الكفاءة أم "الكوطة"؟

الكفاءة أم "الكوطة"؟
الأربعاء 20 نونبر 2024 - 09:10

تحتل المدرسة المغربية، من حيث الأهمية الوطنية، الرتبة الثانية بعد الوحدة الترابية. ولهذا، يعتبر ورش إصلاح التعليم ورشًا استراتيجيًا للدولة بكل ما تحمله كلمة دولة من عمق ومعنى. مختلف التقارير، سواء “الرؤية الاستراتيجية أو القانون الإطار أو حتى التقرير العام للنموذج التنموي”، أجمعت على أن التكوين المستمر، وتجويد الممارسة الصفية، والانخراط الجاد والمسؤول للأطر التربوية، يُعد المدخل الأول والأساسي للإصلاح، تحت شعار “مدرسة الإنصاف والجودة”. وطبعا، لا جودة تربوية بلا كفاءة مهنية، والكفاءة تُقاس بواسطة الاختبار أو باعتماد معايير ترتبط بالممارسة والمردودية. والكفاءة أيضا تُحفز بواسطة الترقية وما يقابلها من أرقام استدلالية سمينة.

14 نونبر كان يومًا مميزًا بالنسبة لنساء ورجال التعليم. إنه، بلا شك، بمثابة عيد مهني لما يحمل في طياته من اعتراف وتحفيز لهذه الفئة العريضة من الموظفين. فالترقية تظل غايتهم المثلى، كغيرهم من الموظفين في المغرب، بل في العالم بأسره. رغم أهمية ومكانة عيد “الترقية المهنية” عبر امتحان الكفاءة، تُسجل مفارقة واضحة، تتمثل في سيكولوجية الانتظار والتلقي، بين فئة مبتهجة ومرحبة بالنتائج، وهي طبعا الفئة المحظوظة، وفئة مصدومة ومشككة في مصداقيته، وهي طبعا الفئة المنحوسة إن صح التعبير – مجازًا.

الكفاءة ومتلازمة الكوطة

تكمن مشكلة امتحان الكفاءة المهنية، الذي يُنظم سنويًا ما بين شهري أكتوبر ودجنبر، لفائدة موظفي وزارة التربية الوطنية الذين استكملوا ست سنوات من الأقدمية، في خضوعه لمنطق الكوطة، حسب تصريح الكثير من المعنيين بهذا الامتحان، حيث يتم سنويًا استهداف جهات وأقاليم دون غيرها. هذا ما أكده الكاتب الإقليمي لنقابة الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب (UNTM) بمولاي يعقوب. وبالتالي، فالكوطة المهنية يتم تداولها بين الجهات، ويعني ذلك أنه سنويًا هناك جغرافية الرخاء المهني مقابل جغرافية الشقاء المهني.

وهنا تُطرح مشكلة عتبة النجاح: هل هي وطنية؟ وهذا، طبعا، شبه مستحيل أمام مقارنة أرقام الناجحين المسجلة بكل جهة. يعني ذلك أن هناك عتبة خاصة بكل جهة، حسب منطق “جهات الاستهداف مقابل جهات الإقصاء”. ويمكن أن نستحضر في هذا الصدد عدد الناجحين بالسلك الثانوي التأهيلي خلال الامتحان المهني السابق (2022)، في مقارنة بسيطة بين جهة الشرق وجهة فاس مكناس. الأولى بلغ عدد الناجحين بها 232 ناجحًا، أما الثانية – فاس مكناس، فلم يتجاوز العدد 50 ناجحًا.

تُفسر هذه الأرقام المتعلقة بجهتي الشرق وفاس مكناس بأربع احتمالات لا خامس لها:

  1. الاحتمال الأول: هو العمل بمقاربة الكوطة بدل الكفاءة. وهنا، يصبح الامتحان المهني مجرد مسرحية مهنية، لأنه يضر بتكافؤ الفرص بين المترشحين، ويُقبر شغف الثقافة المهنية وإرادة الاستعداد لاجتياز الامتحان، ويجعله مجرد ضربة حظ.
  2. الاحتمال الثاني: تفاوت عدد الأساتذة الجدد بين الجهتين. وهذا ممكن، لكن لا يمكن أن يتفاوت بهذا الشكل، ونعلم الحمولة الديموغرافية لجهة فاس مكناس مقارنة بالشرق. وهنا، مرة ثانية، يمكن أن نقارن عدد المناصب الخاصة بمباراة توظيف أطر الأكاديميات – سابقًا، لسنة 2022، حيث بلغ عدد المناصب بجهة الشرق 1428 منصبًا، مقابل 1731 منصبًا بجهة فاس مكناس. تؤكد هذه المقارنة أن فرضية ثقل الموظفين الجدد بجهة الشرق مقابل فاس مكناس غير واردة.

