نحن والقانون..

نحن والقانون..
الإثنين 13 أبريل 2026 - 10:25

في المخيال العام، ما زال القانون يُقدَّم كأنه حقل مغلق، لا يدخله إلا القاضي والمحامي والخبير ورجل الأمن، وكأن المواطن مجرد متفرج ينتظر لحظة النزاع ليدخل القاعة، لا ليفهم، بل ليتفرج على مصيره وهو يُصاغ بلغة لا يتقنها. والحقيقة البسيطة التي يتم تجاهلها عمداً أو كسلاً، أن القانون وُجد أصلاً للمواطن، ولا يحق لأحد أن يحتكره، ولن يستطيع ذلك؛ فالقوانين لا تخضع لحقوق الملكية الفكرية.

ليست المشكلة في النصوص دائماً. فالقانون في جوهره قواعد تنظم حياتنا اليومية:

كيف نكري بيتاً؟

كيف نحرر عقداً؟

كيف نطالب بحق؟

وكيف نتحمل واجباً؟

لكن هذه البساطة تضيع حين تتحول النصوص إلى متاهة من المصطلحات، وحين يتكرس شعور خفي لدى الناس بأن هذا المجال ليس لهم. وهنا تبدأ القطيعة…

قانون يُطبَّق على المواطن دون أن يشعر أنه يملكه.

غير أن جزءاً من المسؤولية يقع أيضاً على المواطن نفسه. ففكرة أن القانون معقد لدرجة لا يمكن معها فهمُه، تحولت إلى ذريعة جاهزة للتخلي عن أبسط واجب: ألا وهو القراءة.

لا أحد يطالب الناس بأن يصبحوا فقهاء قانون، لكن الاطلاع على الفصول الأساسية التي تمس حياتهم لم يعد ترفاً. فمثلاً: عقد كراء، أو شيك، أو التزام مالي… كلها قرارات يومية قد تتحول إلى أزمات، فقط لأن صاحبها لم يكلف نفسه عناء فهم سطر أو سطرين.

المفارقة أن نفس المواطن الذي يقضي ساعات في تصفح هاتفه، قد يتردد في تخصيص دقائق لقراءة نص قانوني يهمه مباشرة. وحين تقع المشكلة، يبحث عن من يشرح له، لا ليشارك في الفهم، بل ليتخلى عنه بالكامل. وهكذا يتحول القانون من أداة وقاية إلى وسيلة تدخل بعد فوات الأوان.

منذ أقدم الحضارات، والإنسان يحاول وضع قواعد تنظم حياته، من شريعة حمورابي إلى القوانين الرومانية، ثم القوانين الحديثة. كان الهدف دائماً هو تحقيق نوع من التوازن داخل المجتمع. لكن هذه القوانين لم تكن يوماً نهائية، بل كانت تتغير مع تغير المجتمعات، ومع تطور العلاقات الاقتصادية والاجتماعية. فكل مرحلة كانت تعيد صياغة القانون بما يناسب واقعها. وهذا يؤكد أن القانون ليس نصاً جامداً، بل كائن حي يتطور باستمرار.

واحدة من أكبر المفارقات اليوم، هي أن القوانين تتعدل من حين لآخر لتساير الواقع، لكن أغلب المواطنين لا ينتبهون لذلك، أو لا يعطونه أي أهمية. نفس القواعد التي كانت سارية قبل سنوات، قد تتغير اليوم بشكل جذري، كما وقع في قوانين الشيك أو الكراء. ومع ذلك، يستمر الناس في التعامل بعقلية قديمة، وكأن القانون لم يتغير. وهذا الغياب للمتابعة يجعل الكثيرين يقعون في أخطاء كان يمكن تفاديها فقط بالاطلاع والمعرفة.

القانون لا يحتاج إلى تبسيط لغته فقط، بل يحتاج أيضاً إلى إعادة بناء العلاقة معه. علاقة تقوم على الفضول، وعلى السؤال، وعلى الجرأة في الفهم. أن تقرأ، أن تبحث، أن تسأل، هذا ليس ترفاً فكرياً، بل شكل من أشكال حماية الذات.

في النهاية، الفرق بين من يتورط في نزاع ومن يتفاداه، ليس دائماً في الذكاء أو الحظ، بل في الوعي. ووعي اليوم لا يُبنى بالشعارات، بل بفعل بسيط: أن تقرأ ما ينظم حياتك، قبل أن تسمع القاضي ينطق به في “منطوق الحكم” نيابة عنك.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • fassi
    الأربعاء 15 أبريل 2026 - 18:46

    القاعدة القانونية كما تعرف هي: “مجموعة القواعد العامة والمجردة التي تطبق داخل المجتمع والتي تفرضها السلطة العامة ولو بالقوة إذا لزم الأمر”.
    ولها أربعة خصائص هي: العمومية والتجريد، اجتماعية وتتوفر على جزاء مادي، ويمكن تقسيمها إلى: قواعد عامة وقواعد خاصة، وقواعد آمرة وأخرى مكملة، وقواعد داخلية وقواعد دولية.

  • MC
    الأربعاء 15 أبريل 2026 - 20:01

    “The power of the lawyer is in the uncertainty of the law”
    ” تكمن قوة المحامي في عدم وضوح القانون”
    (J Bentham)
    (1748-1832)
    (philosopher)

    “Be you ever so high, the law is above you”
    ” مهما علا شأنك، فالقانون فوقك”
    (Lord Denning)
    (1899-1999)
    (judge)

    “No man is above the law and no man is below it”
    “لا يوجد رجل فوق القانون، ولا يوجد رجل دونه”
    (T Roosevelt)

    أستاذي،
    المؤسسة التربوية والإعلامية تتحملان جزءاً كبيراً من العزوف القانوني. الحلّ أن نغيّر صورة القانون في أذهان الناس من “عقاب” إلى “حماية”، وذلك بإنشاء تطبيقات هاتفية ذكية تحوّل النصوص القانونية الجافة إلى أسئلة وأجوبة تفاعلية، وكأنك تلعب لعبة قبل أن توقّع عقداً. كما يمكن تخصيص ركن في الأماكن التي يتردد عليها الناس يومياً كالمساجد والمقاهي والمستوصفات لشرح قانون واحد يمس الناس في معاشهم، لأن القانون يحتاج إلى وُعّاظ مثله مثل الدين. لا تنتظر أن يطلب المواطن القانون، بل اذهب به إلى بيته وعلى هاتفه وبطريقة يفهمها قلبه قبل عقله.

    “القانون كالماء، حين يبقى بعيداً عن الناس يجف، وحين ينزل في قنوات واضحة يروي الجميع”

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
جواب المنصوري والتصويت على البرنامج الحكومي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 18:32

جواب المنصوري والتصويت على البرنامج الحكومي

صوت وصورة
الرميلي تعلن شرطة النظافة
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 18:10

الرميلي تعلن شرطة النظافة

صوت وصورة
البرنامج الحكومي بعيون الأغلبية والمعارضة
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 17:45

البرنامج الحكومي بعيون الأغلبية والمعارضة

صوت وصورة
دفاع آيت الجيد يعلن الطعن بالنقض
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 17:44

دفاع آيت الجيد يعلن الطعن بالنقض

صوت وصورة
حامي الدين والبراءة في الاستئناف
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 16:56

حامي الدين والبراءة في الاستئناف

صوت وصورة
ندوة دولية تقارب التماسك الاجتماعي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 15:21

ندوة دولية تقارب التماسك الاجتماعي