لكل قراءته الخاصة في مادة التاريخ

لكل قراءته الخاصة في مادة التاريخ
السبت 9 شتنبر 2023 - 00:01

باستقرائي التعليقات على مقال قيّم في جريدة هسبريس بخصوص فتنة فاس أواخر عهد مولاي سليمان سنة 1820، اكتشفت وأدركت أنه من السذاجة الاعتقاد أن مثل تلك الأحداث الفظيعة والأليمة، وما أكثرها في تاريخ المسلمين كغيرهم، ستقود حتما كل قارئ إلى مقارنة الماضي بالحاضر فيعتبر ويتعظ؛ كنت أعتقد أنه سيقارن أحوال أسلافنا البئيسة تحت حكم الدولة العتيقة، حيث كانت وظلت الغلبة لذوي الشوكة تحت رحمة منطق من غلبت شوكته وجبت طاعته حتى يتصرف في ما بيده بما يحلو له، من جهة، بأحوالنا اليوم في ظل الدولة الحديثة المحكومة بقوة القانون من جهة ثانية، فيحمد الله على ما ننعم به في ظلها من أمن على الحرمات. بل اكتشفت حينها أن تلك كانت قراءتي الخاصة لتاريخ المسلمين منذ أن اعتكفت على قراءته شرقا وغربا بقصد الاطلاع عليه مع البحث فيه عن أسباب تخلفنا في وقت تقدم غيرنا. ولهذا التعليقات على المقالات تستحق من الباحثين في علوم الاجتماع دراستها، لما فيها من فوائد قيمة.

اكتشفت من خلال استقراء الخمسة وخمسين تعليقا على مضمون المقال المذكور أن كل قارئ ينظر لما ورد فيه من أحداث مرعبة فقط من الزاوية التي تخصه؛ فاكتشفت واقتنعت بأن لكل من القراء خلفياته الثقافية والإيديولوجية والسياسية المكتسبة طيلة حياته، وبها ومن خلالها فقط يقرأ ما يقرأ من أخبار الماضي وأخبار الحاضر. وهكذا لم تكن كما ينبغي تلك الأحداث الواردة في المقال المذكور فظيعة وأليمة بالنسبة لكل قارئ. تلك الأحداث التي تعددت وتنوعت أطرافها من مخزن وعبيده وجيش الأوداية وفصائل قبلية مسلحة من البربر ومن العرب وقوى دينية وسياسية وازنة من بعض الشرفاء وشيوخ بعض الزوايا، وحتى من تجار وأعيان وأعلام فئات من علماء فاس المتعارضة.

وبدلا من التفكير في الأسباب السياسية العميقة لتلك الأحداث الأليمة بالنسبة لعموم الرعية من البسطاء ومتوسطي الحال، واستنتاج الدروس والعبر بمقارنة أحوالهم بأحوالنا اليوم، وتلك كانت ومازالت، كما ينبغي في نظري، قراءتي الخاصة بي لتاريخ البلاد، وجدت في كل تعليق على المقال المذكور أن صاحبه قد سافر في الزمن إلى تلك الحقبة واعتبر نفسه طرفا في تلك الفتنة، بل وانخرط فيها وتحيز لفئة على حساب الأخرى، وذلك وفق خلفياته الثقافية والإيديولوجية والسياسية وحتى الشعوبية والقبلية الخاصة به والمكتسبة كلها طيلة حياته.

فمنهم من تحيز مثلا للطرف البربري على حساب الطرف العربي، والعكس بالعكس، أو تعصب لهذا أو ذاك على حساب المخزن، أو كان مع المخزن جملة وتفصيلا، ومنهم من تحيز مثلا لمدينة فاس بأكملها، مع الاعتزاز بها كعاصمة علمية ولأهلها كقوة معارضة ومقاومة على الدوام للمخزن، ومنهم بالعكس من كل ذلك من رق قلبه للسلطان مولاي سليمان كفقيه وعالم جليل، لما صار مغلوبا على أمره من بعد نكبته في معركة زيان التي وجد فيها أسير حرب بيد خصومه من قبيلة آيت أومالو، الذين أشفقوا على حاله ثم قادوه إلى ضواحي مكناس وأخلوا سبيله؛ وذلك على حساب كل خصومه من الأطراف المتمردة عليه، وهكذا…

ولم أجد من بين المعلقين على مضامين المقال المؤلمة من سما بفكره من فوق كل تلك الأطراف المتصارعة ليتهم، كما ينبغي وبحق، طبيعة تلك الدولة العتيقة التي كانت تحكمهم جميعا؛ الأمر الذي لا يتأتى سوى بمقارنتها بالدولة الحديثة التي نعيش في كنفها آمنين على كل حرماتنا من مآسي مثل تلك الفوضى الهدامة والمدمرة التي كانت تؤدي دائما ثمنها غاليا جموع الرعية المسكينة الواسعة من البسطاء ومن متوسطي الحال، التي لا ناقة لها ولا جمل في أحداثها. وذلك وفق المثل القائل إن معركة الجمال في البركة تؤدي ثمنها دائما الضفادع البريئة.

ومن خلال تلك التعليقات على المقال وجدت أن كل قارئ للتاريخ يبحث فيه عما يزكي ويؤيد أفكاره المسبقة، وقد يتوقف بالمرة عن تتمة قراءة بقية المقال حالما يجده، فيبادر إلى تدوين تعليقه وإرساله، ويكون بذلك قد شفى غليله بعيدا كل البعد عن مقصود كاتب المقال من إرساله لنشره.

