يستهوي الأدباء والقراء، على حد سواء، ذلك الضرب من الأسئلة الافتراضية الذي يبدو، في ظاهره، أقرب إلى لعبة ذهنية، غير أنه لا يلبث أن يغدو محكّا للذائقة، ومسبارا يكشف عن ملامح الشخصية وطرائق التفكير. ومن أمتع هذه الأسئلة وأشدها استثارة للتأمل سؤال يتردد بصيغ شتى: لو أُلقي بك في جزيرة نائية، ولم يُؤذن لك باصطحاب سوى ثلاثة كتب، فأيّ الكتب تختار؟
للوهلة الأولى، نظن السؤال يسيرا، غير أنه، في حقيقته، سؤال عن جوهر القراءة ومعناها. فنحن لا نُسأل هنا عن أفضل الكتب ولا عن أشهرها، وإنما عن تلك التي تملك من الثراء والعمق ما يؤهلها لأن تؤنس وحشة العزلة، وأن تحتمل إعادة القراءة مرة بعد أخرى، من غير أن تنضب معانيها أو تخبو قدرتها على الإدهاش. فالكتاب الذي يُستوفى في قراءة واحدة لا يصلح أن يكون رفيق المنفى، ولا أنيس الوحدة؛ أما الكتاب العظيم فهو الذي يهب قارئه في كل عودة إليه اكتشافا جديدا، حتى لكأن صفحاته تتجدد كلما تجددت قراءتها.
بالنسبة لي، سيكون اختياري: «روبنسون كروزو» لدانيال ديفو، و«في انتظار غودو» لصمويل بيكيت، وأخيرا «مغامرات بينوكيو» لكارلو كولودي.
يعتبر اختيار «روبنسون كروزو» متوقعا، بل لعله أول ما يخطر بالبال؛ فكيف بمن سيقضي عمره في جزيرة موحشة ألا يصطحب أشهر من خاض التجربة نفسها في تاريخ الأدب؟ غير أن الرواية لم تكتسب خلودها لأنها تحكي حكاية ناج من الغرق، وإنما لأنها تحتفي بطاقة الإنسان على ابتكار الحياة من العدم، وبقدرته على أن يجعل من المحنة بداية جديدة لا خاتمة يائسة. إنها ملحمة الإرادة البشرية؛ ففيها يغدو الفراغ عمرانا، والخوف معرفة، والوحدة مدرسة للصبر والعمل، وتتحول الطبيعة، التي تبدو في أول الأمر خصما لا يُقهر، إلى شريك يعلّم الإنسان كيف يعيد بناء عالمه بيديه. لقد جعل دانيال ديفو من العزلة مختبرا وجوديا، تُختبر فيه طبائع البشر حين يُجرَّدون من أسباب الحضارة، فلا يبقى لهم إلا العقل، والإرادة، والأمل.
أما «في انتظار غودو» فهو، في ظني، الكتاب الذي سيغدو أشد التصاقا بواقع تلك الجزيرة. فهناك لن يبقى الانتظار استعارة فلسفية، بل سيصبح قوام الحياة اليومية: انتظار سفينة قد لا تلوح في الأفق، أو طائرة تعبر السماء من غير أن تراني، أو أثر إنسان يبدد وحشة المكان ويعيد إلى العالم صوته. عندئذ سيغدو فلاديمير وإستراغون رفيقَيَّ في الانتظار، وسأدرك، كما أدرك صمويل بيكيت، أن الإنسان لا يحيا بالأحداث الجليلة وحدها، بل بما ينسجه، في مواجهة الفراغ، من حديث وأمل وسخرية، اتقاء لعبث الزمن ومقاومة لوطأة العدم. لقد كتب بيكيت في هذه المسرحية واحدة من أعمق التأملات في معنى الانتظار؛ ذلك القدر الإنساني الذي نتقاسمه جميعا، سواء أكنّا في جزيرةٍ نائية أم في قلب مدينة تضج بالحياة.
أما «مغامرات بينوكيو» فأختارها لأنني لا أراها كتابا للأطفال فحسب، بل عملا أدبيا من تلك الأعمال النادرة التي تتسع دلالاتها كلما اتسعت خبرة قارئها بالحياة. فبينوكيو ليس مجرد دمية خشبية دبّت فيها الحياة، وإنما هو صورة الإنسان في طور التكون؛ يخطئ، ويكذب، وينخدع ببريق المظاهر، ثم لا يلبث أن يتعلم، مع كل عثرة، أن الطريق إلى الإنسانية ليس معبّدا بحسن النيات وحده، بل بالتجربة، والألم، وتحمل تبعات الاختيار. ولعل سر خلود هذه الرواية أنها لا تحكي قصة تحوّل دمية إلى صبي، بقدر ما تحكي رحلة تحوّل الكائن إلى إنسان. فهي تذكّرنا بأن الإنسانية ليست هبة تمنح عند الميلاد، وإنما منزلة تُكتسب بالتهذيب والمكابدة، وبالقدرة على أن نتعلم من أخطائنا وننهض بعد كل سقوط.
