المغرب والجوار الأوربي

المغرب والجوار الأوربي
الجمعة 28 غشت 2026 - 21:14

المغرب والجوار الأوربي: قراءة في خطاب العداء وازدواجية المعايير

تشهد الساحة الإعلامية والسياسية الإسبانية في الآونة الأخيرة ضجيجا غير مسبوق، تتقاطع فيه تصريحات سياسيين من اليمين ومن اليسار الحاكم على حد سواء، ويسانده أنصار التيارات القومية المعادية للشعوب غير المنتمية إلى العالم الغربي. إن هذه المعاداة للمغرب ظاهرة قديمة متجذرة في الثقافة الشعبية الإسبانية، تغذيها توجهات سياسية ذات نزعة عنصرية، وميّزتها هذه المرة حدة الخطاب ودرجة الغلو التي بلغها.

فجّر هذا التصعيد ما جرى في مدينة سبتة المحتلة نهاية يوليوز الماضي، حين عبر مجموعة من الشباب المغاربة، بينهم مهاجرون أجانب، إلى المدينة. بعضهم يعي أنها أرض مغربية إفريقية اقتُطعت، وبعضهم لا يحمل من الوعي بذلك إلا معرفته بأنها تنعم برخاء اقتصادي يبعد عنه مرمى حجر، خلف حدود مصطنعة مفروضة على المغاربة، بينما يراها آخرون بوابة عبور سهلة نحو الضفة الأوربية من المتوسط.

هذا فضلا عمّا راج من عوامل تسهيلية، أبرزها قرار المحكمة العليا الإسبانية القاضي بعدم طرد المهاجرين الذين يصلون سباحةً إلى التراب الإسباني، وهو خبر روّجت له وسائل التواصل الاجتماعي بشكل مكثف، فسارع كثيرون، أفرادا وجماعات، إلى استثماره، وسط نشاط موازٍ لشبكات تهريب المهاجرين والمتاجرة بالبشر. يُضاف إلى ذلك توجه الحكومة الاشتراكية الإسبانية نحو تسوية الوضعية القانونية لنحو نصف مليون عامل مهاجر، استجابة لضغوط أرباب المقاولات المحتاجين إلى اليد العاملة.

استغلت الدعاية الإسبانية هذا الحدث لتوجيه سيل من الاتهامات إلى المغرب، البلد الجار الذي تصله بإسبانيا روابط تاريخية عميقة تعود إلى عصر الأندلس، وامتزاج في الدم والأصول بين الشعبين على ضفتي المضيق. وساندتها في إطار التضامن المغرض، انصر أخاك.. العديد من المنابر الأوربية التي ما تزال تحمل في باطنها جينات الاستعمار والهيمنة العرقية.

خضعت مدينة سبتة لسيطرة الإيبيريين بدءا بالبرتغاليين سنة 1415، في أعقاب انحطاط الأندلس وصعود القوة الإيبيرية، قبل أن تنتقل إلى السيطرة الإسبانية سنة 1668 إثر لحظة ضعف عرفتها المملكة البرتغالية. ومنذ ذلك الحين، توسع النفوذ الإسباني ليشمل احتلال واستكشاف قارات أخرى، من أمريكا إلى إفريقيا.

يعود جذر الحقد الإسباني تجاه المغاربة إلى دخول الجيوش العربية والأمازيغية المسلمة إلى الأندلس، حيث أذكت النعرة الكاثوليكية هذا الشعور في وجدان الأجيال المتعاقبة. وحتى بعد خروج العرب من الأندلس، ظلت السخرية من “شعب المورو” حاضرة في الأدبيات والكاريكاتور والنكت الشعبية الإسبانية، تُصوَّر فيها الملابس التقليدية والهيئات بشكل مشوّه، والأسنان وقد رُسمت مسوّسة في إشارة إلى تدخين الكيف، وصولا إلى السخرية من عادات الطعام وطرائق تناوله. وهو إرث لا يزال، رغم مرور القرون، راسخا في الذاكرة الجمعية.