لكن في الواقع، ينبغي ألا ننتظر ممن يعاني اليوم من أحوال بئيسة أن يقارن سوء أحوال أسلافنا تحت رحمة وهشاشة دولة المخزن العتيقة بما ينعم به غيره اليوم من أمن على الحرمات، في ظل دولة الحق والقانون. تلك فقط قراءة كل من هو في وضعية اجتماعية مريحة ويخشى من الفوضى على مكتسباته.

فلا ننتظرها كذلك من كل من ينتسب لفئة اجتماعية معينة أو فقط يتعاطف معها، ويعتقد أنها مظلومة، من مثل ساكنة الأحياء الهشة ضواحي المدن الكبرى وبالمناطق النائية والمعزولة؛ فهو لا يرى ذلك الفرق الشاسع بين أحوال العباد والبلاد في الماضي وأحوالهم في الحاضر بما له وما عليه، وذلك رغم رؤيته صباح مساء لأسوار المدن العتيقة التي مازالت قائمة وقد صارت من التراث المعماري بعيدا كل البعد عن مهامها الأمنية الأصلية، وكذلك المخازن المحصّنة في المرتفعات الأطلسية التي تسمى أڴادير والخالية اليوم على عروشها، بعيدا كل البعد عن الخوف على أمن الحرمات الذي كان سببا في تشييدها.

وهكذا بسبب إغفاله قراءة تاريخ البلاد والعباد لا يرى أن سوء أحوال تلك الفئة المعزولة اليوم في المناطق النائية وساكنة الأحياء الهشة في ضواحي المدن كان قديما هو حال عموم فئات المجتمع البسيطة ومتوسطة الحال، بل وأسوأ منها. ولا تنتظر أيضا تلك القراءة السامية ممن له مآرب سياسية أو إيديولوجية خاصة به، ولا حاجة له بمقارنة سوء أحوال البلاد والعباد في الماضي بأحوالها اليوم في ظل الدولة الحديثة.

لكن كل ذلك، في اعتقادي، لا يضر. كل أولئك يتطلعون إلى مستقبل أفضل. ويتطلعون إليه في ظل دولة الحق والقانون الحديثة التي لا يبغون عنها بديلا. بل الخطر كل الخطر، وكما سبق لي التركيز عليه في مقالات سابقة، يبقى في النزعة التمجيدية الطاغية على تدريس مادة تاريخ المسلمين، وفي تقديمها بمختلف وسائل الإعلام، والتي مازال يتغذى منها التطرف.

هكذا وجدت تعليقا لا يصدق فيه صاحبه ما قرأه في المقال المذكور من أحداث فظيعة ومؤلمة، وقال عنها بكل عفوية وبصدق إنها مجرد أساطير وخرفات من نسيج أعداء الأمة؛ وهو يجهل، بسبب التقصير في تدريس مادة التاريخ وفي تقديمها بوسائل الإعلام، أن تلك الأحداث التي استعصى عليه تصديقها مدوّنة في كتاب الجيش العرمرم، لأبي عبد الله محمد أكنسوس الذي عاشها من قريب كشاهد.

ومثل هذا القارئ قد يصير عنده، لا قدر الله، استعداد لسماع وتقبل خطاب المتطرفين الذين بجهلهم لحقيقة تاريخ المسلمين مثله يسعون إلى إعادة إنتاج الدولة العتيقة، متوّهمين أنها كانت كلها أمجاد كي يواجهوا بها على الخصوص الغرب المتفوق والمهيمن على العالم، والذي يرون أنه يتحداهم. ويسعون إلى استبدال الدولة الحديثة بما لها وما عليها، التي كانت سببا في تقدم غيرنا، بالدولة العتيقة بكل مثالبها التي كانت سببا في تخلف أجدادنا، وهم بجهلهم لحقيقة تاريخ أمتنا يحسبون أنهم يحسنون صنعا، كمن يقول بلسان حاله داويني بالتي كانت هي الداء.

في مقابل ذلك وجدت تعليقا يتساءل فيه صاحبه وبحق عن سبب غياب تدريس مثل تلك الفتن في مادة تاريخ المسلمين؛ لكن ما هو الهدف البيداغوجي من تدريسها في غياب قراءة عامة مشتركة إلى جانب مختلف القراءات الخاصة المشروعة، التي من شأنها أن تفضي إلى استخلاص الدروس والعبر المحصِّنة من مخاطر آفة التطرف؟.

وعليه، فلا ضْير أن تكون لكل منا بشكل طبيعي قراءته الخاصة لتاريخنا وفق خلفياته الخاصة به، فذلك حق مشروع، وفق مقولة الخبر مقدس والتعليق حر؛ لكن مع تواجد خطر التطرف، فإلى جانب تلك القراءات الخاصة ينبغي أن تكون المقارنة بين مثالب الدولة العتيقة ومحاسن الدولة الحديثة بما لها وما عليها حاضرة دوما كقراءة متسامية ومشتركة وعامة بين الجميع، إلى جانب كل قراءة خاصة. ويبقى هذا في نظري من مهام قطاع التعليم في تدريس مادة تاريخ البلاد بصفة خاصة وتاريخ المسلمين بصفة عامة، ومن مهام مختلف وسائل الإعلام في برامجها.

وبالله التوفيق.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 7

اللغات المغربية في الأدب والإعلام