والحق أن هذه الكتب الثلاثة تبدو لي كأنها تؤلف ثلاثية متكاملة؛ فديفو يعلمني كيف أعيش، وبيكيت يعلمني كيف أنتظر، وكولودي يعلمني كيف أبقى إنسانا. ولكل واحد منهم درس لا يغني عن الآخر؛ فالحياة إرادة، والانتظار صبر، والإنسانية ثمرة تجربة لا تنتهي.
ولعل في ذلك سر خلود الكتب العظيمة؛ فهي لا تمنح قارئها أجوبة نهائية، وإنما توسع أفق أسئلته، وتجعل كل قراءة ميلادا جديدا للنص والقارئ معا. لذلك، لو قُدِّر لي أن أعيش وحيدا في أقصى الأرض، لما التمست من الكتب أن تؤنس وحدتي فحسب، بل أن تحفظ في داخلي ما يجعل الحياة جديرة بأن تُعاش؛ أن تذكرني، كل صباح، بأن الإنسان يظل حرا ما دام قادرا على التفكير.
ويبقى أن أطرح عليكم، أنتم قراء هذه السطور، سؤالا أخيرا : أي ثلاثية تختارون؟ ولماذا؟
دامت لكم مسرة القراءة وصداقة الكتاب، كما يقول صديقنا الجميل ياسين عدنان.
ثمة أسئلة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تنطوي على قدر كبير من الإفصاح عن صاحبها. وسؤال «أي ثلاثة كتب تصطحبها إلى جزيرة نائية؟» ليس امتحانا للثقافة بقدر ما هو امتحان لعلاقة القارئ بالكتاب. فالاختيار هنا لا يقوم على الشهرة أو القيمة الأدبية المجردة، وإنما على قابلية النص لأن يُعاد اكتشافه في كل قراءة، وأن يتحول من كتاب يُقرأ إلى رفيق يُعاش معه. ومن هذا المنظور، تبدو الثلاثية المختارة منسجمة إلى حد بعيد، لأنها تجمع بين فن العيش عند ديفو، وفلسفة الانتظار عند بيكيت، وسؤال التكوين الإنساني عند كولودي.
واللافت أن هذه الكتب، على اختلاف عوالمها، تلتقي عند فكرة واحدة: الإنسان لا تصنعه الظروف بقدر ما تصنعه الطريقة التي يواجه بها تلك الظروف. ففي «روبنسون كروزو» ينتصر بالإرادة والعمل، وفي «في انتظار غودو» يقاوم العبث بالأمل، وفي «مغامرات بينوكيو» يكتمل بالتجربة والخطأ. لذلك لا تبدو هذه الاختيارات مجرد قائمة كتب، بل بيانًا أدبيا موجزا عن تصور للحياة، يجعل من القراءة وسيلة لفهم الذات، لا مجرد هواية لتمضية الوقت.
“When I have a little money, I buy books; and if I have any left, I buy food and clothes”
“عندما أحصل على القليل من المال أشتري كتباً، وإذا أبقيتُ شيئاً منه أشتري الطعام والملابس.”
Desiderius Erasmus
“Un livre est une fenêtre par laquelle on s’échappe”
“الكتابُ نافذةٌ نلوذ بها لنفرَّ إلى الحرية”
Julien Green
“Solitude is the place of purification”
“العزلة هي مكان التطهير”
Martin Buber
( فيها تتجرد من الأقنعة الاجتماعية وتواجه جوهرك)
“I cannot live without books”
“لا أستطيع العيش من دون كتب.”
Thomas Jefferson
“الكتاب العظيم ليس من تُنهيه، بل من يُنهيك أنت، ثم يعيد تشكيلك من جديد.”
أيها الكاتب،
اختيارك الثلاثي يدهشني بجرأته: روبنسون يعلم الصمود، وغودو يعلّم الصبر، وبينوكيو يمنح الأمل، وكأنك ترسم خريطة البقاء النفسي في العزلة. لكني أرى أنك تغفلت عن كتاب يجيب عن “لماذا” لا عن “كيف”، كالتنوير أو التصوف، ليكون نوراً في ظلمة الجزيرة لا مجرد أنيس. وأظن أنك لو أضفت ديواناً شعرياً لكانت الثلاثية أكمل، لأن الوزن والقافية يخدمان الوحشة أكثر من السرد أحياناً.
ALHOCEIMA
اقتراحك مهم جدا؛ الشعر بلسم الروح، احيانا عندما تضيق الدنيا لا نحتاج إلا لأبيات شعرية. فعلا كلامك صحيح.
شكرا على مرورك الجميل الذي ينم عن سعة اطلاع. إشارتك لاهمية اصطحاب ديوان شعر لتكتمل الثلاثية هي في الحقيقة إشارة لا تخلو من وجاهة، فقصائد الشعر يمكن إعادة قراءتها دون كلل و لا ملل، خاصة ان جادت بها قريحة شاعر مفلق. شكرا مرة أخرى لك.
