ملاذ التعليم الخاص

ملاذ التعليم الخاص
السبت 15 غشت 2026 - 21:10

المدرسة العمومية… حين يصبح التعليم الخاص ملاذًا والعمومي سؤالًا مؤرقًا

مع كل دخول مدرسي، يتجدد في البيوت المغربية سؤال لم يعد بسيطًا كما كان في السابق: هل نُدخل أبناءنا إلى المدرسة العمومية أم نبحث لهم عن مكان في مدرسة خاصة؟

سؤال يبدو، في ظاهره، مجرد اختيار بين نمطين من التعليم، لكنه في العمق يعكس أزمة ثقة متنامية في المدرسة العمومية، ويكشف تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة داخل المجتمع المغربي.

قبل سنوات، كان التعليم الخاص يُنظر إليه باعتباره امتيازًا اجتماعيًا، أو خيارًا متاحًا أساسًا للأسر الميسورة. أما الطبقة المتوسطة فكانت تعتمد، في الغالب، على المدرسة العمومية، باعتبارها مؤسسة قادرة على ضمان تعليم محترم لأبنائها، وفتح أبواب الجامعة والوظيفة أمامهم.

لكن المعادلة تغيرت. شيئًا فشيئًا، بدأت الأسر المتوسطة تتجه نحو التعليم الخاص، رغم التكاليف المرتفعة التي يفرضها. واليوم، أصبحنا أمام ظاهرة أكثر إثارة للانتباه: حتى بعض الأسر محدودة الدخل أصبحت مستعدة لبذل الغالي والنفيس من أجل إرسال أبنائها إلى المدارس الخاصة.

فماذا حدث للمدرسة العمومية؟

وهل أصبح التعليم الخاص فعلًا أفضل إلى هذه الدرجة، أم أن المشكلة الحقيقية تكمن في فقدان الثقة في المدرسة العمومية؟

حين تتحول الثقة إلى سلعة

السؤال الذي يستحق أن يُطرح بجرأة هو: ما الذي يجعل أسرة مغربية محدودة الدخل تقتطع جزءًا كبيرًا من دخلها شهريًا لتؤدي واجبات مدرسة خاصة، بينما كان بإمكان أبنائها الدراسة في مؤسسة عمومية مجانية؟

الجواب لا يرتبط دائمًا بجودة التعليم.

فالآباء يبحثون قبل كل شيء عن الشعور بالأمان والانضباط، وعن بيئة مدرسية تحمي أبناءهم من العنف والانفلات، ثم ينظرون إلى النتائج الدراسية ونسب النجاح، وبعد ذلك تأتي مسألة جودة التعليم.

وهذه المفارقة تحمل رسالة واضحة: المشكلة لم تعد فقط في مستوى التعليم، بل في صورة المدرسة العمومية وفي الثقة التي أصبحت تحيط بها.

فحين يصبح الأب مستعدًا لدفع المال فقط لأنه يريد أن يشعر بأن ابنه أكثر أمانًا وانضباطًا، فإن الأمر يتجاوز مسألة المنافسة بين العمومي والخاص، ليصبح سؤالًا حول وظيفة المدرسة نفسها.

ومن قال إن الأستاذ يتغير عندما يعبر باب المدرسة الخاصة؟

هناك مفارقة أخرى لا يمكن تجاهلها.

جزء من الأطر التعليمية التي تشتغل في مؤسسات التعليم الخاص هم أنفسهم أساتذة يعملون أو سبق لهم العمل في المدرسة العمومية.

إذن، أين يكمن الفرق؟

هل المشكلة في الأستاذ؟ أم في ظروف العمل؟ أم في عدد التلاميذ داخل القسم؟ أم في التجهيزات؟ أم في أساليب التدبير والمراقبة والحكامة؟

الأستاذ المغربي، في العمومي أو الخاص، يبقى في نهاية المطاف نفس الإنسان، بنفس تكوينه وكفاءته، وبنفس قدرته على العطاء.

وعليه، فإن تفسير تراجع المدرسة العمومية بضعف المدرس وحده سيكون تبسيطًا مخلًا للمشكلة.

