"حديث البنادق" .. هكذا يخفت صوت الضمير الإنساني ويعلو أزيز الرصاص

"حديث البنادق" .. هكذا يخفت صوت الضمير الإنساني ويعلو أزيز الرصاص
صورة: أ.ف.ب
الأربعاء 4 يونيو 2025 - 10:29

لا تعدّ الحروب في جوهرها، صراعًا بين جيوش، ولا بين راياتٍ وأعلام.

ليست فصلًا من التاريخ العسكري، ولا درسًا في الجغرافيا المتفجّرة.

الحرب، حين تُسقط أقنعتها، ليست سوى انهيار صامت في أعماق الإنسان.

إنها اللحظة التي يُطفئ فيها العقل نورَه، ويتقدّم الغضب متنكّرًا في هيئة الشرف، أو الهوية، أو العدالة.

الحروب لا تبدأ حين يُطلق الرصاص، بل حين يصمت الضمير.

حين يتوقف الإنسان عن الإصغاء، وتصبح القوة هي اللغة الوحيدة الممكنة.

الشر لا يهبط من السماء، بل يصعد من كهوف النفس حين تفقد بوصلتها.

ولهذا، كل حرب هي، في الأصل، فشل داخلي… فشل في الفهم، في التواصل، في الاحتكام إلى ما بقي من إنسان في الإنسان.

تبدأ الحرب بوعد، وتنتهي بندم لا يُصرّح باسمه.

تبدأ بنشيد، وتنتهي بصمتٍ على مقبرة جماعية.

تُخاض لا حين تنتصر العدالة، بل حين تفشل.

قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: 33]

لكن من يشعل الحرب لا يسأل عن الحق، بل عن الغلبة، عن الهيبة، عن “الضرورة” التي تبرّر الدم.

ويُقتل الإنسان، لا لأنه مذنب، بل لأنه في “الضفة الأخرى”.

يُسفك الدم باسم الأرض، وتُشرّد العائلات باسم الكرامة، وتُجفّف الدموع على طاولة المفاوضات الباردة.

قال النبي ﷺ: “كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه.”

لكن في الحرب، يُنسى الدين، وتُنسى الرحم، وتُنسى الرحمة.

ويغدو المسلم عدوًا، والجار هدفًا، والطفل مجرد “أثر جانبي” لضربة جوية “ذكية”.

الحرب لا تصنع أبطالًا، بل تصنع مقابر.

الجندي الذي يعود لا يعود كما ذهب.

يعود بعينين لا تنام، بكلمات لا تُقال، بذنبٍ لا ينطفئ.

والطفل الذي ينشأ في ظلّها، لا يعرف من الطفولة إلا لحن الانفجارات.

فكيف له أن يفهم معنى الحياة، وقد تربى على إيقاع الموت؟

السلام لا يحتاج إلى سلاح، بل إلى شجاعة أرقى من كل ترسانة.

أن تقول “لا” حين يصفّق الجميع، أن ترفض الكراهية حين تُصبح العملة الرسمية، أن تحبّ الإنسان قبل الأرض.

فالعاقل لا تفتنه أصوات المدافع، ولا تغويه الأعلام إن كانت مغموسة في الدم.

الذين يشعلون الحروب من مكاتبهم لا يسمعون صراخ الأمهات.

والذين يبيعون خطاب المواجهة لا يعيشون تحت السقف المنهار.

من السهل أن تموت من أجل الأرض،

لكن من الشجاعة أن تحيا من أجل الإنسان، ولو كان من أعدائك.

النار تعرف طريقها دائمًا.

أما السلام… فهو يحتاج إلى من يبحث عنه.

يحتاج إلى من يُعيد اكتشاف البصيرة، حين يُضاء فتيل العمى الجماعي.

فكلما صدّقنا أن القتل ضرورة، ماتت فينا الضرورة الأولى: أن نكون بشرًا.

إن الشر لا يُكافح بشرٍ أفدح، بل ببصيرة أهدأ، وأصدق، وأقرب إلى الضوء.

فلنُعِد تعريف البطولة.

ربما كانت البطولة في من يزرع شجرة وسط الركام،

في من يرفض أن يكره حين يُؤمر بذلك،

في من يفتح بابًا للسلام وسط جدار الكراهية.

حديث البنادق ليس صوت القوة، بل صدى غيابنا عن إنسانيتنا.

والسلام، حين يُستعاد، لا يُعلن بانسحاب الجيوش، بل بانبعاث الإنسان.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • قائد جبالة
    الأربعاء 4 يونيو 2025 - 10:49

    مقال جميل و عميق و لكن الحرب شر لبد منه

  • ناصر أم عدو
    الأربعاء 4 يونيو 2025 - 11:13

    الحرب هي حيلة للقضاء على كل ماهو جميل وهي استدراج من البشعين الحاقدين لكي لاتنتهي الحرب إلا بعد أن يتساوى معهم الجميع في بشاعتهم وبذاءتهم فيصبحوا هم قادة وسادة الهالكين

  • غابت شمس الحق
    الأربعاء 4 يونيو 2025 - 11:40

    الحرب فيها طرفان ، طرف على حق وطرف على باطل ، لدا ليست كل الحروب شر ، فالدي يحارب دفاعا عن نفسه وأهله ووطنه وعن المستضفين والمستعبدين لا نمكن أن يدخل في الوصف الدي تصفون به الحرب من بشاعه وهزيمة داخلية بل العكس تماما

  • الصادق
    الأربعاء 4 يونيو 2025 - 14:33

    تكملة على المقال الجيد أقول، بأن من يصنع الحروب لا يذهبون لها هم ولا أبنائهم ولا زوجاتهم.
    وقود الحروب من الأبرياء وخصوصا من أبناء الفقراء.

  • حسن بلقاسم
    الأربعاء 4 يونيو 2025 - 15:02

    قال النبي ﷺ: “كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه.”
    على هذا تصبح الحرب مشروعة.

  • criticool
    الأربعاء 4 يونيو 2025 - 15:17

    خلاصة القول لا سلام مع من يغتصب أرضك ويذبحون أبناءك ويستحيون نساءك.

صوت وصورة
كيف غيّر طلبة صربيا المشهد السياسي؟
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 22:11 1

كيف غيّر طلبة صربيا المشهد السياسي؟

صوت وصورة
"رايان إير" تعلن توسعا قياسيا بالمغرب
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 21:48 4

"رايان إير" تعلن توسعا قياسيا بالمغرب

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | قرار مجلس الأمن
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 19:01 1

أبعاد استراتيجية | قرار مجلس الأمن

صوت وصورة
الدفتيريا تثير مخاوف ساكنة سلا
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 18:49 3

الدفتيريا تثير مخاوف ساكنة سلا

صوت وصورة
وهبي: سنحارب الإثراء غير المشروع
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 17:32 16

وهبي: سنحارب الإثراء غير المشروع

صوت وصورة
السكك الحديدية تفتح آفاق التشغيل
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 16:37 4

السكك الحديدية تفتح آفاق التشغيل