لقد دخلتْ فرنسا أوّل ما دخلت، إلى المغرب بلاد المهْديّين الثلاث (ابن تومّرت، بن برْكة والمنْجرة) سنة 1907، وكان ذلك من مدينتيْ الدار البيضاء ووجدة.
مِن وجدة نفسها خرج المهدي بن بركة، هاربًا إلى الجزائر، بعد أحداث 23 مارس 1965، ومنذ ذاك الحين، لا يزال الغموض يكْتنف ملفّ اختطافه، كما لا تزال الذّاكرة الحيّة تطرح ألف سؤال في الموضوع (1)..
كيف وقَع المهدي في مَكيدة استدْراجه إلى باريس، من طرف المخابرات الفرنسية، وهو الذي وقَّع وعمْره أربع وعشرون سنة، على وثيقة المطالبة باستقلال المغرب يوم 11 يناير 1944؟
هل كان لتوتّر علاقته داخليًّا، مع بعض الجهات في السّلطة المغربية، علاقة بالحادث؟ أم أنّ الأمر كان مرتبطًا بالخارج، خصوصًا بعد تعْيينه منسّقًا عامًّا لـ”مؤْتمر القارّات الثلاث” في هافانا؟
كان المهدي بن بركة محْورًا (دينامُو) في العمل السياسي (2)، المطالب بعوْدة الملك محمد الخامس من المنْفى، وخروج المحتلّ الفرنسي، ما جعله يحْضى بعد الاستقلال عام 1956، بمكانة داخل هرَم السّلطة، لكي يُعيّن بذلك رئيسًا للمجلس الاستشاري، وبعد موافقة الملك محمد الخامس على اقْتراحه، تمّ اختيار عبد الله إبراهيم، من حزبه الجديد “الاتّحاد الوطني للقوّات الشّعبية”، رئيسًا للحكومة، التي حقّقت عدّة إنجازات في مدة سنة ونصف من عمرها، إذ فصلت الفرنك المغربي عن الفرنك الفرنسي، وأنشأت “بنك المغرب”، ثمّ أسّست نظام “الضّمان الاجتماعي” سنة 1959.
حكومة باشرت مخطّطًا واسعًا للإصلاح الزّراعي، فأنشأت تعاونيات كبرى، كما أنشأت معملًا للحديد والصّلب في الناظور، بشراكة مع الاتحاد السوڤياتي سابقًا، إضافة إلى اتّفاقها على بناء معمل لصناعة السّفن والغوّاصات في الحسيمة..(3).
وعليه، ربّما تكون حكومة الرئيس عبد الله إبراهيم، بتجْربتها النّموذجية خلال فجْر الاستقلال، قد شكّلت بتوجّهاتها اليسارية خطورة على خصومها في الداخل والخارج، ما دفع للتو إلى محاصرتها وإسقاطها..
في ظلّ هذه الأجواء، كان المهدي لمدة ثلاث سنوات من الزّمن، يُعدّ رفقة أبرز القيادات الثّورية اليسارية في العالم، لإنْجاح مؤتمر كان مزْمعًا انعقاده بهافانا عام 1966.. وبالطُّعْم نفسه تمّ استدراج المهدي إلى باريس، صباح 29 أكتوبر 1965، إذ كان على موعد مع مُخرج، من أجل إنجاز فيلم وثائقي عن حركات التّحرر العالمية، تحت عنوان “باسْطا” أي كفى. إذ ذاك وهو يخرج من مقهى “ليب”، طلب منه شرْطيان فرنسيان مرْافقتهم إلى السيارة، التي نقلتهم إلى فيلا بضواحي العاصمة باريس، بدعوى لقاء بمسؤول فرنسي كبير، بعيدًا عن وسائل الإعلام.
هذا وتشير إحدى الرّوايات الرّائجة، إلى أنّ المهدي تعرّض حينها للتّعذيب، على يد ضباط الاستخبارات الفرنسية، قبل أن يتسلّمه رجال المخابرات المغربية جثّة هامدة..
لا أحد من المهتمّين والمتابعين للشّأن المغربي، يُنكر كهْربة الأجْواء السياسية، وتوتّر العلاقة بين القصر الملكي والمعارضة اليسارية آنذاك، لكن في الآن نفسه والأكيد أيضًا أنّ الملك الحسن الثاني، كرأس للهرم السياسي المغربي، دعا المهدي للعودة إلى أرض الوطن، إذ أُنيطت مهمّة محاورة أخيه عبد القادر بن بركة، للسّفير مولاي علي العلوي.. بالتالي هل كانت جُيوب أخرى داخل النظام المغربي، تعمل باستقلالية دون الانْصياع لتوجّهاته؟
كلّ شيء محْتمل، ما دامت عديدٌ من الرّوايات تشير إلى أنّ عودة المهدي كانت مشْروطة؛ كما كان يراها؛ “بعوْدة العسْكر إلى ثكناتهم”..
ثم مرّت الأيام والسِّنون، فدخلت يومًا بنفْسي مكتب محامية فرنسية، كي أعْرض عليها مُؤازرتي، في ملف لي ضدّ “صندوق المِنح العائلية” الفرنسي، حيث كنت أرى؛ كمُقيم قانوني بالدّيار الفرنسية؛ أنه قد أجْحف في بعض حقوقي.. وبعد المذاكرة العفْوية التي جمعتْني بالأستاذة، وجوابي على كل أسْتفساراتها.. أبْدت استعدادها ورغبتها في مؤازرتي، فأمْضت تقيّد كلّ شيء يتعلق بالملف، وتنْسخ الوثائق الضّرورية لإرْفاقها فيه.. كانت مطمئنّة مرْتاحة البال، وهي تسألني وكأنها كانت تحقّق معي.. ثمّ سألتْ بعد هُنيْهة من الزّمن، الذي طال عليّ وأنا أتصبّب عرقًا: “هل يوجد صنْدوق المِنح العائلية في المغرب؟”..
