الدعم الاجتماعي المباشر في المغرب: أين يكمن المنطق؟ ومن يحمي الأسرة المعوزة من أخطاء التقييم؟
لم يكن ورش الدعم الاجتماعي المباشر في المغرب مجرد برنامج مالي عابر، بل هو أحد أهم الأوراش الاجتماعية التي أطلقها المغرب خلال السنوات الأخيرة، في إطار رؤية تهدف إلى ترسيخ أسس الدولة الاجتماعية، ومحاربة الفقر والهشاشة، وتحسين ظروف عيش الأسر الأكثر احتياجاً.
وقد أُطلق هذا الورش في أكتوبر 2023 بمبادرة سامية من صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، وتم تأطيره قانونياً بالقانون رقم 58.23 المتعلق بنظام الدعم الاجتماعي المباشر، إلى جانب إحداث الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي بموجب القانون رقم 59.23.
واليوم، وبعد مرور سنوات على انطلاقه، وبعد أن أصبح الدعم الاجتماعي المباشر يستفيد منه ملايين المغاربة، من المشروع أن نطرح سؤالاً بسيطاً لكنه عميق:
هل كل أسرة تستحق الدعم تصل إليه فعلاً؟ وهل كل أسرة توقفت استفادتها أصبحت، بالضرورة، غير محتاجة؟
هنا تبدأ الإشكالية.
عندما يصطدم الواقع بمنطق الأرقام
من المؤكد أن الدولة تحتاج إلى نظام دقيق لتحديد الأسر المستحقة، وأن اعتماد السجل الوطني للسكان والسجل الاجتماعي الموحد يمثل خطوة مهمة نحو الانتقال من الدعم العشوائي إلى الاستهداف المبني على المعطيات.
وتحدد الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي حالياً من بين الشروط الأساسية أن يكون أفراد الأسرة مسجلين في السجل الوطني للسكان والسجل الاجتماعي الموحد، وأن يكون مؤشر الأسرة الاجتماعي والاقتصادي أقل من أو يساوي عتبة الأهلية المحددة في 9.743001.
لكن السؤال ليس في وجود المعايير.
السؤال الحقيقي هو: هل تعكس هذه المعايير دائماً الواقع الاجتماعي للأسرة؟
فالأسرة ليست مجرد رقم، والدخل ليس دائماً صورة كاملة عن القدرة الشرائية، والملكية أو التسجيل الإداري لا يعني بالضرورة أن صاحبها يعيش في وضع مريح.
قد تكون هناك أسرة تعيش في منزل متواضع، ورب الأسرة لديه دخل محدود أو غير مستقر، وأبناء يحتاجون إلى مصاريف الدراسة والعلاج والتنقل، ثم تجد نفسها خارج منظومة الدعم بسبب معلومة إدارية أو مؤشر لا يعكس بدقة واقعها اليومي.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً:
هل نعتمد على المؤشر فقط، أم نتحقق أيضاً من الواقع؟
حالات تستحق إعادة النظر
هناك أسر تقول إنها كانت تستفيد من الدعم، ثم توقفت استفادتها، رغم أن وضعيتها الاجتماعية لم تتحسن، بل ربما ازدادت صعوبة.
وهناك من يتحدث عن أسباب تبدو له غير منطقية، أو عن معطيات مسجلة في قواعد البيانات لا تعكس الواقع الفعلي.
طبعاً، لا يمكن اعتبار كل اعتراض دليلاً على وجود خطأ في النظام، كما لا يمكن اتهام الإدارة بمجرد وجود حالة فردية.
لكن في المقابل، كل حالة لأسرة معوزة تُحرم من الدعم بسبب معطى غير صحيح يجب أن تكون مناسبة للمراجعة والتصحيح.
فالغاية من النظام ليست إثبات أن الحاسوب على حق.
الغاية هي أن يصل الدعم إلى المواطن الذي يستحقه.
لا بد من “حق الطعن الاجتماعي”
إذا كان المواطن يستطيع الطعن في قرار إداري، فمن المنطقي أن تكون له أيضاً إمكانية واضحة وسهلة للطعن في نتيجة التقييم الاجتماعي.
فالوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي نفسها تضطلع، وفق اختصاصاتها، بمعالجة التظلمات المرتبطة بطلبات الاستفادة في إطار مساطر شفافة ومنصفة.
لكن المطلوب هو أن تكون هذه الآلية أكثر قرباً من المواطن، خصوصاً بالنسبة للأسر التي لا تتوفر على القدرة الرقمية أو المعرفة التقنية الكافية.
يمكن، مثلاً، اعتماد مراجعة اجتماعية استثنائية للأسرة التي تثبت أن وضعيتها الواقعية لا تتطابق مع المعطيات الرقمية.
ماذا لو كانت الأسرة فقيرة ولكن بياناتها تقول العكس؟
هذه هي النقطة التي يجب أن تستوقفنا.
التحول الرقمي مهم، لكنه لا يجب أن يتحول إلى حاجز بين الإدارة والمواطن.
قد تكون هناك سيارة قديمة مسجلة باسم شخص فقير، لكنها لا تعني بالضرورة أنه ميسور.
قد يكون هناك عقار أو ملكية مشتركة لا توفر لصاحبها أي دخل.
قد يظهر دخل في قاعدة بيانات، لكنه دخل ظرفي أو قديم أو لم يعد موجوداً.
وقد يكون أحد أفراد الأسرة مسجلاً بطريقة تؤثر على مؤشر الأسرة، رغم أن الواقع الاقتصادي مختلف.
لذلك، فإن البيانات الرقمية يجب أن تكون نقطة انطلاق للتحقق، وليس حكماً نهائياً على حياة الناس.
الحل ليس إلغاء المعايير… بل تحسينها
لا أحد يطالب بإلغاء السجل الاجتماعي الموحد أو العودة إلى أساليب الدعم القديمة.
على العكس، المطلوب هو تطوير هذا النظام حتى يصبح أكثر عدالة ودقة.
ومن بين الحلول الممكنة:
1. إنشاء مسطرة سريعة لإعادة دراسة الحالات المرفوضة
كل أسرة ترى أن وضعيتها لم تُقيّم بشكل صحيح يجب أن تتمكن من طلب إعادة دراسة الملف، بطريقة بسيطة ومجانية، مع تحديد أجل واضح للرد.
2. اعتماد “المعاينة الاجتماعية” في الحالات الاستثنائية
عندما تكون هناك مؤشرات قوية على وجود فقر أو هشاشة، يمكن أن تخضع الأسرة لتقييم اجتماعي ميداني، خصوصاً في الحالات التي توجد فيها تناقضات واضحة بين البيانات الرقمية والواقع.
3. مراجعة المؤشر عند حدوث تغير كبير في الوضعية
الفقر ليس حالة ثابتة.
قد يفقد رب الأسرة عمله، أو يصاب أحد أفراد الأسرة بمرض، أو تتوقف الأسرة عن مصدر دخلها، أو ترتفع مصاريف الأطفال.
لذلك يجب أن يكون النظام قادراً على التقاط التغيرات المفاجئة في الوضع الاجتماعي بسرعة.
4. عدم اعتبار الملكية وحدها دليلاً على اليسر
يجب التمييز بين امتلاك أصل أو عقار وبين القدرة الفعلية على الاستفادة منه اقتصادياً.
5. تقوية مراكز استقبال المواطنين
لا يمكن أن تكون الدولة الاجتماعية رقمية فقط.
يجب أن يكون هناك موظف أو مركز قادر على شرح سبب الرفض للمواطن، ومساعدته على تصحيح المعطيات، وتوجيهه إلى المسطرة المناسبة.
6. اعتماد مؤشر للهشاشة المفاجئة
هناك أسر كانت مستقرة نسبياً ثم وجدت نفسها خلال أشهر في وضعية صعبة.
لذلك يمكن التفكير في آلية تسمح بمنح دعم مؤقت أو استثنائي للأسرة التي فقدت مصدر دخلها، إلى حين إعادة تقييم وضعيتها.
7. مراقبة الأخطاء وليس فقط مراقبة المستفيدين
العدالة الاجتماعية لا تعني فقط منع الأشخاص غير المستحقين من الاستفادة.
