هيبَة الدولة..

هيبَة الدولة..
الأربعاء 4 فبراير 2015 - 09:55

سألت أحد رجال الدولة، العارفين بخباياها وطرق اشتغالها، عن الربح الذي تجنيه من وراء استمرارها في تضييق الخناق على معارضيها الحقوقيين والإعلاميين والسياسيين، رغم تقاطر الأحكام القضائية والتقارير الدولية التي تؤكد تراجع وضعية حقوق الإنسان في المغرب إلى مستوى متدن، وما يستتبع ذلك من آثار سلبية على صورته ومصالحه؟ أجابني صديقي رجل الدولة، دون لف أو دوران: إنها هيبة الدولة يا صديقي.

“الدولة عازمة، مهما كلفها ذلك، على ترميم هيبتها التي تصدعت وتضررت كثيرا مع حركة 20 فبراير التي وصلت جرأتـُها على مؤسساتِ وأجهزةِ الدولةِ ورموزِها حدا لم يعرفه المغرب منذ سنوات الستينيات، التي انتهت بإعلان الحسن الثاني حالة الاستثناء عقب أحداث 23 مارس 1965″، أضاف رجل الدولة العارف بخباياها.

عدتُ أسأله: وإلى متى ستستمر حالة الاستثناء الحقوقية هاته؟ أجاب: ستستمر باستمرار اختلال التوازن السياسي لصالح الدولة العميقة، ثم أردفَ شارحا: أمام تشرذم الجبهة الديمقراطية، وتراجع حراك الشارع ومرور الدولة إلى برّ الأمان، ثم نجاحها في بسط يدها على كل الأحزاب الموجودة داخل البرلمان، وانتقالها من نموذج حزب الدولة، الذي بدأ التحضير له في 2008 بتأسيس حزب الأصالة والمعاصرة، إلى نموذج أحزاب الدولة التي يُعيَّن زعماؤها ويُحشد لهم دعم الكتاب الإقليميين والبرلمانيين ورؤساء الجماعات الذين أصبحوا يتلقون التوجيهات من أجهزة الدولة أكثر مما يتلقونها من أجهزتهم الحزبية… ستبقى حالة الاستثناء الحقوقية هاته قائمة.

وخارجيا، استفهمت، كيف يستطيع المغرب أن يدافع أمام حلفائه وخصومه الخارجيين عن وضعه الحقوقي؟ ابتسم الرجل وقال: في علاقته بالخارج، لا يجيد المغرب شيئا قدرَ إجادته إدارةَ دفةِ شراعه إلى أو عن البلدان الهادرة بالعواصف. ألم تر كيف رد المغرب على فرنسا، بعد إهانة وزير الخارجية، صلاح الدين مزوار، بإجباره من طرف أمن مطار أورلي على نزع حذائه، ثم توجيه اتهامات بالتعذيب إلى عبد اللطيف الحموشي، والتساهل مع المعارض المغربي، مصطفى أديب، في الوصول إلى غاية باب الغرفة التي كان يرقد فيها الجنرال عبد العزيز بناني؟ ألم تر، أيضا، كيف رد المغرب على الاستفزازات المتصابية لبعض الإعلاميين المصريين، باستفزاز أوجع صانعي القرار المصري، ودفعهم إلى التوقف عن الاصطياد في الماء المغربي-الجزائري العكر؟

سألت: ألن يؤثر هذا الوضع على الاستثمارات الأجنبية وعلى السياحة؟ أجاب رجل الدول بأن وضع “اللاديمقراطية واللااستبداد” أبان عن نجاحه في ضمان استقرار المغرب الذي أصبح يُنظر إليه، في الغرب، كنموذج سياسي وديني وأمني يُنصح بتصديره إلى دول الجوار، ثم أضاف: أنظر كيف أن الحموشي، الذي استدعاه القضاء الفرنسي لاعتبارات ذات صلة بموضوع حقوق الإنسان، يتم توسيمه، في الفترة ذاتها، من طرف إسبانيا، بوسام الاستحقاق الأمني، وهذا يعني أن المقاربة الإسبانية أصبحت تحذو حذوَ نظيرتها المغربية في اعتبار الأمن أولوية على حقوق الإنسان، ولعل فرنسا عادت، بعد مجزرة “شارلي إيبو”، إلى اعتماد المقاربة ذاتها.

