ملحمة الزًّ..عِيقْ و النـَّ..هِيقْ

ملحمة الزًّ..عِيقْ و النـَّ..هِيقْ
الأربعاء 9 أكتوبر 2013 - 15:55

الفضاء شاسع. الحقول جرداء، حمراء، ممتدة على مرأى البصر. تلوح في الأفق نقطة سوداء.. تكبر. تكبر. تأخذ شكل حمار.. حمار وحيد، أغبر، مُعطّل، يقف صامدا تحت أشعة الشمس الخريفية. يحرك رأسه، ذيله، قوائمه بشكل آلي. يقاوم ذبابة زرقاء ملعونة. تحوم الذبابة حوله. تحدد الهدف. تغوص بسرعة صاروخية في المنطقة الظهرية المجردة من الدفاع. يرتعد جسده من هول الاختراق، من النهش الدؤوب لجراحه الغائرة المستديمة. جراح تتوج رصيده من الغبن لسنوات طويلة من الأشغال الشاقة. يتألم. يعتاد الألم. يستطيبه. يصبح جزءا من وجوده. تستريح الذبابة من امتصاص االدماء الراكدة. تفقد الشهية. ترخي جناحيها فوق الدموع المتكلسة.

يهدأ الألم. يَقِيل الحمار واقفا. تسرح عيناه السوداوان، الجميلتان، الدامعتان، في فراغ بهيم. يستعيد نزقه يوم كان جحشا، يجوب الحقول الخضراء في خفة الغزلان، يتسابق على امتطائه أطفال الدوار العابثون. يتذكر الطرقات الملتوية، فنادق الأسواق، نظرات الإعجاب من عيون الآتان. يتحسر على زمن مضى، قبل أن يقذف البحر بهذه الحيوانات الميكانيكية، البنزينية، المفترسة، الهلوعة . تنزع منه وظائفه. ترمي به إلى مهملات التاريخ. لا بأس. لازال في الذاكرة متسع للحلم. يحلم أحلام الحمير: حفنة شعير، ذراع برسيم، دلو ماء، رفيقة لعوبة، خنوعة، صبورة. تزداد الشمس التهابا، تستعيد الذبابة نشاطها، يسعد الحمار بمصيره. يدخل المشهد في حكم العادي المألوف. تأخذ الحياة إيقاعها الرتيب.تميل الشمس نحو الغروب، يأخذ الحمار “السعيد” طريقه المعتادة نحو المبيت، الحمر لا تخطئ الطريق. تستوقفه شاحنة وردية تعج بالشباب والكهول والحمير.

ينزل شابان مفتولا العضلات. يعترضان طريقه بأدب واحترام غريبين. يحدثانه بلغة طنانة، رنانة، غريبة عن معجمه الفقير[ “أرًّا”-“أشًّا”]. يظل السعيد واقفا، صامتا، صامدا. ينبهر الشابان بقوة شخصيته. يتوسمان فيه صفات قيادية: القدرة على الإصغاء، النفاذ إلى الأعماق، امتصاص ردود الفعل، إفحام الخصوم، التريث في اتخاذ القرارات. هكذا تعلما، أو شبه لهما. يقنتعان باختيارهما. يخرجان، من حقيبة جلدية صغيرة، أدوات الحلاقة والصباغة والتجميل. يشرعان في بناء القائد الحكيم. تنطلق الأنامل الفنية. تُطلى أجفانه، ظهره، بطنه، قوائمه باللون الوردي. تختفي الجراح القديمة تحت الطلاء. يشعر الحمار بألم من نوع آخر. يتحمل. لا يعرف طريقة أخرى للدفاع عن نفسه سوى التحمل. تستمر أنامل العبث في تجميل ما شوهه الزمن. يأخذ الحمار شكلا لائقا بالزعيم المتنظر.

