في تحول العديد من المشاهدين المغاربة لفائدة فضائيات عربية، برعت في استقطاب نجوم الدراما التلفزيونية، بل وسيؤدي قطعا بالقادم من رمضانات، إلى الدفع بالمسؤولين على القناتين، للارتكان إلى استيراد ما توفر بالسوق، دونما حد أدنى من الجهد، لاستنبات محيط يشجع على بروز دراما مغربية، قد يستمتع بها المستهلك المحلي، وقد تجد طريقها للتصدير، إن هي راهنت على الجودة والصدقية ومعايير الفن والجمال.


ليس مهما هنا، معاودة التأكيد على غياب البنى والمؤسسات، وتلكأ مسالك التمويل ومحدودية السوق، وما سواها. هي أمور موضوعية قائمة حقا، لكنها قائمة بالقدر ذاته ولربما أكثر، بالنسبة للدراما السورية، كما الأردنية، كما المصرية، كما التونسية، كما غيرها. لم التذرع إذن بكذا إكراهات لتبرير الخيبة، فيما اتخذها الآخرون (الإكراهات أعني) أداة تحفيز، لا بل وعامل تميز وتفوق، وعنصر تألق بكل أيام رمضان؟


+ أما السلسلات “الفكاهية” لرمضان العام 1492، فقد تحولت بالقناتين معا، إلى دراما حقيقية، طاولت ثقافة الفكاهة، التي ألفها المغاربة فيما بين بعضهم البعض، أو ببعض السكيتشات الرائعة، التي كانت تعبر التلفزة وهي ببداياتها الأولى في المغرب، بستينات وسبعينات القرن الماضي.


إن سيتكومات رمضان هذه السنة، كانت وبالقناتين العموميتين، مذبحة وبكل المقاييس، للكلمة الموحية، والعبارة الراقية، والتلميح الهادف بالصورة و”المعنى” والحركة، وكانت، في خضم ذلك، مذبحة للدارجة المغربية، التي عهدناها من ذي قبل على شفاه الرواد، واستمتعنا بها بكلمات الملحون، وبعفوية مسارح “الحلقة” الآيلة من حينه إلى زوال، درجة بدرجة. إن الدارجة المستعملة بهذه السلسلات، هي دارجة ممسوخة، غير منتقاة، وذات صفات تمييعية صرفة. إنها مذبحة للغة العربية وللدارجة المغربية معا، وإفساد للهجة الدارجة الجميلة التي نتواصل بها يوميا، ناهيك عن استبعاد الفكاهة الأمازيغية الحبلى بالصور الكوميدية الرائعة، وبالمواقف الساخرة الهادفة، وبالنكتة البناءة والممتعة.


إننا وبكل رمضان، لا ننتظر من هذه السيتكومات، ومنها تحديدا كونها تبث مباشرة بعد الآذان، لا ننتظر منها أن تضحكنا ملئ أفواهنا، أو تعري على مآسي واقعنا بالمجرد المستفز، فيتحول إفطارنا إلى “منذبة” ومأساة. إننا ننتظر منها أن تزرع الابتسامة، مجرد الابتسامة من أفواهنا الشاحبة، فإذا بها تزرع غمة إضافية، من بين ظهراني محيط القبح والخشونة الذي نعيش تموجاته آناء الليل وأطراف النهار.


يبدو لي، بهذه النقطة، أن التقصير لا يأتي فقط من ضعف أداء هذا الممثل أو ذاك، أو من هزالة نص هذا الكاتب أو ذاك، أو تدني حبكة هذا السيناريست أو ذاك، أو عدم تحكم هذا المخرج أو ذاك في أدوات اشتغاله، إنه يأتي منها مجتمعة، على الأقل من فرضية أن قوة إحدى عناصر المنظومة، لربما يغطي على ضعف الباقي المتبقي. أما وأن المنظومة برمتها مصابة بشلل تام، فإن الخلل لا يمكن إلا أن يأتيها عند المخرج بالنتيجة.


إن الذي يجهله هؤلاء وأولئك، إنما بديهية أن العمل التلفزيوني عمل إبداعي، والإبداع قيمة مضافة، تتأتى من عمل جماعي بين كل أطراف العملية، من صياغة النص إلى كتابة السيناريو، لحين تحريك الممثلين، بقالب جمالي يحس المشاهد معه بأنه بإزاء مجهود حقيقي.


ليس من المبالغة في شيء، بالبناء على ما سبق وعلى ما سبق فقط، ليس من المبالغة القول بأن القائمين على القناتين إنما درجوا، عام بعد عام، على إدمان الرداءة، فباتوا في حل من تطلع المواطن الذي يمول بضرائبه، عشرات المديريات، التي لم يترتب عن أدائها إلا برامج عنوانها الخيبة والغمة والتقزز.


إن رئيسا مديرا عاما لم يفد من عشر سنوات على رأس التلفزة بالمغرب، ولم يستفد من النقد الموجه إليه سنة تلو سنة، وتوانى في إعادة إنتاج الرداءة إلى ما لا نهاية، وحول ذات الرداءة إلى “قيمة تلفزيونية”، واشتغل دونما محاسبة أو عقاب من أحد، لا يستحق الإقالة فحسب، إنه يستاهل المقاطعة من لدننا، إن تشبث أولي الأمر بتسييره، ورضوا على أدائه.


أما الذين يقدمون البرامج “الدعوية”، أو يؤثثون المسلسلات “الدرامية”، أو ينشطوا السلسلات “الفكاهية“، فهؤلاء كما أولئك، الدعوة كما الفن آخر المفكر فيه من لدنهم، ولا قيمة لهما أمام غنيمة القرب من السلطان، أو تحصيل كسرة خبز للأبناء، بالارتكاز على المحسوبية والزبونية… والتطفل على التلفزيون.


