لم أكن لأقف عند ملف أزمة التعليم بالمغرب، لولا ما جاء في إحدى مقالات الدكتور سعيد يقطين في مجلة “القدس العربي”، من أفكار ومواقف هي في حاجة إلى نقاش موسع، ولولا الجدل الحالي حول النظام الأساسي الجديد، الذي هو على كل حال استمرار لإخفاق المنظومة التربوية والتعليمية بالمغرب.
أما ما جاء في برنامج يوم الأربعاء 05 أكتوبر 2023 مع (الصحفي/المحلل) المدعو جمال براوي، حول احتجاجات التنسيقيات التعليمية، فإنه لمن المضحكات المبكيات أن نجد (صحفيا) يناقش موضوعا ذا حساسية مفرطة، بتلك الطريقة البائسة، والمليئة بالأحقاد والكراهية غير المفهومة ولا المبررة، التي لا تليق البتة برجل يفترض أنه يمثل النخبة، وما هو بذلك، طريقة تثير الشفقة والسخرية، لا لغة ولا أسلوب ولا منطق ولا هم يحزنون. لذلك لن أكلف نفسي عناء الرد عليه، لأن الزبد يذهب غثاء، أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، وهو ما سنعمل على مناقشته مع أستاذنا الجليل (الأستاذ الحجة) الدكتور سعيد يقطين، بشكل راق، وأسلوب حضاري.
في مقالة سابقة لدكتورنا الفاضل، تحت عنوان “الشيخ والتلميذ”، بجريدة “القدس العربي” 5 شتنبر 2023، يقول بالحرف متحدثا عن أزمة التعليم بالمغرب، ومقترحا بعض المخرجات لها “إن غياب التفكير في المدرس الجيد أدى إلى تكريس التخبط الذي نعيش فيه، إذا كانت عند المدرس مشاكل معرفية وتربوية، وغير قادر على مواكبة ما يجري على الصعيد التربوي والمعرفي أنى له أن يضطلع بدوره في ممارسة التعليم والتربية والتهذيب”؟
مبدئيا أتفق مع الدكتور سعيد يقطين، بخصوص ما جاء في تضاعيف هذه المقالة، على أن أزمة التعليم في المغرب هي أزمة بنيوية. لكن عندما نقول أزمة بنيوية، علينا أن نضع نصب أعيننا، أنها أزمة خيارات سياسية تنتهجها الدولة في تدبير الشؤون العامة للبلاد والعباد. أزمة لا يمكن فصلها بأي حال من الأحوال، عن باقي القطاعات الأخرى، تأثيرا وتأثرا. إلا أن ما لا أتفق فيه، مع الدكتور الفاضل، هو حصره لأزمة التعليم في المدرس بشكل كبير، بوصفه يفتقر للآليات الحديثة في التربية، وللمستجدات المعرفية في هذا المجال، على الرغم من أن الكاتب حاول بنوع من المخاتلة، فذلكة ذلك بمؤسسات التكوين. والحق أتمنى أن يكون قصده، غير ما انتهيت إليه، أو أن أكون مخطئا في قراءتي لمضمون هذا المقتطف لِما أُكِنُّه لهذا الرجل المحترم من تقدير، نظير ما قدمه للثقافة المغربية منذ أزيد من أربعة عقود.
مسألة أخرى أخالف الكاتب الرأي فيها، هي انتصاره أو حنينه لعقلية الشيخ والمريد، بما يتنافى مع نتائج وخلاصات الأبحاث والدراسات المعاصرة في علوم التربية، وكذا مناهج التربية الحديثة. صحيح جدا، إذا كان التعليم، في السابق، قد أدى وظيفته بشكل قوي وفعال، حسب الكثيرين، فإن هذا لا يعني أن هذه الفلسفة التعليمية هي النموذج، لأن ظروف مرحلة ما بعد الاستقلال -مرحلة البناء أقصد- بسياقاتها التاريخية والسوسيو- ثقافية، هي التي جعلت منه نموذجا ناجحا آنئذ، لكن أن ندعو في وقتنا الراهن (مع اختلاف الزمان والسياق) الذي هو في حاجة ماسة إلى الاختلاف والمغايرة والنقد ونبذ النسخة، أي عقلية الشيخ والمريد، التي يدافع عنها دكتورنا، قلت أن ندعو إلى العودة إلى هذا النموذج، فلعمري تلكم دعوة نكوصية، لن تكون حلا لأزمة التعليم بالمغرب البتة.