بل تعني أيضاً منع المستحقين من السقوط خارج النظام بسبب خطأ أو معلومة غير محينة.
الدولة الاجتماعية تحتاج إلى الثقة
إن أكبر رصيد لأي برنامج اجتماعي ليس فقط عدد المستفيدين، وإنما ثقة المواطنين فيه.
وعندما يشعر المواطن الفقير بأن النظام عادل، وأن بإمكانه الاعتراض، وأن هناك من يستمع إليه، فإنه يصبح أكثر ثقة في مؤسسات بلاده.
أما عندما تتوقف استفادته ولا يعرف لماذا، أو يحصل على جواب تقني لا يفهمه، فقد يتحول الدعم من ورش للكرامة إلى مصدر للإحباط.
وهذا ما يجب تفاديه.
الورش الملكي أكبر من مجرد مبلغ مالي
الدعم الاجتماعي المباشر ليس “صدقة” تقدم للمواطن.
إنه جزء من سياسة اجتماعية وطنية تهدف إلى حماية الأسر من الفقر والهشاشة، وتحسين ظروف العيش، وتعزيز الإدماج الاجتماعي. وهذا هو الهدف المعلن للبرنامج رسمياً.
كما أن النظام الحالي لا يقتصر على إعانة واحدة، بل يشمل إعانات مرتبطة بالطفولة، وإعانة جزافية للأسر في وضعية هشاشة، ودعماً تكميلياً لبعض الحالات، إضافة إلى إعانات خاصة.
ولهذا فإن نجاح الورش لا يجب أن يقاس فقط بعدد الملايين التي استفادت منه، وإنما أيضاً بعدد الأسر التي لم تسقط من الحساب رغم هشاشتها.
المطلوب اليوم: تصحيح المسار لا التشكيك في الورش
من السهل أن ننتقد.
لكن المسؤولية الحقيقية هي أن نقول: لدينا ورش ملكي كبير، ولدينا مؤسسة عمومية مكلفة بتدبيره، ولدينا تجربة تتطور سنة بعد أخرى، ولذلك يجب أن نستفيد من الملاحظات الميدانية لتصحيح الاختلالات.
فحتى أفضل الأنظمة يمكن أن تعرف أخطاء.
والقوة ليست في إنكار الخطأ، وإنما في القدرة على اكتشافه وتصحيحه.
إن ملايين الأسر المغربية التي تعيش في ظروف صعبة لا تنتظر خطاباً إدارياً معقداً، بل تنتظر شيئاً بسيطاً:
أن يتم تقييم وضعيتها بعدل.
أن تعرف لماذا استفادت.
أن تعرف لماذا توقفت استفادتها.
أن يكون لها الحق في الطعن.
وأن تجد من يستمع إليها.
كلمة أخيرة
الدعم الاجتماعي المباشر ورش وطني يستحق الدفاع عنه، لأنه جاء ليضع المواطن في قلب السياسة الاجتماعية.
لكن الدفاع الحقيقي عنه لا يكون بالصمت عن الاختلالات، وإنما بالمطالبة بتطويره.
وإذا كانت الدولة قد اختارت الرقمنة والسجل الاجتماعي الموحد للوصول إلى الأسر الأكثر هشاشة، فإن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة تدقيق، ومراجعة، وإنصاف، وربط الأرقام بالواقع المعيشي.
فالأسرة الفقيرة ليست رقماً في قاعدة بيانات.
والأرملة ليست مجرد خانة.
والطفل ليس مجرد رقم.
والدخل لا يختصر دائماً الوضع الاجتماعي.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يجب أن يظل حاضراً أمام كل مسؤول عن هذا الورش:
«هل وصل الدعم فعلاً إلى من يحتاجه، أم أننا أحياناً نكتفي بالقول إن النظام اشتغل لأن الأرقام تقول ذلك؟»
إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد مدى نجاح الدولة الاجتماعية في بلوغ غايتها الأساسية:
الكرامة والإنصاف، ووضع المواطن المحتاج في صلب الاهتمام.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.