م.ع.ال، كاتب المقال
إلى 4
“?Qué es poesía? —dices mientras clavas en mi pupila tu pupila azul. ?Qué es poesía? ?Y tú me lo preguntas? Poesía… eres tú ”
«ما الشِّعر؟» تقولين، وعيناكِ الزرقاوان تحدّقان في عينيّ.
«ما الشِّعر؟» وتسألينني أنتِ؟
الشِّعر… أنتِ.
Gustavo Adolfo Bécquer
“Poetry is the rhythmical creation of beauty in words”
“الشعرُ هو خلقٌ إيقاعيٌّ للجمال بالكلمات.”
Edgar Allan Poe
“Un poète est un monde enfermé dans un homme”
“الشاعرُ عالمٌ بأكمله محتجزٌ داخل إنسان”
Victor Hugo
الشرف لي أستاذي الفاضل،
ويثلج الصدر هذا التفاعل الفكري الراقي الذي ينم عن ذائقة أدبية رفيعة.
بالفعل، يظل الشعر الملاذ الأخير للروح، فموسيقاه تكسر صمت العزلة، وجزيئات أبياته تُختزن في الذاكرة لترددها النفس في وحشتها.
لقد جعلتَ من سؤال الجزيرة النائية رحلةً لاستكشاف الذات، ومقالك دليلٌ على أن القراءة الواعية هي حوارٌ حيٌّ لا ينتهي.
أتساءل ختاماً: لو قُدِّر لك استبدال أحد كتبك الثلاثة بديوان شعري واحد، أيُّ الشعراء ستأتمنه على وحدتك؟
دمتَ ملهماً، ودام قلمك يثري الساحة الأدبية بهذا الفكر والجمال.
ALHOCEIMA
صديقي
أولًا، أشكرك على تفاعلك الراقي، وعلى هذا السؤال الجميل الذي يدفعنا إلى مراجعة مكتبتنا الخاصة، وإعادة ترتيب أولوياتنا القرائية.
لو قُدِّر لي أن أصطحب معي ديوانا شعريا واحدا فقط إلى خلوتي الموحشة في تلك الجزيرة الافتراضية التي أُقيم حولها كل هذا النقاش الممتع، فلن أتردد في اختيار أحد دواوين الشاعر السوري نزار قباني.
عندما كنت طالبًا في مراكش الحمراء، كنت أحرص على اقتناء دواوينه كلما سنحت لي الفرصة. كانت كلماته ترافقني في سنوات الشباب، فأقرأ بشغف «خمسون عامًا في مديح النساء»، و**«قالت لي السمراء»**، وغيرها من الدواوين التي كانت بالنسبة إليّ أكثر من مجرد شعر؛ كانت نافذة على الجمال والحب والحياة.
ولأن الاختيار بين دواوين نزار قباني ليس بالأمر الهيّن، فسأختار واحدًا منها على سبيل المصادفة، إذ يصعب أن أفضّل ديوانا على آخر. فأغلب أعماله تحمل ذلك السحر الخاص الذي يجعل القارئ يعود إليها مرة بعد أخرى، ويكتشف في كل قراءة معنى جديدا، وكأن القصائد تتجدد بتجدد العمر والتجربة.
ولعل خير ما يؤنس الإنسان في عزلته كتاب لا يفرغ من معانيه، وشعر يزداد ألقا كلما أعدنا قراءته، وهذا ما أجده في شعر نزار.
“جلست والخوف بعينيها
تتأمل فنجاني المقلوب”
“She sat down, with fear in her eyes
Contemplating my inverted cup”
«قارئة الفنجان» للفنان عبد الحليم حافظ
كلمات: نزار قباني
“حتى فساتيني التي أهملتها
فرحت به، رقصت،
على قدميه
على قدميه ”
“Even my dresses that I had neglected
rejoiced with him, danced at his feet,
at his feet ”
«أيظن» للفنانة نجاة الصغيرة
كلمات: نزار قباني
اختيارٌ ساحرٌ أستاذي، فنزار قباني لم يكن مجرد شاعرٍ، بل كان صانعاً لدِفء العواطف وموسيقاراً للكلمة.
إن اصطحاب قصائده إلى تلك الجزيرة يعني ألا تكون وحيداً أبداً، فبين صفحاته يتردد صداً شجياً لـ عبد الحليم حافظ وهو يشدو بـ «قارئة الفنجان».
كما ستتسلل إلى عتمة خلوتك ألحان نجاة الصغيرة في «أَيَظُنُّ»، وحنجرة كاظم الساهر الذهبية وهي تُحيي روائع مثل «زيديني عشقاً» و«مدرسة الحب».
لقد غرس نزار في قصائده نبضاً لا يموت، يُحول الوحشة الموحشة إلى بستان من النغم الشجي والأمل المجدد.
وكما قال نزار نفسه: «الحبُّ في الأرضِ بعضٌ من عواطفنا… لولا شقانا لكان الحبُّ أوهاما»، فشعره هو الترياق الأنسب لكاهل العزلة.
ALHOCEIMA