المسألة الثانية التي استفزتني أكثر، هو النظام الأساسي الأخير، الذي كانت سمته الأساس البلقنة والارتجال والتسرع، بدو التشاور مع المتدخلين الحقيقيين في هذه المنظومة التربوية، الشيء الذي خلف ضحايا، وتخوفا خطيرا بخصوص مستقبل التعليم بالمغرب، لا في صفوف المشتغلين في القطاع وحدهم، على اعتبار أنهم هم المعنيون أولا بهذا النظام، وإنما، أيضا وعطفا على ذلك، في صفوف آباء وأولياء التلميذات والتلاميذ. وسأقتصر في هذا المقال على ثلاثة مؤشرات، أعتبرها كافية لإبراز تناقضات وهشاشة هذا النظام، دون أن أتطرق إلى مسألة عدم مطلب الزيادة في الأجور (قابلتها زيادة في المهام والعقوبات) التي تجمدت عقدا من الزمن ونيف، ما جعل الوضع الاجتماعي لموظفي التعليم، في حالة مزرية تنذر بمستقبل اجتماعي مختل، لأنها نقطة تحتاج إلى مرافعة خاصة.
إن من أبرز النتائج التي سطرها النظام الأساسي، هو “إحداث التحول المنشود في المدرسة العمومية، وإرساء آليات جديدة للتحفيز والحكامة وتأمين الزمن المدرسي”، كما جاء في تضاعيف الصيغة النهائية لهذا النظام.
طيب، لنقف عند الجملة المحورية في هذه الفقرة، التي تشير إلى ثلاث كلمات مفاتيح، وهي مؤشرات تسعف أي ملاحظ أو متتبع للشأن التعليمي، لكي يتأكد بسرعة، من خلالها، من فشل هذا النظام، وهو لا يزال في مهده، خصوصا إذا ما حاولنا مطابقة ما هو نظري مع ما هو معطى في الواقع، والكلمات/ العبارات هي:
التحفيز: عن أي تحفيز تتحدث الوزارة، وقطب الرحى في المنظومة التربوية والتعليمية، أقصد الأستاذ، تحول إلى مشجب علقت عليه ولا تزال، كل الوزارات التي تعاقبت على تسيير هذا القطاع، فشلها وأوزارها، الأستاذ الذي أصبح مثارا للسخرية، في المخيال الشعبي، بفعل فاعل، وبشكل ممنهج، حتى أن التنكيت الاجتماعي لم يخل من إهانات لهذا الرجل، بمناسبة وبدونها، الأستاذ الذي ما يزال يتقاضى الحد الأدنى من الأجور(السميك مع الرأفة)، وهو مطالب بشراء الأقلام اللبدية، والمماحي، ونسخ الفروض، والوزرات الخاصة، والحواسيب، وجواراتها.. من ماله الخاص، بل إن الأنشطة الثقافية والرياضية الموازية نفسها، لا تقام إلا من جيوب الأساتذة، في الغالب؛ عن أي تحفيز تتحدث الوزارة، والأستاذ يرى نفسه الحلقة الأضعف في هذه العملية، الأستاذ الذي سُلبتْ منه ثقته بنفسه، قبل ثقة الآخرين به، حتى أن أولئك الذين كنا نترجى فيهم خيرا بالأستاذ، طعنوه من الخلف، وساوموا به عند أول منعطف؛ عن أي تحفيز تتحدث الدولة، وهي لا توفر الدعم المادي لهيئة التدريس، واللوجستيكي، والتدريب والتكوين المستمرين، بما يحفز الطلاب والتلاميذ ويشجعهم على التعلم.
صحيح جدا، أن الحافزية هي أحد أهم العوامل، التي تؤثر على جودة التعليم في أي بلد يحترم مواطنيه، لكن عن أي حافزية يتحدث هذا النظام، في غياب مطلق لأي دعم تحفيزي، كيفما كانت طبيعته، لرجل التعليم، محور العملية التربوية برمتها، بل الأنكى من ذلك، إنه يجد نفسه، وفق ما جاء في فصول ومواد هذه الوثيقة، مستهدفا بالدرجة الأولى.
الحكامة: تعتبر الحكامة في التعليم، في البلدان الديمقراطية، أمرًا حاسمًا في تحقيق التطوير والتقدم في القطاع التعليمي. والكل يتفق على أن تحقيق نظام تعليمي فعال، يتطلب وجود هياكل إدارية واضحة، ومؤسسات قوية، تقوم بإدارة وتنظيم القطاع بشكل فعّال. ومن بين ما ينبغي أن تقوم عليه الحكامة، وهذا ما لم تحترمه الوزارة في طبخ هذا النظام:
1- الشفافية والمساءلة: المفروض في الحكامة، أن تتسم عمليات اتخاذ القرارات في التعليم بالشفافية والمساءلة. لكن ما لاحظناه أثناء طبخ مضامين فصول هذا النظام، هو السرية المطلقة، حتى مع من يفترض فيهم تمثيل الشغيلة التعليمية بالمغرب. فكيف يعقل أن نسمي هذا النظام اتفاقا، ونحن لا نعرف مع من اتفقت الوزارة، خصوصا وأن الطرف الآخر في الاتفاق (النقابات) تبرأ منه جملة وتفصيلا، كما جاء في الخرجات الإعلامية لممثلي هذه النقابات في الحوار واللجنة التقنية.
