في فضاء أدبي أوروبي تُهيمن عليه المنافسة الحادة ومعايير الانتقاء الصارمة نادرًا ما تتمكن رواية مغربية من فرض حضورها داخل دوائر الاهتمام النقدي الإيطالي، أو الوصول إلى القوائم البارزة للجوائز الأدبية. غير أنّ رواية “هوت ماروك” لياسين عدنان تواصل شقّ طريقها بثبات، مؤكّدة قدرتها على كسر هذا الحاجز، محطة بعد أخرى.
فمنذ صدور ترجمتها الإيطالية، التي أنجزها المترجم أنطونينو ديسبوزيتو واحتضنتها دار النشر الإيطالية Del Vecchio Editore، والرواية تحظى باهتمام متزايد في الأوساط الثقافية الإيطالية؛ وجاء إدراجها مؤخرًا ضمن القائمة الطويلة للدورة السادسة من جائزة Pisa Book Translation Awards ليمنح هذا المسار دفعة جديدة داخل المشهد الأدبي الأوروبي.
من مراكش إلى بيزا.. رحلة رواية عبر اللغات
في نسختها العربية الأصلية قدّمت “هوت ماروك” قراءة ساخرة ونافذة لتحوّلات المجتمع المغربي في زمن الشبكات الاجتماعية والهويات المتصدعة، من خلال شخصية رئيسية تعيش بين هشاشة الواقع وضجيج الحياة الافتراضية. ومنذ صدورها أثارت الرواية اهتمامًا نقديًّا ملحوظًا في العالم العربي، قبل أن تنتقل إلى الفرنسية والإنجليزية، ثم إلى الإيطالية، فاتحةً لنفسها فضاءً جديدًا من التلقي الأوروبي.
أما الترجمة الإيطالية فواجهت تحديًّا لغويًّا وجماليًّا معقدًا، بالنظر إلى طبيعة لغة الرواية التي تمزج بين العربية الفصحى والدارجة المغربية ومفردات العالم الرقمي. وقد سعى أنطونينو ديسبوزيتو إلى نقل هذه الخصوصية إلى الإيطالية دون التفريط في روح النص وإيقاعه المحلي، وهو ما اعتبرته قراءات نقدية إيطالية نجاحًا لافتًا على مستوى الحساسية الأدبية والوفاء للنبرة الأصلية للعمل.
جائزة أتشيربي.. أول اعتراف إيطالي بارز
قبل وصولها إلى جائزة بيزا كانت “هوت ماروك” لفتت الانتباه في الساحة الأدبية الإيطالية من خلال بلوغ ترجمتها القائمة القصيرة لجائزة Premio Acerbi خلال دورة 2025 المخصّصة للأدب المغربي. وشكّل ذلك مؤشرًا واضحًا على تنامي اهتمام القارئ والمؤسسة النقدية الإيطالية بالأدب المغربي المعاصر.
كما كشف هذا التتويج الرمزي عن نجاح دار Del Vecchio Editore في الرهان على نص قادم من الضفة الجنوبية للمتوسط، وعن قدرة الترجمة على نقل صوت أدبي مغربي إلى القارئ الإيطالي دون فقدان خصوصيته الثقافية والجمالية. وهكذا لم تعد “هوت ماروك” مجرد رواية عربية مترجمة، بل تحوّلت إلى نص قادر على مخاطبة قرّاء روما وفلورنسا وميلانو بالقدر نفسه الذي يخاطب به قرّاء الرباط والقاهرة وعمّان.
بيزا 2026.. مساحة أوروبية للأدب المترجم
تكتسب مشاركة “هوت ماروك” في جائزة Pisa Book Translation Awards دلالة خاصة، بالنظر إلى طبيعة هذه الجائزة وفلسفتها الثقافية؛ فقد أُطلقت سنة 2021 بمبادرة من مهرجان بيزا للكتاب، بشراكة مع قسم الفلسفة والآداب واللغويات بجامعة بيزا، واختارت منذ البداية الانحياز إلى عالم النشر المستقل، الذي يلعب دورًا أساسيًّا في تقديم الأدب العالمي خارج منطق السوق التجارية الكبرى.
وتعرف الجائزة مشاركة عدد من أبرز دور النشر الإيطالية المستقلة، من بينها Voland وKeller Editore وFazi Editore وEdizioni e/o، إضافة إلى Del Vecchio Editore، ناشرة “هوت ماروك”، التي راكمت حضورًا لافتًا في تقديم نصوص أدبية تنتمي إلى جغرافيات وثقافات متعدّدة.
وما يمنح هذه الجائزة خصوصيتها هو تركيزها على الترجمة، باعتبارها فعلًا إبداعيًّا قائمًا بذاته، وليس مجرد عملية نقل لغوي. ومن هنا فإن وجود “هوت ماروك” في قائمتها الطويلة يمثل اعترافًا مزدوجًا بالرواية وبمُترجِمها في آن واحد.

دورة 2026.. تنوُّع لغوي ورؤية أكثر انفتاحًا
شهدت الدورة السادسة من الجائزة مجموعة من التعديلات التنظيمية، من أبرزها اعتماد آلية تحكيم مزدوجة تقوم على لجنة أولى لاختيار القائمة الطويلة، وأخرى مستقلة لتحديد الأعمال الفائزة، في خطوة تهدف إلى تعزيز التعددية النقدية وترسيخ مصداقية الجائزة.