المدرسة العمومية التي صنعت أجيال المغرب

من السهل اليوم أن ننتقد المدرسة العمومية، لكن علينا ألا ننسى تاريخها.

فمن داخل أقسامها تخرجت أجيال من الأطباء والمهندسين والقضاة والأساتذة والمثقفين والمسؤولين ورجال الأعمال والفاعلين في مختلف المجالات.

لقد كانت المدرسة العمومية، لعقود، واحدة من أهم أدوات الحراك الاجتماعي.

ابن الأسرة البسيطة كان يستطيع، عبر المدرسة والجامعة، أن يصل إلى مواقع لم يكن الوصول إليها ممكنًا بالثروة أو النفوذ.

وهذا هو جوهر العدالة الاجتماعية.

لكن عندما تصبح جودة التعليم مرتبطة أساسًا بقدرة الأسرة على الدفع، فإننا نكون أمام خطر حقيقي يتمثل في إعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية داخل المدرسة نفسها.

هل أصبح التعليم مشروعًا اقتصاديًا أكثر منه حقًا اجتماعيًا؟

لا أحد ينكر أن التعليم الخاص يمكن أن يلعب دورًا مهمًا داخل المنظومة التعليمية، وأن الاستثمار الخاص يمكن أن يساهم في تطوير العرض التربوي.

لكن الخطر يبدأ عندما يصبح التعليم الجيد مرتبطًا بالقدرة على الأداء.

فالمدرسة ليست مجرد مشروع تجاري، والتلميذ ليس مجرد “زبون”، والتعليم ليس سلعة مثل باقي السلع.

إذا كانت الأسرة الغنية تستطيع دفع آلاف الدراهم شهريًا، بينما الأسرة محدودة الدخل عاجزة عن ذلك، فإن ترك المدرسة العمومية تتراجع يعني عمليًا تعميق الفوارق الاجتماعية بين أبناء المجتمع الواحد.

ومن هنا، فإن الدفاع عن المدرسة العمومية لا يعني مهاجمة المدرسة الخاصة.

بل يعني ببساطة أن الدولة مطالبة بضمان تعليم عمومي ذي جودة، حتى لا تضطر الأسرة إلى شراء الجودة من القطاع الخاص.

أقسام متعبة… وأحلام كبيرة

لا يمكن أن نطلب من الطفل أن يحب المدرسة بينما يدخل إلى مؤسسة تعاني من نقص التجهيزات أو تحتاج إلى إصلاحات أساسية.

ولا يمكن أن نطلب من الأستاذ أن يقدم أفضل ما لديه داخل أقسام مكتظة أو في ظروف لا تساعد على الإبداع والتربية.

المدرسة ليست جدرانًا وسقفًا وسبورة.

إنها فضاء يجب أن يشعر فيه الطفل بالأمان والكرامة والانتماء.

ولهذا، فإن إصلاح المدرسة العمومية يجب ألا يقتصر على إصلاح المناهج أو تغيير الكتب المدرسية، بل يجب أن يشمل البنية التحتية، والتجهيزات، والموارد البشرية، والانضباط، والأنشطة الموازية، والدعم النفسي والتربوي، والحكامة.

إذا كانت الأسر تدفع للخاص… فلماذا لا نستثمر في العمومي؟

قد يقال إن تطوير المدرسة العمومية يحتاج إلى ميزانيات ضخمة.

صحيح.

لكن يمكن طرح سؤال آخر أكثر واقعية: إذا كانت ملايين الأسر مستعدة أصلًا لدفع مبالغ شهرية للمدارس الخاصة، ألا يمكن التفكير في نموذج يجعل المدرسة العمومية تستفيد من موارد إضافية بطريقة منظمة وعادلة؟

ليس المقصود تحويل المدرسة العمومية إلى مؤسسة ربحية، ولا فرض رسوم على الأسر الفقيرة.

بل يمكن التفكير في آليات تمويل متعددة، تراعي القدرة المالية للأسر، وتُبقي التعليم الأساسي العمومي مجانيًا، مع توجيه موارد إضافية لتحسين التجهيزات والخدمات والأنشطة، وفق قواعد واضحة وشفافة.