قلت مستفهما: فما قيمة وجود دستور يعطي سلطات كبيرة للمؤسسات المنتخبة ويربط المسؤولية بالمحاسبة، إذا كان الجوهر التحكمي للدولة سيبقى مستمرا بقوة؟ قال: حال الدستور والبرلمان والأحزاب والحكومة كحال البيعة وقـُفة رمضان وخروج الملك للقاء مواطني البلدان التي يزورها، متحررا من البروتوكول… فكلها يجب أن تنضبط لـ”مسرحة السلطة” (La dramatisation du pouvoir) كما يطرحها عالم الاجتماع الفرنسي جورج بالونديي في كتابه “Le pouvoir sur scènes”، فإذا حدث وكان هناك دستور متقدم على سابقه أو تم تقديم صورة الملك متخففة من البروتوكول أو سمح بأشكال من التظاهر والاحتجاج ضد الدولة، فهذا لا يعني أبدا أن الدولة فقدت هيبتها، لأن هناك ما يوازي ذلك من طقوس الإخضاع وأشكال التدخل والتحكم والكبح، التي تشبه ما يقوم به الجمل في دكِّ ما حرث، لكن بوعي. أليس وجود “مخزن ظالم ومهيب خير من طغيان قوم فاسدة و”سايبة””؟ سألني صديقي رجل الدولة هذه المرة، فأجبت: هَيبة الدولة الحقيقية من هَيبة مواطنيها، وإذا حدث أن وجدت الدولة، اليوم، من يبارك تحكمها من سياسيين منخورين بالفساد، فهذه وضعية استثنائية. أما هَيبة الدولة الحقيقية فلا يمكن أن تـُبنى إلا مع سياسيين ونقابيين وحقوقيين وصحافيين لا يهابون الدولة ولا يتآمرون عليها.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • راي
    الأربعاء 4 فبراير 2015 - 17:08

    الواضح ان دولة اليوم تتجه نحوالانفتاح وتكسير الحواجز التي تفصل بينها وبين المجتمع المدني بمؤسساته المختلفة.فقد ظلت منعزلة تمارس سلطتها من عل اعتماذا على مؤسسات واجهزة واشخاص متقنعين باقنعة تحول دون الاقتراب منهم وتجعلهم اشبه ما يكون بكائنات مخيفة لااحد يتجرا على انتقادهم او هدايتهم او التنديد باعمالهم.الا ان تغير ظروف الاحوال وخاصة الانفتاح على العوالم والتجارب السياسية المتقدمة والحاجة الى التاقلم مع مقتضياتها ستعمل على تغيير طبيعة الدولة وبحيث تجد نفسها مرغمة على فتح ابوابها على المجتمع بمكوناته المختلفة .حقا ان الدولة الحالية لاتزال تنهج بعض الاساليب والطرق التقليدية في ممارسة سلطتها ومن حقها ذلك اذا كانت تستهدف الاصلاح مثل انتقاء الاصلح والاكفا والاقوى والانزه ولكن ذلك مبرر بالنظر الى طبيعة المرحلة.فالانتقال الى الديموقراطية لايتم دفعة واحدة لان نجاح الدمقرطة يستلزم التربية على قيمها ومن جملتها الكفاءة الايجابية والنزاهة والفعالية.ومن الممكن ان تستغل الديموقراطية شانها شان الاستبداد في اللصوصية والعبث بالمصلحة العامة.ولا بد اذن من ارفاق الدمقرطة بالتحكم الايجابي والتوجيه والمراقبة

