"لا إيديال" الحافلة التي طبعت وجدان الشفشاونيين .. تجارة ودراسة وترفيه

"لا إيديال" الحافلة التي طبعت وجدان الشفشاونيين .. تجارة ودراسة وترفيه
صور: هسبريس
الأحد 22 مارس 2026 - 05:00

بين منعرجات الطبيعة الساحرة كان الطريق الرابط بين شفشاون وتطوان في ثمانينيات القرن العشرين ليس من مجرد مسار إسفلتي؛ بل كان شريانا يغذي الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وجسرا يربط بين سكون الجبال والمداشر المحيطة بـ”الجوهرة الزرقاء” وحيوية “الحمامة البيضاء”.

كانت الحركة لا تهدأ بالمحطة الطرقية المجاورة لساحة بئر أنزران (الدمومن). هذا الفضاء كان بسيطا في شكله؛ غير أنه يختزن الكثير في الدلالات، إذ كانت الحافلات الميكانيكية القديمة تقف شامخة محفورة في ذاكرة جيل كامل، وهناك كان السفر طقسا من طقوس المتعة، يُعد له قبل أيام ولحظة يترقبها الصغير والكبير، للانفتاح على فضاءات أكثر رحابة واكتشاف أمكنة جديدة.

“لا إيديال” رفيقة الركاب

لم تكن شركة “لا إيديال”، التي تأسست في الستينيات، وحافلاتها بلونها الأصفر مجرد وسيلة نقل؛ بل كانت رفيقا وجدانيا لأهل شفشاون الذين يفضلون السفر عبرها.

عبر مدار الساعة ونصف الساعة بين شفشاون وتطوان، وهي مدة الرحلة التي تمضي على مسافة 60 كيلومترا، كان المسافرون ينصتون إلى الطرب العربي الأصيل.

كان السائقون أحمد الخمسي وأحمد الدبغة والحاج الترغي وغيرهم يختار بعناية روائع أم كلثوم وعبد الهادي بلخياط وفريد الأطرش والمعطي بنقاسم وعبد الحليم حافظ؛ لتتحول الرحلة إلى فاصل من الشجن الجميل، الذي ينسي الركاب منعرجات الطريق ذهابا وإيابا.

“الغرسة الكبيرة”.. وموعد الصناع

ولعل أبرز ركاب هذه الرحلات هم صناع “الدرازة” التقليديون. ففي يوم الجمعة صباحا، يوم عطلتهم، كانت الوجهة محددة بدقة: “الغرسة الكبيرة” بقلب تطوان العتيقة. هناك تُعرض الجلابيب الصوفية الشفشاونية في المحلات التجارية، قبل أن ينطلق هؤلاء الصناع في جولات ترفيهية تشمل “ساحة الفدان” وحديقة “رياض العشاق”، أو الانغماس في سحر القيساريات التي كانت تزدان بالسلع القادمة عبر معبر سبتة المحتلة، من عطور وبطانيات وحلويات إسبانية… ثم تناول وجبات بمطاعم عصرية أو شعبية.

كما شكلت قاعات السينما في تطوان المقصد لعشاق الأفلام الأجنبية والهندية والعربية. كما كانت مدينة مرتيل مقصدا لمن يريد أن يتنفس هواء البحر، وبعدها العودة مجددا عبر خطوط “لا إيديال” إلى شفشاون…

بالإضافة إلى الصناع التقليديين الذين كانت حافلات “لا إيديال” الوسيلة التي تربطهم بـ”الحمامة البيضاء” من أجل تسويق المنتجات التي تصنعها أياديهم، فإن هناك فئة من أبناء “الجوهرة الزرقاء” والمداشر المحيطة بها ممن كانوا يسافرون عبر هذه الحافلات؛ وهي فئة الطلبة الذين يتابعون الدراسة الجامعية، سواء بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمرتيل بشعبها المختلفة أو بكلية العلوم أو بكلية أصول الدين…

الحافلة.. سوق متحركة

لم تكن الحافلات تنقل البشر فحسب؛ بل كانت تعكس غنى المجال القروي. أسطح محملة بسلال البيض وأكياس الدواجن البلدية والتين والبصل، وحتى المواشي من رؤوس ماعز وخرفان، كانت تجد مكانها تحت شباك مُحكمة، في مشهد يجسد التكامل الاقتصادي بين المدينتين.

بين حافلات عديدة أخرى كذلك: “تنقلات أوشن والدكالي” و”السدراوي” و”الشركة التعاونية للنقل بنواحي شفشاون و”شركة المقاومة” و”لا إيديال”، كُتبت فصول من تاريخ اجتماعي مشترك حضري وقروي؛ ليظل ذلك الزمن وشما مرسوما في ذاكرة “الشفشاونيين”، وعصيا على النسيان.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

11
  • رضا
    الأحد 22 مارس 2026 - 08:02

    سرد ممتع يعيد السفر بين الشاون وتطوان إلى نوسطالجيا أجيال كثيرة

  • Said
    الأحد 22 مارس 2026 - 09:09

    كان كل شيئ بسيطا وجميلا رغم ضعف الامكانيات. اما اليوم لنا كل شيئ إلا جمال وبساطة أيام ذاك الزمان

  • بشرى
    الأحد 22 مارس 2026 - 09:11

    كانت لااديال الحافلة التي تنقلنا إلى أجواء الامتحانات بتطوان ومحطتها القديمة

  • Sami
    الأحد 22 مارس 2026 - 09:49

    عندما كان الرجل رجل و المرأة مرآة و ااابن ابن و لأخ أخ لان الأمور اختلطت

  • محمد
    الأحد 22 مارس 2026 - 12:33

    أيام البساطة والعفوية. السفر كان متعة ينتظرها كل الناس

  • عادل
    الأحد 22 مارس 2026 - 14:56

    تطوان كانت بالنسبة لشفشاون في الثمانينات و اواسط التسعينات افضل صديق للشاون الذي استفادو كثيرا من مميزاتها العالية في تلك الحقبة بسبب قربها.
    اتذكر في اواسط الثمانينات عندما امي تاخذنا عبر لايديال من شفشاون افرح كبيرة بالرحلة وانتظر بفارغ الصبر الوصول الى تطوان وفي الرجوع نرجع محملين بالمنتجات و الحلويات و الملابس و حتى بعض الالعاب الالكترونية و الساعة الصغيرة.
    و عندما كان بقية المغرب يستهلك منتجات غذائية و صناعية نوعا ما بدائية و كان المغاربة يشاهدون قناة واحدة.
    كانت تطوان في اسواقها اجود المنتجات الغذائية و الالات الصناعية المنزلية القادمة من سبتة و اسبانيا.
    كان بامكان التقاط سبع قنوات اسبانية مجانية فقط بلاقط بسيط.
    كانت السنمات منتشرة في كل جهة و افضل المعامل الصناعية من سكر و وورق و اخذية.
    اغلاق سبتة و فتح ميناء طنحة المتوسط و الهجرة الكبيرة من القرى القريبة دون تنظيم غير كل شيئ فجأة.

  • الجيلالي
    الأحد 22 مارس 2026 - 15:07

    أجمل الأيام عشناها مع جيل لا اديال ، حين كان الجميع يلتف حول هذه الحافلة المميزة

  • سعيد
    الأحد 22 مارس 2026 - 16:16

    عاد بنا المقال إلى سنين جميلة خلت ، كانت البساطة متجلية في كل مظاهر السفر بين شفشاون وتطوان

  • تطواني
    الأحد 22 مارس 2026 - 17:48

    تطوان كانت قبلة لسكان مدينة شفشاون في مجموع الجهة. سقى الله تلك الأيام

  • عزيز
    الأحد 22 مارس 2026 - 20:20

    أجمل الأجواء هي تلك التي عاشها سكان الشاون مع حافلة لا إيديال من مختلف الأجيال

  • ابراهيم المساري
    الإثنين 23 مارس 2026 - 13:15

    سبحان الله لم تذكروا أن السائقين يضعون ايضا القرآن. دائما الدين هو المستهدف بدس السم بالعسل

صوت وصورة
معاناة سيدي الطيبي
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 18:40 1

معاناة سيدي الطيبي

صوت وصورة
''الطاكسي'' وغلاء الوقود
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 15:54 3

''الطاكسي'' وغلاء الوقود

صوت وصورة
استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 10:58 10

استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا

صوت وصورة
أثمنة اللحم البلدي والمستورد
السبت 24 أكتوبر 2026 - 17:56 7

أثمنة اللحم البلدي والمستورد

صوت وصورة
ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء
السبت 24 أكتوبر 2026 - 14:38 22

ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء

صوت وصورة
قفزة جديدة في أسعار الدجاج
السبت 24 أكتوبر 2026 - 11:48 8

قفزة جديدة في أسعار الدجاج