تابعت مؤخرا برنامجا إعلاميا يستضيف خبيرا دوليا في استراتيجيات الذكاء الاصطناعي، وكان أكثر ما استوقفني فيه ليس حجم ما بلغته التكنولوجيا من قدرة على المحاكاة والتنبؤ والتنفيذ، وإنما ذلك الإحساس المقلق بأننا نقف على العتبة التي يبدأ عندها الذكاء الاصطناعي في إعادة تعريف الإنسان من خلال ما يستطيع أن يحل محله.
المسألة هنا تتجاوز الانبهار التقني المعتاد. فنحن أمام تحول يمس البنية العميقة للعلاقة بين الإنسان والعمل والمعرفة والقيمة. وما بدا إلى وقت قريب، مجرد أدوات مساعدة للعقل البشري، يتجه بسرعة نحو بناء أنظمة قادرة على أداء مهام كانت حكرا على الإنسان، بل وعلى اتخاذ مبادرات وتنفيذ سلاسل من الأفعال بصورة مستقلة عبر ما يسمى “وكلاء الذكاء الاصطناعي “.
المثير في الحلقة أن النقاش لم يتوقف عند تخوفات استحواذ الآلة على وظائف البشر، وإنما ذهب إلى السؤال الأكثر غرابة: ماذا سيحدث عندما يصبح الإنسان نفسه أقل ضرورة في عدد متزايد من الوظائف التي ظل يعتقد أنها دليل على تفوقه المعرفي؟. فالذكاء الاصطناعي لا يدخل اليوم إلى المصانع والمكاتب بوصفه آلة صماء، وإنما يتسلل إلى مناطق كانت مرتبطة بالخبرة والتقدير والمهارة المهنية، كالطب والهندسة والسياحة والفندقة وخدمة العملاء والتحليل المالي والبرمجة والفنون والإدارة وغيرها. بل إن التجربة التي عرضت في البرنامج، والتي تم فيها استخدام مساعد ذكي لإجراء حجز في مطعم من دون أن يكتشف الطرف الآخر أنه يتعامل مع نظام اصطناعي، تكشف شيئا يتجاوز القدرة على تنفيذ مهمة محددة؛ إنها تكشف قابلية الآلة للاندماج في الحياة اليومية إلى درجة محو الحدود بين التواصل الإنساني والتواصل الآلي.
نتساءل إذن: إذا كان الإنسان قد بنى الآلة لكي توسع قدراته، فماذا يحدث عندما تبدأ الآلة في توسيع قدراتها على حساب الحاجة إلى الإنسان نفسه؟
كان ماركس قد ربط العمل بالاغتراب، ورأى في العمل الإنساني أحد المجالات التي تتشكل فيها علاقة الإنسان بذاته وبالعالم. لكن التحول الراهن يذهب أبعد من اغتراب العامل عن منتوجه؛ إذ يمكن أن نصل إلى لحظة يصبح فيها العمل نفسه مجالا تتفاوض فيه الآلة مع الإنسان حول شرعية وجوده الاقتصادي. فلم يعد الخطر أن يفقد العامل السيطرة على ما ينتجه، وإنما أن يصبح وجوده في العملية الإنتاجية موضع سؤال.
ومن هنا تبدو المخاوف التي يطرحها بعض الخبراء بشأن اختفاء عدد من الوظائف التقليدية خلال السنوات المقبلة جدية، لا لأن كل المهن ستنقرض بالضرورة، وإنما لأن المعيار الذي كان يمنح المهنة حصانتها الاجتماعية يتغير. الشهادة الجامعية، والخبرة المتراكمة، والتخصص المهني، وحتى سنوات العمل، قد لا تكون كافية في سوق يتقدم فيه معيار جديد قوامه القدرة على التعلم السريع، والتكيف، والتعامل مع أنظمة الذكاء الاصطناعي.
وهذا التحول يعيدنا إلى سؤال بيير بورديو حول “الرأسمال الثقافي”. فالشهادة كانت في المجتمع الحديث إحدى أهم آليات تحويل المعرفة إلى اعتراف اجتماعي وموقع مهني. لكن ماذا يحدث إذا أصبحت السوق أقل اهتماما بالشهادة وأكثر اهتماما بالمهارة القابلة للقياس والأداء المدعوم بالذكاء الاصطناعي؟ عندها لا تتغير الوظائف فقط، وإنما تتغير آليات إنتاج المكانة الاجتماعية نفسها.
والأكثر إثارة للقلق أن التكنولوجيا لا تبدو متجهة فقط إلى تعويض اليد العاملة أو الأعمال الروتينية؛ إنها تقترب من المجالات الإبداعية والمعرفية التي ظلت الإنسانية تنظر إليها باعتبارها آخر حصون التفرد البشري. وإذا كان الإنسان قد قبل منذ الثورة الصناعية أن تقوم الآلة بأعمال عضلاته، فهل سيكون مستعدا للقبول بأن تقوم الآلة، في المستقبل القريب، بجزء من أعمال ذاكرته وتحليله وإبداعه وقراره؟
أستعيد هنا في هذا السياق أطروحة حنة أرندت حول “مجتمع العمال” دلالتها بصورة جديدة. فقد حذرت من المفارقة التي قد يصبح فيها المجتمع قادرا على تحرير الإنسان من العمل، بينما يعجز عن تصور حياة ذات معنى خارج العمل. وهذه ربما إحدى أكثر مفارقات الذكاء الاصطناعي قسوة. قد تنجح التكنولوجيا في تحقيق ما حلم به الإنسان من تخفيف عبء العمل، لكنها قد تضعه في مواجهة سؤال لم يستعد له: ماذا يفعل الإنسان حين لا يعود العمل شرطا ضروريا لوجوده؟.