بلغ هذا الخطاب أوجه فيما ذهبت إليه المؤرخة الإسبانية مارغريتا توريس، في تصريح إذاعي لبرنامج “لا تاردي” La Tarde على شبكة “كوبي”COPE الإسبانية، حين زعمت أن المملكة المغربية لم تكن موجودة قبل سنة 1957. وهذا الادعاء يخلط عمدا أو جهلًا بين تاريخ إجراء تعديل هيكلي ودستوري وتاريخ نشأة الدولة المغربية ذاتها، التي يمتد عمرها إلى أكثر من اثني عشر قرنًا. ويمثل هذا التصريح، الصادر عن باحثة في التاريخ يُفترض فيها التزام الموضوعية العلمية والدقة البحثية، تحريفا صريحا للحقائق، وكأن الهجمات الإيبيرية على السواحل المغربية منذ القرن الخامس عشر كانت موجهة إلى أرض خالية من السكان أو إلى شعب بدائي جاءه الإيبيريون بالحضارة والتمدن، على غرار ما جرى تصويره تاريخيا بشأن شعوب الأزتيك والإنكا وهنود أمريكا الحمر.

في المقابل، طرح بعض المسؤولين المغاربة قراءة مغايرة لما جرى، مفادها أن الشباب الذين عبروا إلى سبتة كانوا يرومون ببساطة زيارة مدينة مغربية، أسوة بالمضيق أو الفنيدق أو مارتيل، غير أن الدخول إليها يستلزم تأشيرة شنغن رغم وقوعها على الساحل المغربي، وهي تأشيرة كثيرا ما تُرفض طلباتها لاعتبارات مرتبطة بسياسات الاتحاد الأوربي.

يطرح هذا الوضع تساؤلا مشروعا: ألا تُشبه سبتة ومليلية حالة هونغ كونغ، التي أُزيلت الحدود الفاصلة بينها وبين الصين بموجب تنازل بريطاني متفاوَض عليه بشكل متكافئ، وكذا حالة جزيرة ماكاو؟ وألا يستحضر الوضع أيضا ما جرى مع إقليم ناغورني قره باغ، حين أُخرج الأرمن من هذا الإقليم في إطار تسوية النزاع القومي داخل التراب الأذربيجاني؟ أم أن كون إسبانيا قوة إقليمية وعضوا في حلف الأطلسي يمنحها مشروعية الاستمرار في فرض سيطرتها على أراضٍ تقع خارج حدودها الجغرافية والطبيعية، لتفرض نفسها بذلك “إسبانيا الإفريقية”؟

يفوق الاقتصاد الإسباني نظيره المغربي بعشر مرات على الأقل، وقد نما تاريخيا بفعل الغزوات والاستكشافات واحتلال بلدان عبر قارات متعددة على مدى قرون. ومع ذلك، ظلت إسبانيا تعاني من فوارق اجتماعية وهشاشة اقتصادية حتى مطلع ثمانينيات القرن الماضي. ومع سقوط النظام الفرانكوي سنة 1975 وانضمام إسبانيا إلى الاتحاد الأوربي، تدفقت أموال طائلة لتحديث اقتصادها وإنقاذه، إلى جانب البرتغال في الفترة ذاتها، في إطار ما يمكن وصفه بمشروع مارشال مصغّر حوّل اقتصادها من طابع زراعي تقليدي إلى اقتصاد متقدم ومتطور.