تنطلق الشاحنة الوردية. تأخذ طريقها، إسوة بأخواتها المنتشرات في أرجاء البلاد، نحو الرباط، نحو فضاءات الاحتجاجات والاعتصامات والتظاهرات والتنفيس عن المشاعر المكبوتة، والأحلام المجهضة. فضاء يعج بالحركة والحيوية، بفرجة سياسية أقرب ما تكون إلى المحاكاة والتقليد والعبثية. فرجة محصورة في المكان، محدودة في الزمان. أبطالها مهووسون بالظهور، مدربون على الهتافات، ترديد الشعارات. يأتون أيام الآحاد، يقضون نزهة نضالية. وجوه مألوفة، مدمنة على الحضور، على أخذ الصور التذكارية العنيفة الملطخة بالدماء. لا تكتمل الفرجة. لا تأخذ صدقها الفني بدون دماء. في الدانب الآخر من المشهد قوات عمومية مدربة على الاختراق وضبط الإيقاع. قوات تنكمش أحيانا. تعطي الانطباع بصورتنا الحضارية الإنسانية المؤمنة بالحوار وسلمية الاحتجاج. تطيش تارة لتمنح للفرجة إيقاعها، نموها الدرامي، قوتها الإقناعية، في محاكاة للعبة الكر والفر والإقبال والإدبار. صحافة متربصة. تقتات من الأحداث. تصور، تدون ، تسجل – في الغالب – من أجل التوثيق والاستثمار البعدي، من أجل دراسة جودة الأداء، وقيمة الإنتاج، وضبط الأبطال الخارجين عن النص، المتجاهلين لتوجيهات السيناريست، المتجاوزين لتقطيعات الإخراج. تُركِّب الشدرات. تغذي عشاق الفرجة عن بعد. ينتهي صداها إلى اليتلاشى في أرشيف المواقع الاجتماعية.يطل المساء. يسدل الستار عن النزهة الأسبوعية الآحادية. تطفأ الأضواء.

تصل الشاحنات الوردية إلى العاصمة. يطل “السعيد” المُجمًّل من أعلى الشاحنة، يجيل بصره في المشهد الآخذ في التشكل. يفتح عينين تميزان الألوان بعد عملية التجميل. يرى. شوارع مسفلتة، أرصفة منضدة، حدائق، عمارات تتحدى عنقه المنحني دوما. حيوانات ميكانيكية كثيرة، متعددة الأحجام والأشكال والألوان. يستغرب. يبحث عبثا عن الذبابة الزرقاء، عن الحقول الجرداء، عن الطرق الملتوية. لا أثر. يدرك أنه في كوكب آخر. يدقق النظر في ما حوله. شبان، كهول، نساء، رجال، حمير من مختلف الأصناف والأعمار يتدفقون من الشاحنات الوردية. يقفز من الشاحنة إلى مقدمة الصفوف. يتلفت يمينا، يتلفت يسارا. تتراءى له الآتان الوردية مزدانات بلافتات مخطوطة مزركشة برموز ونقوش وحناء. يستعيد حيويته، ينتفض شبابه. يندفع. يتراجع. يترزن، ينضبط. ليس سهلا أن تكون زعيما.

تتعالى الجلبة واللغط. تشرئب الأعناق. تخفق الأفئدة. يُهلُّ الزعيم الوردي، راكبا موجة من الأشياع والأتباع، والمستشارين والمخططين والممولين، ومشاريع الزعماء والوزراء. يترجل الزعيم على الأرض. تنحني رقاب البشر إلى مستوى رقاب الحمير. يبدو الزعيم القصير في مستوى أعلى من الحشود. يصعد على كتفين مفتولين. يبدو أعلى بكثير من الإمكانيات البصرية لمنتكسي الرقاب. يفتح فاه. يُكبّر، يُحمدل، يُحوقِل. يتعالى زعيقه. تتطاير الكلمات. تتناثر العبارات المُؤعلمة: المقايسة، المقاصة، الإصلاح الضريبي، الساعة الإضافية، عطالة حاملي الشهادات، تهميش الحمير كطاقة طبيعية، مصلحة الوطن العليا، استنزاف جيوب الفقراء، الأزمة العالمية، الحرب الكونية، الانتخابات المبكرة، الدولة العميقة. الفساد. الكساد. يتصاعد التصفيق. ترتفع حدة الزعيق..