حينها اضْطررْت، وكان لِزامًا عليَّ، ألّا أُداريها ما دُمتُ في دارِها، وألّا أُرْضِها ما دُمت في أرْضها، فأخْبرتها عن سبب عدم تواجدي بفرنسا حينها، وأنّ قوّةً قاهرة اسْتدعت ذلك الغياب الطويل، إذ تسجّلت كمحام متمرّن، بهيئة المحامين في المغرب..
توقّفت الأستاذة المحترمة، وتوقّف معها الوقت، الذي كان يمرّ ثقيلًا، واحْمرّت وجْنتاها، ثمّ ابْتلعت رُزْمة أسئلتها اللاّمتناهية، التي كنتُ أقرأ في نبْرتها عُنْصرية دفينة ضدّ المهاجرين.. كأنها كانت تُلمّح بسؤالها عن “صندوق المِنح العائلية”: كيف لأجنبي مُقيم ببلادنا أن يترافع ضدّنا؟ كيف له أن يسْتفيذ من هذه الحقوق، وهذا الصّندوق لا يوجد أصلًا في بلاده الأمّ!
كان الإشْكال غريبًا، لكنّه غير واقعي، لاعتبار مبادئ الجمهورية الفرنسية، التي تقضي بالمساواة في الحقوق والواجبات، وأنّ حقّ التّقاضي مكْفول للجميع بلا استثناء..
تذكّرت حينها المثل الفرنسي الذي يقول: “اللّباس لا يصْنع رجل الدّين”، لكن لو كان كذلك؛ ما للأستاذة أن تتغيّر، بمجرّد ما علمت بِصفتي الحقيقية، وأنّي زميل لها في المهنة.. مهما يكن من حال، فالنّاس سواء، وأنا لم أتلاعب بمشاعرها، بل لم يكن قصْدي إحْراجها أو الإخْتفاء، بقدْر ما كنت أُداريها وأنا في دارِها “(أي المكتب)” لا غير..
انتهى اللّقاء، على ما كان يبدو، بدون أمَل في لقاء آخر، بعدما انْصرفتُ قصْد إحْضار وثيقة كانت تنقصني في الملف، فلما هاتفتُها من منزلي، مرّة وعدّة مرات، لم تكن الأستاذة لتُجيبني، لا أدري ربما للحرج الذي وقعت فيه، عندما تفاجئت بأنها تتكلّم بنبْرة عنْصرية مع زميل لها في المهنة..
لم يكن بُدّ بعد الذي حصل، إلّا أن قلتُ ملْء صدري، وبيْني وبيْن نفسي: ربّما كان “لصندوق المِنح العائلية” أن يكون في مغرب فجْر الاستقلال، على غِرار “صندوق الضّمان الاجتماعي”، لو لم يرافق المهدي رجال الاستخبارات الفرنسية، ويخْتفِ له الأثر فوق التراب الوطني الفرنسي، فبِتْنا بالتالي لا نعرف له صندوقًا ولا قبْرًا..
عموما قد يقع فعل ما، مدْفوع بدافع سياسي، ضد مصلحة سياسية عامّة للدولة أو حقوقها الدستورية، وهذا الفعل إن لم يكن “جريمة السياسية”، فهو قتْل للعقل وإجْهاض لإرادة البناء..
وحيث أنّ البكاء على الأمْوات، قد يُخْلِفنا خطْوتيْن للوراء، فإنّ “الدينامو” لو كان حيًّا يُرزق، لقال بلسان حاله: الخُطوة للأمام تسْتوْجب التّطلّع للأمام.
الهوامش:
(1) أنظر مقالنا “دارِهم ما دُمتَ في دارِهم وارْضِهم ما دمتَ في أرْضهم”، جريدة وجدةستي، 12 نونبر 2007.
(2) كان المهدي أحد مؤسّسي حزب الاستقلال، اعتقلته سلطات الاحتلال عام 1951 وتمّ نفْيه إلى الصحراء المغربية ولم يفْرج عنه إلا عام 1954.
بعد الاستقلال اختار موقع المعارضة، وانْتقد الوضع عبر “جريدة التّحرير”.
لكن اتّهمت قيادات من حزبه الأول (الاستقلال) والثاني (الاتحاد الوطني للقوات الشعبية)، بمحاولة الاستْفراد بالحياة السياسية، عبر تكْريس حكم الحزب الواحد، فتمّ اعتقالهم..
(3) تمّ إبرام اتّفاقية مع بيرلي، من أجل إنشاء وحدات صناعية من أجل تركيب وصناعة الشاحنات. إضافة إلى إنشاء محطة تكرير النفط “لاسامير” بالمحمدية، بشراكة مع إيران، والمركّب الكيماوي بأسفي، وكذلك اتّفاقية لابورليي، من أجل تركيب الجرّارات وصناعتها، كما تمّ إبرام اتّفاقية جنرال طاير، من أجل إنشاء وحدة صناعة العجلات.
يُشار إلى أنّه بإسقاط الحكومة تراجعت الدولة المغربية عن كل هذه الاتّفاقيات التي أبرمتها مع الاتحاد السوڤياتي سابقًا.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.