أما هيدغر، فإن تحليله للتقنية يضيء جانبا آخر من المسألة. فالتقنية في نظره ليست مجرد أدوات محايدة تحت تصرف الإنسان؛ إنها طريقة في رؤية العالم وتنظيمه. وحين تصبح الأشياء والبشر معا قابلين للحساب والقياس والتحسين، يتحول الإنسان نفسه إلى مورد داخل منظومة تقنية واسعة. ومن هنا فإن الخطر الحقيقي للذكاء الاصطناعي قد لا يكون في أن “تسيطر الآلة على الإنسان” بالصورة السينمائية التقليدية، وإنما في أن يقبل الإنسان تدريجيا بأن يقيس قيمته بالمعايير التي تضعها الآلة.
وربما هذا ما يجعل ثورة الوكلاء الاصطناعيين أكثر أهمية من مجرد تطور تقني جديد. فنحن ننتقل من نموذج الأداة التي تنتظر أوامر الإنسان إلى نموذج الوكيل الذي يستطيع أن يخطط وينفذ ويتابع ويصحح مساره. أي أننا أمام انتقال تدريجي من “أتمتة المهمة إلى أتمتة المسار”؛ وبالتي تأتي فكرة الشركة التي يمكن أن يديرها شخص واحد مستعينا بوكلاء اصطناعيين يتولون التسويق والتحليل وخدمة العملاء والبرمجة والإدارة وغيرها.
لكن السؤال الذي ينبغي ألا تغطي عليه نشوة الابتكار هو: من يملك هذه القوة؟ ومن يحدد حدودها؟ ومن يتحمل نتائجها الاجتماعية؟. فإذا كانت شركة صغيرة تستطيع أن تنجز ما كان يحتاج إلى عشرات الموظفين، فهذا يعني ارتفاعا في الإنتاجية، لكنه يعني أيضا احتمالا لإعادة توزيع الثروة والقوة بصورة أكثر اختلالا. ومن ثمة نستحضر تحذير شوشانا زوبوف من مما أسماه “رأسمالية المراقبة”، التي أضحت أكثر راهنية؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بمن يملك التكنولوجيا، وإنما بمن يمتلك البيانات التي تتغذى عليها، والخوارزميات التي تديرها، والبنية التحتية التي تمنحها القدرة على التأثير في السلوك.
وفي المقابل، فإن الحديث عن تراجع بعض الشركات عن تسريح موظفيها بعد اكتشاف حدود الأتمتة يكشف حقيقة مهمة، كون الإنسان ليس مجرد وحدة إنتاج قابلة للاستبدال. فالمؤسسة تحتاج إلى المعرفة الضمنية والخبرة والحدس والقدرة على بناء الثقة، وفهم السياقات الاجتماعية والثقافية، وهي عناصر لا تختزل بسهولة في البيانات. لذلك ربما لا يكون المستقبل صراعا بسيطا بين “الإنسان والآلة”، وإنما صراعا حول الشكل الجديد للعلاقة بينهما. ثم نتساءل بعد كل ذلك: هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟ بل: أي إنسان سيبقى مطلوبا في عالم أصبحت فيه الآلة قادرة على إنجاز قدر متزايد من أعمال الإنسان؟
ربما ستختفي بعض الوظائف، وستولد وظائف أخرى لم تكن موجودة، وربما تظهر مهن جديدة مرتبطة بالحاجة إلى استعادة ما تفقده الحياة الرقمية من دفء وعلاقة وثقة؛ مثل “المرافق الإنساني” الذي أشارت إليه الحلقة. وهذه المفارقة جديرة بالتأمل، فكلما أصبحت الآلة أكثر قدرة على محاكاة الإنسان، قد تزداد قيمة الإنسان الحقيقي بوصفه إنسانا.
وللمفارقة، فقد يدفعنا الذكاء الاصطناعي من حيث لا ندري، إلى إعادة اكتشاف قيمة الأشياء التي لم نكن نراها لأننا اعتدنا وجودها، كاللمسة الإنسانية والتعاطف والحضور والمسؤولية، علاوة على الخطأ والضعف والحدس والقدرة على منح المعنى لما لا يمكن اختزاله في خوارزمية.
إن الصدمة التي يثيرها الذكاء الاصطناعي لا تكمن إذن في أنه أصبح “ذكيا” إلى هذا الحد، وإنما في أنه يجبرنا على طرح السؤال الذي أجلناه طويلا: ما الذي يجعل الإنسان إنسانا عندما تتوقف المهارة عن كونها دليلا حصريا على إنسانيته؟.
ربما تكون المعركة المقبلة ليست مع الآلة، وإنما مع اختزال الإنسان إلى وظيفة. فإذا استطاع الذكاء الاصطناعي أن يتحرر من حدود الوظيفة، فإن التحدي الأخلاقي أمامنا هو أن نحرر الإنسان من الاعتقاد بأن قيمته لا تبدأ إلا من مكان عمله، ولا تستمر إلا ما دام مطلوبا في سوق العمل.
وبالتالي يصبح الذكاء الاصطناعي اختبارا فلسفيا للحضارة أكثر منه اختبارا تكنولوجيا، حيث نعود لاستفهام أنفسنا: هل سنستخدم الآلة لكي نمنح الإنسان مزيدا من الحرية، أم سنعيد تنظيم العالم بحيث يصبح الإنسان نفسه فائضا عن الحاجة؟. ذلك هو الهاجس الذي ينبغي أن يسبق كل احتفال بانتصار التقنية.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.