وتكرر هذا النمط من التضامن الأوربي في حالات أخرى: فقد استفادت البرتغال، بعد سقوط الدكتاتورية، من خطة الدعم الطارئ للمجموعة الاقتصادية الأوربية بين عامي 1975 و1977، ومن قروض استقرار غير مشروطة. كما استفادت اليونان، عبر مراحل بين عامي 2010 و2018، من حزم إنقاذ بلغت نحو 287.8 مليار أورو أشرفت عليها “الترويكا” لانتشالها من حافة الإفلاس. ويُضاف إلى ذلك ما رُصد من مليارات الدولارات، تفوق المائة مليار، لفائدة أوكرانيا منذ دخولها الحرب مع روسيا، إلى جانب برامج دعم موجهة لاقتصادات أوربا الشرقية التي كانت تابعة للاتحاد السوفياتي سابقا.

إن هذا التضامن الأوربي، رغم كونه مشروعا ونموذجيا في ذاته ولا يعارضه أحد، يظل انتقائيا بامتياز. فالمغرب، البلد الجار اللصيق لأوربا جغرافيا، يظل مستبعدا من هذا النطاق لكونه بلدا إفريقيا وعربيا ومسلما، وكأن هذا الانتماء يبرر عزله وتجاهل أوضاعه، بل واستغلاله للإبقاء عليه في مرتبة دنيا دون أن يُتاح له الالتحاق بركب التقدم. ومن المفارقة أن تدّعي أوربا الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات، دون أن تفكر في المساهمة بخلق ظروف عيش كريم لجارها القريب جغرافيا، في إطار تعاون مثمر لا استجداء، فضلا عن تجاهلها فارقا اقتصاديا يتجاوز عشر مرات بين الجانبين.

أفلا يستحق المغرب، المستقر سياسيا والباني لمؤسساته الديمقراطية بثبات، والحارس لأوربا من تدفقات الهجرة القادمة من غرب شمال إفريقيا، أن يُدرَج ضمن مخططات الدعم الأوربي، لاسيما من جارته الجنوبية إسبانيا، بما يتيح تحديث اقتصاده والرفع من مستوى معيشة سكانه وضمان استقرارهم، عبر استثمارات تندرج في إطار مخطط تنموي شامل؟

وكما يقول المثل المغربي: “عار الجار على جارو”، في إشارة إلى واجب المؤازرة والتآخي وحسن المعاملة بين الجيران، وهو المبدأ ذاته الذي تطبقه أوربا فيما بين بلدانها، دون أن توليه الاهتمام ذاته تجاه جارها الجنوبي، الذي تعمل على تكريس عزلته، وتطمع في استغلال خيراته الطبيعية وجغرافيته دون تحفظ، خلافا لمبادئ القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بتصفية الاستعمار. وتُحمّله في الوقت ذاته مهمة حراسة الحدود من تدفق الهجرة الإفريقية العابرة لأراضيه، مقابل مساعدات شحيحة لا تُقدَّم إلا بعد مفاوضات مضنية. وفي هذا السياق، يمثل النموذج التركي، شرقي المتوسط، مقارنة دالة: إذ تفرض تركيا على أوربا شروطا صارمة لضبط الهجرة، وتمارس ضغوطا فعالة للحصول على امتيازات سياسية واقتصادية، سواء من حيث تدفق الاستثمارات أو تفضيل ترويج سلعها في الأسواق الأوربية.

لا يسعى المغرب، بحسب تصريحات مسؤوليه، إلى استجداء جيرانه الأثرياء رغم ضخامة ثرواتهم. إنه يتطلع إلى تسهيل ولوج الاستثمارات، والاستفادة من برامج التكوين في المجالات الرافعة لمستوى المعيشة، ونقل التكنولوجيا المتقدمة، تحقيقا لمبدأ حسن الجوار. فمن العار أن يظل جار لصيق لأوربا يعيش في مستوى معيشي واقتصادي أدنى بعشرات المرات، دون أن يثير ذلك أدنى تأنيب ضمير، تماما كمن يسكن فيلا فارهة وينفق باذخا، بينما تعيش أسرة مجاورة له في كوخ أو كهف، دون أن يحرك ذلك فيه ساكنا، وقد يطمع في الاستيلاء على مسكنها لتوسيع بيته.