مستوى الذكاء يتفاوت جغرافيًا!

  1. الاحتمال الثالث: تفاوت مستوى الذكاء بين أساتذة المغرب. وهذا، طبعا، يعتبر فرضية جينية يصعب إثباتها أو نفيها، رغم أن الحركة الوطنية تضمن النفي بامتياز. وقبل ذلك، لماذا لا نتأمل الأرقام المسجلة لنتائج الامتحان المثير للجدل لسنة 2023، حيث لم يتجاوز عدد الناجحين بجهة الشرق 155 ناجحًا، مقابل 428 ناجحًا بجهة فاس مكناس. وهذا يعني أن فرضية تفاوت مستوى الذكاء مجرد هراء لا غير.
  1. الاحتمال الرابع والأخير: شبهة الغش التي ترافق أي امتحان، طبعا. لكن علينا أن نتذكر أن هذا الامتحان يتعلق بموظفي التربية، وهم الفئة المسؤولة عن زرع قيم الحق والواجب، ومحاربة ظاهرة الغش التي تغزو امتحاناتنا الإشهادية. إذ لا يمكن أن يتقبل إنسان عاقل أن الحارس هو اللص في الآن نفسه. وحتى إذا سلمنا باستباحة هذه الظاهرة لامتحاناتنا المهنية، علينا أن نستحضر أن السلوك الاجتماعي والمهني، خصوصا، يرتبط بالأفراد. والأفراد هم أنفسهم، لكن لا يتحولون كل سنة كما يتحول لون الحرباء. يعني ذلك أن شبهة الغش بجهة ما دون أخرى غير واردة، خصوصا إذا تأملنا التفاوت السنوي للأرقام. لكن، رغم ذلك، لا يمكن أن نُزكم أنوفنا أمام رائحة ما يروج من تسرب لثقافة الغش المسكوت عنه ومن حديث البعض عن اعتماد الذكاء الاصطناعي عبر تطبيق CHAT GPT. شهادات صادمة ومخيبة، تضع منظومتنا التربوية أمام تحد جديد، للأسف.

قاعات الرزق و”قاعات النحس”

هناك نقطة أغرب من التفاوت الجهوي، وهي تلك التي تتعلق بنجاح معظم مترشحي بعض القاعات أحيانًا. وهذا يعني أن منطق الكوطة تسرب حتى لمستوى القاعات. إذ يكفي أن نتأمل نتائج جهة الشرق لامتحان 2022 ونتائج جهة فاس مكناس لامتحان 2023، لكي تتضح منهجية الكوطة.

يلاحظ أن هناك تسلسلًا لأرقام الامتحان بشكل عجيب. أحيانًا نجد، حسب التسلسل، نجاح 10 مترشحين من قاعة واحدة. يعني ذلك أن هناك قاعات حققت 80%، وأخرى 50%، وأخرى لا شيء، أي 0%… كذب ديكارت حينما قال: “العقل أعدل قسمة بين الناس”. فهل يعقل أن القدرات العقلية متفاوتة بين الأساتذة بهذا الشكل الذي لا يصدق؟ أم أنها مجرد مصادفة فقط؟ المهم كيف حدث ذلك؟ لا أحد يعلم… سوى الله، طبعا، ومن بعده “الهيئة المشرفة”، المطالبة بتوضيح المنهجية المعتمدة في “امتحان الكفاءة المهنية”، ولما لا البحث عن منهجية جديدة للترقية المهنية، تلائم شعار “الإنصاف والجودة”، وتأخذ بعين الاعتبار المعايير الواقعية والملموسة للمترشح الذي يسعى نحو المهننة وتجويد الممارسة الصفية.