تتضارب الأصوات في أُذني حمارنا “السعيد”. تشتد حرارة الإسفلت الملتهب تحت قوائمه المصفحة. يتألم. يتحمل. يفقد الصبر. يرفع قائميه الأماميين. يرفع رأسه. يفقد صمته. يشرع في النهيق. تسمعه الحمير. ترفع قوائمها الأمامية. يعلو النهيق. يختلط النهيق بالزعيق. يستمر الزعيم الوردي في الزعيق. تشتغل الكاميرات، الميكروفونات، الهواتف المحمولة. تشتعل الفرجة. ينطلق “السعيد” سائرا على قائميه الخلفيين، بحثا عن الرطوبة. تتبعه بقية الحمير في رقصة عرجاء. يظل البشر قابعين مشدوهين. ينتشر الحمير في كواليس الفضاء المسرحي الرحب. ينسحب الزعيم. تتبخر حاشيته. يستمر “السعيد” في الخبط على قائم واحد. ينتهي به الرقص أمام الرقراق. يغمس قائميه المصفحين في الماء. يستعيد وعيه. تتراءى له الذبابة الزرقاء نفاثة. يبتسم. يستعيد هويته. حموريته. يحن إلى الألم القديم. يلتفت. يجد المدينة السعيدة غاطّة في النوم. يسترشد بالذبابة في طريق العودة إلى الديار. ينزل الظلام. لينتهي الجزء العاشر من ملحمة الز..عيق والن..هيق.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • AnteYankees
    الأربعاء 9 أكتوبر 2013 - 17:21

    و قد تسبب الحمير في حادثة سير إدا ما وجد السائق في الطريق بسرعة ستمر و كانه غير موجود بسيارته على الإسفلت. ما يدمي القلب هو أن الحمير لا تحس بألم الأدميين إدا ما وجدوا على حافة الطريق ملطخين بدمائهم يترنحون بين الموت و الحياة.

  • AGDIR
    الأربعاء 9 أكتوبر 2013 - 19:28

    من الناحية الاخلاقية والدينية والانسابية لا يجوز ابدا تشبيه الانسان الدي كرمه الله وسجدت له الملائكة بالحمير كيفما كانت افعاله وعرقه وفصيلته

  • berbere
    الأربعاء 9 أكتوبر 2013 - 20:16

    الى 1
    حتى الجمال والبقر تتسبب في الحوادث السير زعما كاع مانظلموا الحمير.
    اما بالنسبة للبكاء صح كاين فرق كبير بين الحمار عزكم الله والكلب حشاكم والخيل بارك الله لكم فيها.
    الكلب مولف اللعب ودخول الى وسط البيوت ويهزوه بين دراعهم واحيانا اغلى الاغدية يعني الفشوش نهار يشوف صاحبو مات احيانا يتبعو .
    نفس الشيء للخيل فقط السبور ولابوتي لادوش ومرة مرة دلع .ونهار يموت صاحبه كايموت معاه.
    اما الحمار حشاكم ماترباش على الدلع هو لي يهز صاحبه هو لي يتمشى به ويهز عليه ثقل ونهار يجوع او يعم الجوع في البيت اول واحد يستغنو عليه ويسيبوه للخارج ماكاين لي يدلعو باش يحن.+الحمار لايبكي على صاحبه حتى لايزيد من نار الي ستحرقه في جهنم (حنا كايقولو مامليحش تبكي وتنوح على الميت لان النواح يتحول لحطب والدموع تتحول للنار)

صوت وصورة
مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"
السبت 26 شتنبر 2026 - 22:40 2

مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"

صوت وصورة
ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي
السبت 26 شتنبر 2026 - 21:30 6

ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي

صوت وصورة
ساكنة سلا تتحسر
السبت 26 شتنبر 2026 - 17:49 10

ساكنة سلا تتحسر

صوت وصورة
مرافق مهملة بالدار البيضاء
السبت 26 شتنبر 2026 - 13:57 4

مرافق مهملة بالدار البيضاء

صوت وصورة
الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:49 9

الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي

صوت وصورة
بنكيران: البيجيدي في المعارضة
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:02 18

بنكيران: البيجيدي في المعارضة