وضمت القائمة الطويلة لهذه الدورة أعمالًا مترجمة من الصينية والفرنسية والبلغارية والألمانية والإنجليزية، إلى جانب العربية، ممثلة بـ”هوت ماروك”. كما حضرت ضمن القائمة عدد من الأسماء البارزة في الأدب العالمي، من بينها: غيورغي غوسبودينوف البلغاري الحائز على جائزة البوكر الدولية عن روايته “آلة الزمن”، وهذه المرة بروايته “البستاني والموت”، إضافة إلى أميلي نوثومب البلجيكية برواية “العودة المستحيلة”، والألماني بوف بييرغ الذي تنافس روايته “سيربنتين”.
وإلى جانب “هوت ماروك” تحضر القارة الإفريقية في القائمة بعمل ثان هو “حلم الصياد” للأديبة الكاميرونية هيملي بوم. وفي هذا السياق متعدّد اللغات والثقافات بدا حضور الرواية المغربية معبّرًا عن قدرة الأدب العربي على التحاور مع الآداب العالمية المعاصرة من موقع الندّية لا الهامش.
الأدب العربي في أوروبا.. أسئلة الحضور والترجمة
يفتح المسار الإيطالي لرواية “هوت ماروك” بابًا أوسع للتفكير في موقع الأدب العربي داخل الفضاء الثقافي الأوروبي. فرغم غنى هذا الأدب وتنوع تجاربه مازال حضوره في الجوائز الأوروبية الكبرى محدودًا نسبيًّا، وغالبًا ما يُقرأ من خلال زوايا سياسية أو هوياتية ضيقة.
غير أنّ تجربة “هوت ماروك” تبدو مختلفة؛ فالرواية لا تعتمد على خطاب الهوية وحده، بل تفرض نفسها عبر قوة الكتابة وجرأة الرؤية وقدرتها على التقاط تحوّلات إنسانية معاصرة، مثل العزلة الرقمية وتوتر الهويات وتقلّبات العلاقات الاجتماعية، من داخل سياق مغربي واضح المعالم؛ وربما لهذا السبب استطاعت أن تجد صدى لدى القارئ الأوروبي.
كما يكشف نجاح الرواية في إيطاليا عن نموذج ثقافي جدير بالانتباه: ناشر مستقل يغامر بنصوص مختلفة، ومترجم يمتلك حساسية ثقافية عالية، وعمل أدبي يحمل أفقًا إنسانيًّا يتجاوز حدوده المحلية دون أن يتخلى عن جذوره.
في انتظار يونيو… وأكتوبر
بحسب البرنامج المعلن للجائزة سيجري الإعلان عن الأعمال الثلاثة المتأهلة إلى القائمة القصيرة خلال شهر يونيو 2026 بمدينة بيزا، على أن يُقام حفل التتويج الرسمي في الثالث من أكتوبر المقبل ضمن فعاليات مهرجان بيزا للكتاب، بحضور كتّاب ومترجمين وأعضاء لجان التحكيم.
ويبقى السؤال مطروحًا حول ما إذا كانت “هوت ماروك” ستواصل رحلتها نحو القائمة القصيرة وربما نحو التتويج النهائي. لكن المؤكّد حتى الآن أن الرواية نجحت في تحقيق إنجاز ثقافي مهم: أن تجعل اللغة العربية حاضرة في واحدة من أبرز المنصات الأوروبية المعنية بالأدب المترجم، وأن تضع اسم ياسين عدنان إلى جانب أسماء بارزة في الأدب العالمي المعاصر.
وذلك، في حدّ ذاته، يستحقّ الاحتفاء.
شيء جميل ان يسافر الادب المغربي الى الخارج نع الاسف المنظومة التربوية المغربية فشلت في زرع حب القرائة عند الناشئة وبالتالي نلاحظ غياب دور شبه تام في وسائل الاعلام الرسمية لبرامج تهتم بالكتب والقرائة وما يزيد الطين بلة كما يقال اثمنة الكتب في المغرب شخصيا ذهب لاقناء منشورات لكتاب مغاربة ولاحظت غلاء فاحش للاثمنة 200 درهم لرواية طبعت في المغرب لكاتب مغربي شيء صادم !
الأدب المغربي يستحق العالمية من أيام محمد شكري ومحمد زفزاف، ولكن في العالم العربي لا يعطون للمغاربة حقهم ويفضلون عليهم المصريين واللبنانيين. من جهة أخرى ينجح الكُتاب بالفرنسية مثل الطاهر بنجلون في أن يصيروا عالميين وكأنه عليك أن تكتب بالفرنسية لكي تصير عالميا. لهذا علينا تشجيع أدبنا المغربي بالعربية، فهو مهم ولحسن الحظ أن الترجمة تعطيه حقه أكثر من العرب وأكثر من الفرنكوفونيين.
كل الحب والتقدير للجميع وعيد اضحى مبارك
مع امنياتي بدوام الموفقية…..
جمعة سعيدة ومباركة
الأدب المغربي يحتاج الى دعم في ارض الوطن في معرض الكتاب وفي الخزانات المدرسية وفي المكتبات وبعدها نمر الى العالمية. اولا على ابنائنا وبناتنا من التالاميذ والطلبة ان يقرؤوا هذه الروايات وعلى السينما والتلفزيون ومن فيه من مخرجين وكتاب سيناريو ان يتعاملوا مع الروايات المغربية.. ومن بعد اذا جاءت العالمية مرحبا بها. لكن البلاد أولا وأخيرا.