الأرزاق قدر والكفاءة صور

تثير نتائج “امتحان الكفاءة المهنية” نفس الأسئلة سنويًا، وتخلف نفس الحالة، وهي حالة متناقضة تجمع بين الانتشاء والإحباط… إنه العبث المهني بعينه. إذا كان هناك إصرار على العمل بمنطق الكوطة، لماذا يُسمى زورا “امتحان الكفاءة المهنية”؟ وما الغاية من هدر أموال الوزارة في إجراء يعتبره المعنيون به إجراء شكليًا لا يعكس الحقيقة مطلقًا؟ مجرد صور مهنية متناثرة بين القاعات… إنه ماركوتينغ الترقية. لذلك، هؤلاء يؤمنون بقدر النجاح عبر الامتحان، ويروجون لثقافة الأرزاق، وينتصرون لصور الكفاءة أو الكفاءة الصورية بشكل أدق. وهكذا، لا يعيرون الاستعداد له أي اهتمام.

لسان المترشح يقول: توجه يمينًا ثم يسارًا ستجد محطة تعرف بالكوطة، انتظر هناك سنة أو سنتين أو ثلاثًا، وربما أكثر، حتى يشيب شعرك. كن مؤمنًا بقدرك ورزقك الذي لا ريب فيه. القطار آتٍ آتٍ. لا تُجهد نفسك بالقراءة والاستعداد، فكم من مترشح دخل مازحًا لاجتياز هذه “الكفاءة” وصُدم بعد أشهر أنه من الفائزين بالرزق المهني، وكم من مترشح التقط فتات الأجوبة من هنا وهناك وصُدم أيضًا أنه من الفائزين… الرزاق هو الله، ولا تعلم متى يأتي رزقك. انتظر فقط وكن مؤمنًا بالقدر، هكذا تكلم زراديشت! لا مكان للجودة، لا مكان للإنصاف، لا مكان للكفاءة… فكم من تسميات كانت مزيفة وظالمة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • أم تلميذ
    الخميس 21 نونبر 2024 - 00:19

    إذن الوزارة هي لي تشجع ناس التعليم على الكسل. التعليم باختصار يسير الى الهاوية

  • مواطن
    الخميس 21 نونبر 2024 - 00:35

    مشكلة التربية والتعليم معقدة جدا كل طرف يتحمل المسؤولية وبكل حرقة فالوزارة مسؤولة عن هذا العبث، هذه فضيحة بكل المقاييس أن يتم التعامل مع امتحان بهكذا طريقة مخجلة أمر غير مقبول ولا يخدم مشروع الاصلاح وطبعا لا يمكن التغافل عن دور النقابات التي تصطاد في الماء العكر وتصمت على هكذا فساد، بكل بساطة ومن خلال اطلاعي عن بعض تجارب التعليم المتقدم الترقية لا تتم بهكذا شكل المردودية فقط هي اساس الترقية والمردودية تقاس بمعايير متعددة ومن اطراف كثر أما اختزال الترقية المهنية في امتحان مهين هكذا ينتج اساتذة كسالى ينتظرون ويتصيدون الفرص بلا جهد ويقتل شغف وصدق كل الاساتذة الطموحين. موضوع فيه نقاش عميق شكرا للكاتب على كشفه بعض مستور أزمة تعليمنا

  • مغربي
    الخميس 21 نونبر 2024 - 21:16

    مشكلة المغاربة باختصار انهم هو الشكوى والتباكي والمفارقة ان الظلم والحيف في هذه الحالة يخص الأساتذة لي كيربيو ولادنا يعني راهم كيربيوهم على الخضوع واللامبالاة السلبية لان هؤلاء يتغافلون على حقهم وهو حق الطعن فإذا كانت هناك طعون كثيرة سنويا متبقاش هاذ المهزلة لي موضحاش في هاذ التدوينة واش الوراق مكيتصححوش والى كانو كذلك واش هذا قرار معلوم ولا هو تجاوز من ناس لي كتصحح وعلى ما اعتقد المفتشين. التعليم غادي الحيط

صوت وصورة
ملتقى أولماس
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 19:04

ملتقى أولماس

صوت وصورة
أرفود .. موسم فلاحي واعد للتمور
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 18:44

أرفود .. موسم فلاحي واعد للتمور

صوت وصورة
تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 13:00 3

تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير

صوت وصورة
"أونسا" تحارب أمراض النخيل
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 11:23

"أونسا" تحارب أمراض النخيل

صوت وصورة
مع أسطورة البرازيل كافو
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 09:15

مع أسطورة البرازيل كافو

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية