الحديث عن وجود شيء اسمه “مجتمع مدني” بتازة يبقى مجازيا على وجه العموم، لعدة اعتبارات: ذاتية وموضوعية، في طليعة تلك الاعتبارات عدم وجود نخب محلية حقيقية، تستطيع أن ترافع عن القضايا الملحة لتازة، ويترتب عن ذلك أيضا الحديث المجازي عن “المثقفين” و”الجمعيات” و”الفاعلين المدنيين” إلى غير ذلك من التوصيفات، التي لا تنطبق في مجملها على ما يوجد في تازة، وثاني تلك الاعتبارات، ضعف الوعي المدني لدى ما يمكن وصفها بالنخب ذات الثقل في القرار سواء على المستوى المحلي أو المركزي، ونقصد النخب الاقتصادية أساسا، بما يقتضيه ذلك من نكران ذات وثقافة مواطنة وتشبع بروح الحق والقانون وخدمة المصلحة العامة، حيث تنحصر أغلب مشاغل ذوي المال والنفوذ في مشاريع العقار والخدمات غير المنتجة إلا لأصحابها والتي لا تقدم الشيء الكثير للمدينة كالعمارات والمقاهي والمركبات السياحية الخاصة، وثالث تلك الاعتبارات عدم نضج العمل المدني بتازة تبعا للتحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي عرفتها الحاضرة والمصنفة بالمعيار السكاني والحضري كمدينة متوسطة، فهي لا تقاس بالمدن الكبرى طبعا كفاس والدار البيضاء ومكناس وطنجة وتطوان ووجدة وعيون الصحراء ولا توضع في المقابل ضمن المدن الصغيرة كأزمور وجرسيف وتاوريرت والصويرة وصفرو ودبدو وأصيلا وفجيج وتارودانت وتزنيت والحسيمة، وإنما تنتمي إلى الحواضر ذات الحجم المتوسط من نماذج آسفي وبني ملال وشفشاون والناضور والجديدة وأكادير والعرائش والقصر الكبير والقنيطرة.
وتأتي على رأس تلك التحولات الهجرة القروية المكثفة التي أثرت سلبا على المدينة وخلفت تخبطا في ثقافة الساكنة الموزعة بين البادية والحاضرة، وأدى حجم تلك الهجرة القروية التي عرفتها تازة منذ عقود خلت إلى اختلال كبير في النسق الثقافي والقيمي، تعززه اختراقات العولمة الكسيحة والتي لم نساهم فيها كشعوب ومجتمعات بالشيء الكثير وب المقدار نفسه، هناك توالي مسارات النزيف السكاني بين قاطنيها وساكنتها الأصلية إما نحو المدن الأكثر جاذبية وإغراء من حيث العيش لكريم أو نحو بلدان الخارج (باتجاه فرنسا أو إسبانيا أو ألمانيا وهولندا والولايات المتحدة وكندا وغيرها من دول المعمور).
نتيجة للاعتبار الأخير، وباستثناء تجارب محدودة، لم يُسجَّل أي صعود نوعي في مبادرات المجتمع المدني بتازة، تبعا لتدني الوعي المدني ذاته بل ربما أيضا تخلفه الواضح مقارنة حتى ببعض المدن التي لا تصل إلى حجم تازة العمراني والتاريخي والاقتصادي والرمزي.
في تحديد مختزل ومبسط، فالمجتمع المدني (نقصد الجمعيات والإطارات المستقلة والمختلفة الأنشطة والفعاليات ذات الأهداف الواضحة) يقف تقريبا بإزاء المجتمع السياسي، الذي يتجلى في الدولة والأحزاب معا، وإذا كان هناك اختلاف في بعض المفاهيم المحددة للمجتمع الموصوف بالمدني، بين هذه المدرسة الفكرية وتلك، فإن أول شرط وربما أهمه يمكن أن يفرزه واقعيا ونظريا هو شرط الاستقلالية، ليس عن الدولة فحسب، بل وأيضا عن مختلف التيارات والأحزاب السياسية والمنظمات النقابية، دون أن يعني ذلك هضم حق أفراده كأفراد في الانتماء، مثلهم مثل سائر المواطنين، وشرط الاستقلالية خاصة في البلدان الديمقراطية يتيح للمجتمع المدني ليس التحرك بفعالية فقط في ميدان اجتماعي أو اقتصادي محدد، وإنما أيضا ينتصب كقوة اقتراحية، يمكن أن تصل إلى مستوى “سلطة مضادة” سماها البعض بالسلطة الخامسة بعد الصحافة والمؤسسات المنتخبة والرقابية وغيرها.