يذكّرنا ما أدلى به وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، خلال الحفل الديني لإحياء ذكرى المولد النبوي، بأن مدينة سبتة أنجبت واحتضنت نخبة من علماء المغرب في العصرين المرابطي والموحدي، امتد إشعاعهم الدعوي والعلمي إلى ربوع التراب المغربي كافة. ومن أبرزهم:

أبو العباس أحمد بن محمد اللخمي العزفي السبتي (557-633هـ / 1162-1236م)، تولى القضاء بالمغرب، وكان أول من دعا إلى رسمية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في المغرب والأندلس، لمواجهة انتشار بعض الأعياد المسيحية بين العامة آنذاك، وحفاظا على الهوية الإسلامية.

أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي (476-544هـ / 1083-1149م)، وُلد بسبتة وتولى القضاء بها، وقضى آخر حياته بمراكش حيث دُفن. وهو صاحب كتاب “الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم”، وهو مؤلَّف عربي مغربي بامتياز، فهل يحق لإسبانيا أن تدّعي انتسابه إليها؟

أبو عبد الله محمد بن محمد الإدريسي الهاشمي القرشي ( 493-560هـ / 1100-1165م)، الجغرافي ورسّام الخرائط الشهير، صاحب كتاب “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق”.

أحمد بن جعفر الخزرجي، أبو العباس السبتي (524-601هـ / 1129-1204م)، وُلد بسبتة وتوفي بمراكش، من أبرز أعلام التصوف في عهد السلطان عبد المومن بن علي الموحدي، ولا يزال اسمه رمزًا للكرم والسخاء في التراث المغربي.

هذا الإرث العلمي والروحي يشكل دليلا إضافيا على عمق الانتماء المغربي لمدينة سبتة، تاريخيا وثقافيا وحضاريا.

في محاولة لتلطيف الأجواء التي أذكتها المعارضة اليمينية المعادية أصلا للمغرب، أقرّ وزير الداخلية الإسباني، فرناندو غراندي مارلاسكا، أمام البرلمان، بالدور المهم الذي يضطلع به المغرب في تدبير ملف الهجرة ومحاربة شبكات الاتجار بالبشر، وإن كانت الحكومة الإسبانية تتحمل مسؤولية التقصير في تقديم الدعم اللازم لمواجهة هذه الأعباء المكلفة أصلا للمغرب.

أما وزير الخارجية الإسباني، فقد رفض مناقشة ملف سبتة ومليلية، مصرّحا بأن المحفز المباشر لأحداث نهاية يوليوز يكمن في عدم المساواة بين أوربا وإفريقيا. وهو اعتراف صريح، وإن غير مقصود، بمنطق التعالي الذي يسعى إلى إبقاء الفقراء فقراء، حتى وإن كانوا جيرانا مقربين جغرافيا ومُبعَدين قسرا عن مستوى العيش الذي ينعم به جيرانه.

تكشف هذه التطورات عن مفارقة عميقة في العلاقة بين المغرب وجواره الأوربي: تضامن أوربي فعّال ومعلن مع دول القارة ذاتها، مقابل تجاهل ممنهج لجار إفريقي عربي مسلم يتقاسم مع أوربا الحدود والتاريخ والمصالح الأمنية والاقتصادية والطقس والهواء. ولعل السؤال الأجدر بالطرح يكمن في مدى استعداد أوربا، وإسبانيا تحديدا، لمراجعة هذه الازدواجية، وبناء علاقة جوار قائمة على الشراكة الندية مع المغرب، لا على منطق الوصاية والاستغلال.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء
السبت 24 أكتوبر 2026 - 14:38

ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء

صوت وصورة
قفزة جديدة في أسعار الدجاج
السبت 24 أكتوبر 2026 - 11:48

قفزة جديدة في أسعار الدجاج

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع