العيش فوق الجثث

العيش فوق الجثث
الإثنين 31 غشت 2026 - 09:25

في سياق حديثي عن ذلك القتل الرمزي للمواطنين، الذي تمارسه طبقات من أصحاب المال والنفوذ، ومن يسمون أنفسهم بفاعلي الحياة ومهندسيها، بينما لا يتركون وراءهم سوى خراب المعنى، قرأت مقالا ذكيا للكاتب المصري أحمد شوقي علي، نشرته صحيفة “المدن” اللبنانية، تحت عنوان لافت: ّكيف عاشت العصابة فوق جثث قتلاها؟”.

ما استوقفني في المقال ليس فقط ذاك السؤال البدهي : لماذا قتلت ريا وسكينة ضحاياهما؟، وإنما سؤال: كيف استطاعتا أن تعيشا فوق جثث من قتلتا؟. فهناك فرق هائل بين السؤالين. فبينما سؤال “لماذا؟” يبحث عن الدافع، عن الفقر والحاجة والجهل والبيئة والظروف الاجتماعية والنفسية التي قد تفسر انحراف الإنسان. فإن سؤال “كيف؟” يذهب إلى تفكيك منطق القدرة على الاستمرار في الحياة بعد أن يصبح موت الآخر جزءا من حياتك. فنروم إلى البحث عن إجابات مقنعة عن : كيف يأكل القاتل؟ كيف ينام؟ كيف يضحك؟ كيف يمشي في الشارع؟ كيف يتحدث عن الأخلاق، ويصافح الناس، ويحتفل، ويصنع لنفسه صورة المواطن المحترم، بينما يقيم في مكان ما من ذاكرته فوق جثة إنسان كان يمكن أن يعيش؟

ولعل آفة الأدب والفلسفة حين تتحول إلى مجرد صناعة للتبرير أنها بارعة في رد انحطاط الإنسان إلى الظروف، وفي صناعة سلسلة من الأسباب التي تجعل الجريمة تبدو، في نهاية التحليل، نتيجة شبه حتمية لسياق اجتماعي أو نفسي أو تاريخي. نبحث عن “لماذا” حتى نكاد نعفي الإنسان من مسؤوليته، ونفكك الدوافع حتى ننسى أن هناك ضحية سقطت فعلا.

بيد أن سؤال “كيف؟” يرفض هذا العزاء التفسيري. إنه لا يسأل عن الجريمة لحظة وقوعها، وإنما يسأل عن الحياة التي تستمر بعدها. عن ذلك الاعتياد المرعب الذي يجعل الإنسان قادرا على التعايش مع آثار ما اقترفت يداه، وعلى تحويل جثة الآخر إلى تفصيل صامت في هندسة حياته اليومية.

وأجدني أستعيد هذا السؤال الذي ظل يتردد في داخلي مرات كثيرة دون أن أنتبه إلى أصله الفلسفي: كيف يمكن للإنسان أن يعيش فوق جثث قتلاه دون أن يهتز قلبه؟. فهو سؤال يتجاوز “ريا وسكينة” إلى صورة أوسع للإنسان حين تتحول الضحية إلى رقم، والفقر إلى قدر، والمرض إلى إحصاء، والجوع إلى مشهد عابر، والإذلال إلى إجراء إداري، والموت البطيء إلى تكلفة من تكاليف “التنمية” و”السوق” و”المصلحة”؟

وربما هنا تكمن إحدى أكثر صور القتل حداثة: أن تقتل الإنسان دون أن تضطر إلى رؤية موته. فالقاتل القديم كان يواجه ضحيته وجها لوجه. أما القتل المعاصر فقد أصبح أكثر أناقة؛ تتوزع مسؤولياته على مكاتب وشاشات وتوقيعات وأرقام وحسابات بنكية وقرارات إدارية، بحيث لا يرى أحد الجثة كاملة، ولا يشعر أحد بأنه القاتل.

يمكن أن نستعير، مجازا، مشاهد السخرة والعبودية والقتل البطيء لنقرأ بعض ما يجري حولنا اليوم. تغيرت الأدوات، وتبدلت اللغة، وتأنقت أشكال السيطرة، لكن السؤال الأخلاقي ظل في جوهره واحدا: كيف يستطيع الإنسان أن يبني رفاهيته فوق تعب الآخرين، وأن يصنع مجده من انكسارهم، وأن يواصل حياته طبيعيا بينما هناك من يدفع ثمن هذه الحياة من جسده وكرامته ومستقبله؟.

ووفق هذا التصور، يصبح القتل الرمزي أخطر من القتل المباشر؛ لأنه لا يترك جثة يمكن الإشارة إليها، وإنما يترك إنسانا حيا، لكنه منزوع القدرة على الحلم، منزوع الصوت، منزوع المكانة، ومحروما من حقه في أن يكون مواطنا كاملا.

وهؤلاء الذين يعيشون بيننا، ممن يراكمون الثروة والنفوذ على أنقاض الآخرين، لا يحتاجون بالضرورة إلى سكين كي يكونوا قتلة. يكفي أحيانا أن يقرروا أن حياة إنسان أقل قيمة من هامش الربح، وأن كرامته أقل أهمية من صفقة، وأن حقه في العيش لا يساوي شيئا أمام مصالحهم.