هل تنطبق هذه الاعتبارات ولو ضمن حدودها الدنيا على المجتمع المدني في بلادنا؟ ثم إلى أي حد هي حاضرة في تازة وإقليمها؟
لا يمكن الجزم بعدم وجود مجتمع مدني بالمغرب ولكن مخاض التأسيس والتنسيق والتجميع وضمان الاستقلالية والاستمرارية والموارد المالية، تبقى أهم العوائق التي تمنع قيام مجتمع مدني حقيقي، وتزيد هذه الصعوبات أو تتعقد، تبعا للمجال الذي تشتغل ضمنه الجمعيات، فصورة هذه الأخيرة تختلف من جهة إلى أخرى بل وداخل الجهة والإقليم الواحد، وإذا تأملنا المشهد بمدينة تازة، نلاحظ سمة الضعف العام في الأداء والتنظيم وطبيعة المرافعات ومن ثمة، تواضع النتائج على الصعيد الواقعي، تبعا لهزالة النشاط المدني ذاته، بل وذيليته في كثير من الأحيان للنخب السياسية المتخلفة بدورها على مستوى إقليم تازة.
منذ بداية استقلال البلاد ونخص بالذكر فترة ستينيات القرن الماضي، ظهرت بعض الجمعيات بتازة والتي اشتغلت في الفن المسرحي أساسا ولعلنا نقصد جمعية اللواء المسرحي التي تأسست سنة 1964غير أن طابع عملها انحصر في ما هو مسرحي ومناسباتي، أما العمل المدني بمعناه المحدد، ونقصد الترافع عن قضايا تازة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وكذا أخذ المبادرة في بناء وتعزيز أنشطة التضامن والرفع من المستوى المعيشي والثقافي للمواطنين، هذا النوع من الأنشطة ظل يمارس على صعيد مؤسساتي ومناسباتي ظرفي، كعيد العرش والمسيرة الخضراء وعيد الشباب وثورة الملك والشعب ومن بين تلك المؤسسات التي اتسمت بطابعها الرسمي أو شبه الرسمي، التعاون الوطني والشبيبة والرياضة والاتحاد النسوي، واقتصرت المبادرات على توزيع مساعدات معينة وتنظيم حفلات وبعض الأنشطة المرتبطة بالمناسبات كما ذكرنا.
كان لا بد من مضي عدد من السنين وظهور إطارات جديدة حتى يمكن الحديث تجاوزا عن المجتمع المدني، ونستطيع أن نسوق هنا بعض العناوين على سبيل المثال لا الحصر، كجمعية ألف ليلة وليلة للثقافة والفن ومنتدى العلامة علي بن بري ثم فرع اتحاد كتاب المغرب بتازة وبعض الإطارات الإعلامية والتنموية في ما بعد ولا بد هنا من الإشارة إلى الدور الهام الذي قام به مجلس رعاية العمل الاجتماعي والثقافي لإقليم تازة (المبادرة كانت من اقتراح أحد عمال الإقليم السابقين خلال نهاية الألفية الأولى وساهم فيها عدد من أعيان وأغنياء تازة) ثم تنسيقية النسيج الجمعوي التي قامت بدور هام في الدفاع عن تازة ضمن التقسيم الجهوي الجديد وتنظيم مهرجان موسيقى الشباب بتازة.
منذ تسعينيات القرن الماضي، بدأنا نسمع عن جمعيات “تنموية” هنا أو هناك عبر تراب إقليم تازة: أكنول – بني لنت – جزناية الجنوبية – وادي أمليل – غياثة الغربية – جرسيف (وقتذاك) ثم تاهلة علاوة على إطارات غامضة الأهداف والتوجهات بالمدينة، وبغض النظر عن الطابع الانتخابوي الموسمي لمثل هكذا جمعيات، فإن البعض منها استطاع أن يراكم مكتسبات معينة في مجالي التعليم والصحة خاصة، كالمساهمة في عمليات التمدرس، ولا سيما تمدرس الفتاة القروية، وفي تأسيس المدارس الجماعية ومساعدة المرضى المصابين بالقصور الكلوي ومرضى السكري واقتناء بعض التجهيزات المهمة…. يضاف إلى ذلك المجال التعاوني والتضامني، غير أن محدودية الأهداف وارتباط تلك “الإطارات” بالانتخابات وبعض “الزعامات” المحلية، هذا إلى هيمنة مظاهر من الريع والمال الانتخابي، كل ذلك قلص بشكل كبير من مصداقية تلك الجمعيات وجعل تأثيرها على المجتمع في نهاية المطاف، محدودا إن لم نقل ضئيلا.
وكان من الممكن لبعض الإطارات الفيدرالية بتازة أن تذهب بعيدا في العمل المدني والنشاط الثقافي والاجتماعي ونخص بالذكر تنسيقية النسيج الجمعوي التازي ثم الائتلاف المدني التازي، لولا النزعة الانقسامية الغريبة المغروسة في التربة التازية للأسف الشديد والتي تغذيها وربما منذ فترة الحماية جهات في السلطة والمجتمع، لغاية في نفس يعقوب، تضاف إلى باقي الاعتبارات المحبطة والتي شرحنا بعضها سابقا.
رغم القوانين المنظمة والتي تتيح للمواطن ممارسة العمل المدني بكل حرية، وعلى رأسها دستور المملكة لسنة 2011، والذي اعترف بالدور الأساسي للمجتمع المدني في تأطير المواطنين وتلبية حاجاتهم، وترسيخ قيم التضامن لديهم وباعتباره قوة اقتراحية، إلى جانب المؤسسات الأخرى، ويجب أن يتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلالية وخدمة المصلحة العامة، رغم كل تلك المكتسبات التي تبقى نظرية في كل الأحوال، فإن بعض مؤسسات الدولة مازالت تضرب القوانين إياها عرض الحائط وتقوم بعرقلة عمل المجتمع المدني وسط المواطنين، بمختلف الأشكال والممارسات وبينها لي عنق القوانين والتشريعات ذاتها ونذكر أهمها وهو قانون الحريات العامة، تحت تأثير الهاجس الأمني غالبا، يضاف إلى ذلك مختلف أشكال الفرز والتمييز والتضييق على صعيد البرامج والمنح وأشكال الدعم المالي من أجل تقليص إشعاع المجتمع المدني وتبخيس ما يمكن أن يقدمه للناس في هذا المجال.
يضاف إلى كل ما سبق خاصية إقليم تازة والمتمثلة في النزعة الانقسامية التي تشتت الجهود وتضعف التنظيم المدني، كيفما كان نوعه وبالتالي تؤثر سلبا على مردوديته، وكأن هناك أياد خفية مترصدة لكل عمل بناء قصد تدميره وتبخيسه.
ورغم كل هذه الشروط غير المواتية، تعمل فعاليات شريفة في بعض الإطارات وبالإمكانيات المتاحة على تفعيل دور المجتمع المدني المستقل في سبيل دعم وتيرة التنمية بإقليم تازة وإخراج المشاريع المجمدة إلى حيز الوجود والرقي بالبشر والمجال جميعا.
من بين العناصر الكثيرة التي تكالبت على مستقبل هذه المدينة هناك طبيعة الجمعيات التي تأسست فيها منذ فترة السبعينات وهي الجمعيات التي كانت تهتم بالثقافة وخاصة بالمسرح، فجعلت الثقافة في هذه المدينة المسكينة لا تري الحياة سوى عبر هذا المسرح الذي لم يقدم ولم يفد بأي شيء، فقط كان يستغل محليا لالهاء الساكنة عوض التفكير في القضايا المهمة للتنمية الحقيقية. بل هذه الجمعيات كانت تحارب كل جمعية جديدة تختلف معها، وحتى الريع الادري الذي كانت تستفيد منه اعمى اعينها، هذه عينة الجمعيات في تازة وزد عليها المديح والسماح والرياضة والموسيقة وغيرها. ربما تازة هي المدينة الوحيدة في المغرب التي فيها جمعيات بدون برنامج ولا خطة للعمل، تم خلقها فقط للتضييق على جمعية اخرى لكي تبقى وحدها في السوق مستفيدة من الريع، والمثال في المسرح وفي المديح والسماع. فكيف لجمعية تحتل مدرسة تاريخية مرينية عمرها تسعة قرون أليس هذا عجب العجاب في المغرب.
اذا استثنينا فرع الجمعية المغربية لحقوق الانسان وفرع جمعية حماية المال العام وبعض الجمعيات المفيدة التي كانت محسوبة على حزب العدالة والتنمية، وبعض ايضا فروع احزاب اليسار على الرغم من ضعف هذه الاحزاب، واذا استثنينا مثلا جمعية جديدة تاسست في تازة مؤخرا تسمى الائتلاف المدني، اضن انه ليس هناك لا مجتمع مدني ولاهم يحزنون، معظم الجمعيات النشيطة في الثقافة والمسرخ وغيرها مسحرة من طرف السياسيين العقاريين من اجل الانتخابات، ولا تظهر سوى في الانتخابات وهي المستفيدة من المنح وكرم المجلس البلدي. والمثال في جمعية للمديح والسماع دون حوالي 30 جمعية اخرى للمديح والسماع في هذه المدينة، يكفي ان المجلس تبرع عليها بالمدرسة المرينية والماء والكهرباء وسيارة للنقل وسائق الكرم الحاتمي، فهل هذا هو المجتمع المدني لك الله يا تازة اما المجتمع المدني فلا روح فيه ولا حياة الكل يسيل لعبه على الريع. لهذا هاجرنا هذه البيئة والحمد لله
من غرائب الجمعيات في هذه المدينة المسكينة التي اصابها مرض لم ينفع معه علاج، هو ان بعض الجمعيات يتم خلقها سريعا وتموت سريعا ، ربما فقط من اجل قضاء جاجة معينة او صرف ميزانية معينة ولله اعلم. وهذه الجمعيات الصغيرة يؤسسها من لهم مستوى ثقافي ودبلومات، ومن الجمعيات في تازة من كانت في مجال وتحولت لمجال آخر تتلون مثل الحرباء للاستفاذة من الريع مثل جمعية الفقاقيس للمسرخ. المثل يقول كما تكونوا يولى عليكم، جمعيات بسيطة واهداف بسيطة وعقول بسيطة تعطي نتائج بسيطة.