يحيى اليحياوي -باحث وأكاديمي من المغرب


أنقر هنا لزيارة موقع الدكتور يحيى اليحياوي


البريد الإلكتروني :[email protected]

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

9
  • moslim+
    الأربعاء 8 أكتوبر 2008 - 11:23

    تحليل أكتر من رائع بارك الله فيك الله يكتر من متالك

  • نورالدينlechhab
    الأربعاء 8 أكتوبر 2008 - 11:21

    يقول الدكتور يحيى في معرض مقاله”+ أما السلسلات “الفكاهية” لرمضان العام 1492، فقد تحولت بالقناتين ” فسنة 1492 عرفت سقوط الآندلس في يد الاسبان ، أعرف أن د.يحيى وهو في هيامه مع الفكرة خذلته الكلافيي ، لكن وما الفرق بين سقوط الاندلس التي عرفت حضارة في الشعر والأدب والفن والفقه والأصول والفلسفة ووو وسقوط المغرب الثقافي في براثن المتفيقهين والمثيقفين المشجعين من السلطان…… تصبحون على وطن

  • lahcen abou salma
    الأربعاء 8 أكتوبر 2008 - 11:25

    إعتبارهم كذلك ـ لا يتورعون عن كيل النقد للجهات المنظمة للمهرجانات و الملتقيات السينيمائية المختلفة والتي تنظم في مختلف مدن المملكة؛و يتباكون من عدم معاملتهم بالمثل إسوة بباقي ضيوف المهرجانات السالفة الذكر من الممثلين العرب من مصر و سوريا؛ لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؛ و بكل صراحة هل هناك مقارنة ممكنة بين فهيد و أيمن زيدان مثلا؟ وكما قال الفرس للبغل في سباق لهما ًبقات ف داداك دااك ماشي فتعواج القمونة ْ

  • المهاجر،المانيا
    الأربعاء 8 أكتوبر 2008 - 11:29

    هذه القنوات لاتتعنينا في شيئ ، وهي تعبر فقط عن كبث اصحابها وانسداد شريان الابداع لديهم لاففي رمضان ولا في ذي الحجة ولا في كل شهور السنة،
    برامج يقدمها ممثلون يستضيفون اليها ممثلين ولا شك انهاممقدمة لابنائهم الممثلين،وكان المغرب ليس فيه علماء واكاديميين وجمعويين وخبراء في كل المجالات،
    الافضل تقليص البث من 24 ساعة يوميا الى 24 دقيقة يوميا يقدم الاشهار الذى لا يخلو من الهرج والشطيح ،وكفى المومنين القتال
    اخيرا اود ان اصحح للاستاذ نوردين لشهب،ان الكاتب اراد القول: رمضان 1429 ،وليس 1492 ،ولا علاقة لقناة فهيد والخياري بفتح الاندلس ولا غلقها ،وشكرا

  • يوسف توفيق مدون مغربي
    الأربعاء 8 أكتوبر 2008 - 11:19

    و الله يسعدنا ان تطل علينا دائما من خلال جريدتنا المحبوبة هسبريس كثر الله من امثالك انتم مثال المثقف النزيه

  • fatiha
    الأربعاء 8 أكتوبر 2008 - 11:17

    لاتقتلوا ميكي ماوس
    فتيحة
    لو ان الشيخ الذي افتى بقتل الفار ا ميكي ماوس تابع مفبرك ومسعور وسير حتى تجي وهذا حالي ويوم مايشبه يوم وتريكة السحيمي والفيلم العجيب لنرجس النجار لكان له رأي اخر

  • عثمان السلاوي
    الأربعاء 8 أكتوبر 2008 - 11:15

    أن من يتفرج أو يرمق على ألاقل ألى القنوات المغربية فو في أعتباري أما أحمق أو سادج فالقنوات المغربية المغربية مسخرة للتضليل و استبلاد الناس لإانا حقيقة والله العظيم أشعر بالتقيؤ عندما تتصطدم عيناي [احى القنوات المغربية ,احس بالكابة تتساقط على من الشاشة وأفضل أن أرم بالتلفزة من النافذة على ان أتفرج عى الأخبار في قنوات الذل والعار تخيلوا معي أن هاته اتم و 2م يعجزان معا على كتابة ألاخبر تحت السطر على طول اليوم كما تعل أسيادها من القنوات العربية اللهم أنها هذا منكر !!

  • wad tercine
    الأربعاء 8 أكتوبر 2008 - 11:31

    اوا رمانة و برطال ماعندكوم ماتقولو فيها شوية ديال الا نصاف الله يرضي عليكم

  • اشرف رياضي
    الأربعاء 8 أكتوبر 2008 - 11:27

    تبرك الله عليكم

صوت وصورة
كيف غيّر طلبة صربيا المشهد السياسي؟
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 22:11 1

كيف غيّر طلبة صربيا المشهد السياسي؟

صوت وصورة
"رايان إير" تعلن توسعا قياسيا بالمغرب
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 21:48 4

"رايان إير" تعلن توسعا قياسيا بالمغرب

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | قرار مجلس الأمن
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 19:01 1

أبعاد استراتيجية | قرار مجلس الأمن

صوت وصورة
الدفتيريا تثير مخاوف ساكنة سلا
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 18:49 3

الدفتيريا تثير مخاوف ساكنة سلا

صوت وصورة
وهبي: سنحارب الإثراء غير المشروع
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 17:32 16

وهبي: سنحارب الإثراء غير المشروع

صوت وصورة
السكك الحديدية تفتح آفاق التشغيل
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 16:37 4

السكك الحديدية تفتح آفاق التشغيل