الأسر القادرة يمكن أن تساهم، والدولة تتحمل مسؤوليتها الأساسية، والأسر الهشة تحظى بالحماية.

المهم أن يكون الهدف واحدًا: مدرسة عمومية قوية ومتاحة للجميع.

لا نحتاج إلى إضعاف الخاص… بل إلى تقوية العمومي

المطلوب ليس إغلاق المدارس الخاصة ولا محاربة الاستثمار في التعليم.

بل المطلوب هو خلق توازن صحي بين القطاعين.

فالمدرسة الخاصة يجب أن تنافس بالجودة، والمدرسة العمومية يجب أن تنافس أيضًا بالجودة.

أما أن تصبح المدرسة العمومية الخيار الذي تلجأ إليه الأسرة لأنها لا تستطيع دفع تكاليف التعليم الخاص، فهذه معادلة ينبغي إعادة النظر فيها.

الدولة القوية ليست التي تدفع أبناءها إلى القطاع الخاص، وإنما التي تجعل المدرسة العمومية نفسها مصدر ثقة واطمئنان وفخر.

المدرسة العمومية قضية دولة

في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بسؤال: أين سيدرس أبناؤنا؟

بل يتعلق بسؤال أكبر بكثير:

أي مجتمع نريد أن نبني؟

مجتمع تكون فيه جودة التعليم امتيازًا لمن يستطيع الدفع؟ أم مجتمع يكون فيه الطفل، مهما كانت أسرته أو دخل والديه، قادرًا على الحصول على تعليم جيد ومحترم؟

إن المدرسة العمومية ليست مدرسة الفقراء.

إنها مدرسة المجتمع والدولة والمستقبل.

ومن حق كل طفل مغربي أن يدخل إليها وهو يحمل حقيبته، لا أن يحمل معه شعورًا بأنه اختار المدرسة العمومية لأنه لم يستطع دفع ثمن المدرسة الخاصة.

لقد نجحت المدرسة العمومية في الماضي في صناعة أجيال كاملة.

والتحدي اليوم ليس أن نستبدلها بالمدرسة الخاصة، وإنما أن نعيد إليها المكانة التي تستحقها، ونستعيد ثقة الأسر فيها، ونمنحها الإمكانيات التي تجعلها مدرسة حقيقية للتميز وتكافؤ الفرص.

فإصلاح المدرسة العمومية ليس مجرد إصلاح لقطاع حكومي.

إنه استثمار في مستقبل المغرب.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • فاسي
    الثلاثاء 18 غشت 2026 - 17:17

    أوافقك الرأي سيدي الكاتب فكل ما ورد في مقالك هو عين الحقيقة وعلى المسؤولين في وزارة التعليم أخذه بعين الاعتبار، والأمر كذلك حتى في التعليم العالي، فكثرة إضرابات الطلبة خصوصا في الكليات المفتوحة في بعض المدن كفاس ومراكش ووجدة، تدفع الآباء من الطبقة المتوسطة الذين لم يتم قبول أبناءهم في المدارس ذات الاستقطاب المغلوق إلى تسجيلهم بالجامعات الخاصة.

صوت وصورة
تحذيرات مرعبة تجتاح العالم
الجمعة 6 نونبر 2026 - 22:00 4

تحذيرات مرعبة تجتاح العالم

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد العزيز باريك
الجمعة 6 نونبر 2026 - 21:00 7

لقاء خاص | عبد العزيز باريك

صوت وصورة
جدل زيادات طاكسيات بالرباط
الجمعة 6 نونبر 2026 - 15:32 13

جدل زيادات طاكسيات بالرباط

صوت وصورة
استمرار مهام دي ميستورا
الجمعة 6 نونبر 2026 - 12:32 15

استمرار مهام دي ميستورا

صوت وصورة
جيل جديد يروي المسيرة الخضراء
الخميس 5 نونبر 2026 - 23:07

جيل جديد يروي المسيرة الخضراء

صوت وصورة
زيت الزيتون بين 30 و60 درهما
الخميس 5 نونبر 2026 - 22:41 7

زيت الزيتون بين 30 و60 درهما