ولعل الفارق بين ريا وسكينة وبعض قتلة الحاضر أن الأولى كانت، في المخيال الاجتماعي والتاريخي، تتحرك داخل عالم من الحاجة والفقر والجهل والجريمة المباشرة؛ أما القتل المعاصر فقد يرتدي أحيانا بدلة أنيقة، ويتحدث لغة القانون، ويجلس في مكاتب مضاءة، ويملك من المال ما يجعله غير مضطر إلى السرقة، ومن السلطة ما يجعله غير مضطر إلى العنف الظاهر.

إنه قتل بلا دماء مرئية. قتل تمارسه شياطين الطمع، ونرجسية القوة، ووهم الامتلاك، حين يصبح الآخر مجرد مادة قابلة للاستهلاك، ومجرد رقم في دفتر الحسابات، ومجرد عائق ينبغي إزاحته من الطريق.

ثم يتبادر إلى ذهننا سؤال آخر، ليس أقل أهمية من سابقيه: لماذا يفعلون ذلك؟. فقد نجد ألف تفسير. ثم ينط آخر: كيف يستطيعون أن يعيشوا بعد ذلك؟ كيف ينامون؟ كيف يأكلون؟ كيف يضحكون؟ كيف يحتفلون بنجاحاتهم؟ كيف ينظرون إلى أطفالهم؟ وكيف يستطيع القلب أن يظل قلبا، حين يتحول وجع الآخرين إلى شرط من شروط رفاهه؟

ربما يبدأ انهيار الإنسان الحقيقي في اللحظة التي يتوقف فيها عن رؤية الجثة التي صنعها، حتى وإن كانت تلك الجثة لا تزال تمشي أمامه. فلا تعود إذن المسألة مسألة جريمة فحسب، وإنما تصبح مسألة ضمير. فالإنسان لا يعرف فقط بما يفعله بالآخرين، وإنما أيضا بقدرته على أن يرى أثر فعله فيهم.

وأخطر ما يمكن أن يحدث لمجتمع هو أن يصبح القتل فيه عاديا، والظلم مألوفا، والإذلال إجراء روتينيا، وأن يتعلم الناس كيف يعيشون فوق جثث ضحاياهم دون أن يسأل أحد: من قتل هؤلاء؟

أما الأشد رعبا فهو: كيف استطاع القاتل أن يواصل حياته وكأن شيئا لم يحدث؟.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • KITAB
    الإثنين 31 غشت 2026 - 19:12

    عالمنا يشهد تحولات عميقة، أفضت إلى وجود واقع مركب التعقيد، يعيش المريض مرضه دون أن يعي بذلك، بل قد يبدو المرض أحياناً انتصارا للنفس، وحتى القيم اندثرت ولم بعد لها وجود إلا في بطون الكتب والروايات والأقاصيص، واقع مر بكل ثقل الكلمة، شرائح واسعة من البشر تعيش مع السادية جنبا لجنب، بل إن هناك أمراضا تظهر أعراضها منذ وقت مبكر ، كالقتل، كأن يعمد أخ إلى قتل أخيه أو والده دون أن ينتبه لذلك أحد، وهناك مصحات شهيرة بهذه السادية المتوحشة، ما يوعز إلى الأهل بضرورة أخذ كشوفات طبية نفسية بانتظام كل شهر، سلمات

  • MC
    الإثنين 31 غشت 2026 - 19:47

    “Los nadies: los hijos de nadie, los dueños de nada. Los nadies: los ningunos, los ninguneados..”
    “The nobodies: the children of nobody, the owners of nothing. The nobodies: the forgotten, the neglected”
    “اللا أحدون: أبناء لا أحد، مالكو لا شيء. اللا أحدون: المنسيّون، المُهمَلون..”

    Eduardo Galeano
    (1940-2015)
    «اللا أحدون» قصيدة شهيرة للكاتب الأوروغوياني ، نُشرت في كتابه «كتاب العناق» عام 1989
    يصف أولئك البشر الذين يحولهم النظام الظالم إلى مجرد أرقام مهملة تسحقها عجلة النفوذ والثروة

    أخي مصطفى،
    إن ما طرحته من تساؤلات عميقة حول “كيف يعيش القاتل فوق جثث ضحاياه” يعري ببراعة زيف الحداثة التي غلفت الطشع بأقنعة الإدارة والقانون وأرقام البنوك. وحين تصبح التنمية مجرد مقصلة صامتة تدوس كرامة الإنسان لأجل هامش ربح إضافي، فإننا لا نشهد مجرد انهيار اقتصادي، بل هو انتحار أخلاقي متكامل الأركان يمارسه أصحاب النفوذ ببرود مرعب. إن الجريمة الأكثر دطأة اليوم هي تلك التي ترتدي بدلة أنيقة وتوقع القرارات من خلف شاشات لامعة، لتقتل الأرواح وتنزع الأحلام دون أن تترك دمعة مرئية أو أثراً للدم.

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
أزمة النقل في أورير وتامراغت
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 23:30

أزمة النقل في أورير وتامراغت

صوت وصورة
ملعب هسبريس | لسعد الشابي
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 21:30

ملعب هسبريس | لسعد الشابي

صوت وصورة
أول الفهم | مصطفى المعتصم
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 21:00 2

أول الفهم | مصطفى المعتصم

صوت وصورة
أساتذة التعليم الأولي يحتجون
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 19:15 4

أساتذة التعليم الأولي يحتجون

صوت وصورة
مضامين التزامات حكومة المنصوري
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 18:38 7

مضامين التزامات حكومة المنصوري

صوت وصورة
المنصوري تمد يدها للأغلبية والمعارضة
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 16:44 6

المنصوري تمد يدها للأغلبية والمعارضة