2- الديمقراطية التشاركية: من أدبيات الديمقراطيات الحقة، هو إشراك المعنيين في اتخاذ القرارات المصيرية والحاسمة في أي قضية تخصر مصير المجتمع. إلا أن ما لاحظناه، في وأثناء، صياغة هذا النظام، علما أنه يخص ملفا يعتبر من أولويات الدولة (القضية الوطنية الثانية)، هو تغييب المعنيين الحقيقيين بالأمر في صياغة مواده وفصوله؛ فقد كان من المفروض التشاور مع التنسيقيات والجمعيات الممثلة لهيئة التدريس، والأطر الإدارية، والأحزاب السياسية، وفدرالية أمهات وآباء التلميذات والتلاميذ، والجمعيات الحقوقية، والمدنية، في إطار مناظرة وطنية حقيقية، تخرج بتوصيات متفق عليها، تكون أرضية ومرجعا لهذا النظام.
إن الحكامة الحقة، هي التي تضمن تقديم التعليم بجودة عالية، وتطوير مستدام، من خلال تحقيق الشفافية، والتنسيق مع الجهات المعنية، وتطوير المناهج، بما يضمن تعزيز الفرص التعليمية، والتكافؤ والاستحقاق وتحسين مستقبل التلاميذ والطلاب داخل المجتمع ككل.
3- تأمين الزمن المدرسي: إن تجويد التعليم من أجل تحقيق ما سمته الوزارة بالجاذبية، مطلب معقول وملح، ولا يمكن أن ينكره إلا جاحد، لأنه يشكل العامل الرئيس لتأمين الزمن المدرسي. وتحقيق هذا الأمر يشترط منهجية خاصة، وحكامة حقيقية. لكن هل وفرت الوزارة هذا المناخ المناسب، بعيدا عن الاحتقان والتوتر، بما يشكل مسا حقيقيا بالزمن المدرسي. كيف يمكنك أن ترفع شعارا جذابا “تأمين الزمن المدرسي”، وأنت تأتي بسيل من العقوبات، والمهام المضافة التي تفوق طاقة الأستاذ، ماديا وجسديا، دون أي تعويض تحفيزي، بل وتجهز على ما تبقى من المكتسبات، في نظام ملغوم كهذا. من المسؤول عن دخول كل الأساتذة مجبرين، بأسلاكهم الثلاثة، في إضرابات يومية، صباحا ومساء، لولا تعنت الوزارة في انفرادها بقرار إخراج النظام الأساسي، في صيغته النهائية، إلى الوجود، دون موافقة النقابات المشاركة في الحوار، وفي اللجنة التي تكلفت بصياغته، بل إنها تحدت الجميع، بالتعجيل بنشره في الجريدة الرسمية.
وفي الحقيقة، إن هذا النظام الجديد، ما هو إلا تجل جديد من تجليات أزمة التعليم القديمة الجديدة في المغرب، وإن هذه الأزمة، ما لم تكن هناك إرادة سياسية حقيقية في إحداث ثورة كوبرنيكية في هذا القطاع في أفق تعليم وطني متطور، ستتفاقم أكثر مستقبلا، بما يهدد التعليم العمومي في هذه البلاد. لا محيد إذن، عن تدخل عاجل يعمل على مراجعة مضامين النظام الحالي، باستحضار كل مطالب الشغيلة التعليمية، التي هي مطالب عادلة، وأيضا يعمل على الرقي في التعامل اللائق مع المدرس، محور العملية التربوية، وكذا تحسين جودة التعليم، وتوفير فرص متساوية للتعلم في جميع المناطق، بما يحقق العدالة المجالية في هذا القطاع؛ كما يجب تعزيز تدريب وتكوين الأساتذة بشكل مستمر ومخطط له مركزيا، لا بمقاس الارتجالية والعشوائية والمزاجية، التي عشناها ولا نزال، مع ضرورة تقديم الدعم اللازم للمؤسسات التعليمية، التي تحولت بفعل تقادمها الرمزي إلى مجرد بنايات، لا حياة فيها.
مقال كفى و وفى سلمت اناملك بالمفيد المختصر تمت تعرية النظام الأساسي بنجاح
وقفت على الجرح
المدرس هو محور المنظومة وأي إصلاح لا يرد الاعتبار لرجل التعليم ويرفع من مكانته الاجتماعية مصيره مصير الإصلاحات السابقة
النظام الأساسي الجديد نظام مشؤوم يعيدنا إلى نظام الإقطاعية