  • لوسيور
    الأربعاء 4 فبراير 2015 - 18:36

    كلما ضيقت الدولة الخناق على الحريات قربت ساعتها.ولقد استنفذت الدولة كل اوراقها ، وكانت ورقتها الاخيرة حزب بنكيران الذي لا يستطيع محاربة الفساد والعفاريت والتماسيح. المقاربات الامنية مصيرها معروف هو انهيار الديكتاتوريات.الحل هو التنمية الشاملة وفرنسة التعليم وتعميم التطبيب عوض تعميم التعريب الذي ادى الى انهيار الدولة في عدة مجالات.لو بقي تعليمنا مفرنسا لكانت احوالنا اجمل ولكان الحكم اقوى.ان الحافلة تسير نحو المنحدر فلا فرامل لها ولا حصارات ولا بد ان تسقط في الهاوية.كل شيء عندنا مزفت باستثناء الطرقات..وقد استحصد الزرع واقل شرارة ستضرم النار في الهشيم.
    بوسائل بسيطة يمكن اعادة الثقة الى المغاربة بمحاسبة المفسدين وضع وزارة للمراقبة والمحاسبة وليس للشكولاطا واللوز والمكسرات يجب فرنسة التعليم تنمية القرى الامن المواصلات تعميم الاطوبيسات عوض الطاكسيات الاهتمام بالعالم القروي والامازيغي الفقير
    البقاء للاصلح وفقا لقانون فاطر السماوات والارض قال تعالى {فَأَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس فَيَمْكُثُ فِي الأرض}
    العصا لا تقيم الدول و العدل يقيمها ومع العدل تستقيم الحياة

  • krimou
    الأربعاء 4 فبراير 2015 - 23:14

    الدكتاتورية احسن من الفوضى والاصلاح احسن من الثورة اذا كانت هذه الاخيرة لاتملك مشروعا مجتمعيا
    اذا كان الراي العام لاتمثله النخبة بل تمثله قطعان من الجماهير الشعبية التي لاتفقه حتى عنوان بيتها فان الحل هو الديكتاتورية
    اما الهيبة او هيبة الدولة فاعتقد انها ترتبط بمفهوم المشروعية والسؤال من اين تستمد دولتنا هيبتها هل تستمدها من القوة والعنف ام من التاريخ او الدين واللغة والعرق ام من الشخصية الكارزمية الدينية او السياسية او النقابية او الجمعوية
    ام ان هيبة الدولة او مشروعيتها تستمد من الشرعية او القانون المتعاقد عليه
    طبعا حينما نكون امام مكيافيلية غير معلنة فان كل الطرق مشروعة لاستمرار السلطة
    يبقى ان احسن هيبة هي التي تكون مشروعيتها مستمدة من القانون الاخلاقي والاجتماعي والتي تجسدها دولة الحق والقانون في شكلها المعاصر في انتظار اشكال جديدة يمكن ان تصل اليها الدولة مستقبلا
    في غياب هذا النموذج الواقعي الذي تمثله دولة الحريات وفصل السسلط وحقوق الانسان المؤسسة لكرامته تظل المسرحانية في ممارسة السلطة هي اللعبة او القاعدة التي تنبني عليها اللعبة السياسي

  • صوت من مراكش
    الأربعاء 4 فبراير 2015 - 23:57

    مقال مهيب للكلمة ايضا هيبة
    تصبحون على وطن

  • AntiYa
    الخميس 5 فبراير 2015 - 08:10

    هَيبة الدولة الحقيقية ينبع من العدل والمساواة في الحقوق لا ظلم ولا احتقار، هَيبة الدولة الحقيقية لا يمكنها أن تتحقق بالمال المزيف و الهبات و الإخضاع الجبري، هَيبة الدولة الحقيقية لا يمكنها أن تتحقق إلا بمعية شعب واع يعرف حدوده، شعب له شريحة من المثقفين غير المزيفين لا يهابون إلا الله و لا يتآمرون على الشعب ولا على الدولة، يجهرون بالحق و لا يخافون لومة لئيم.

  • REDA
    الجمعة 6 فبراير 2015 - 12:42

    مقال مهيب و جرئ ينخر في الجذور الحقيقية ، تحياتي لكاتبه

صوت وصورة
"الأحرار" يدعو المغاربة إلى التصويت لـ"الحمامة"
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 18:00 5

"الأحرار" يدعو المغاربة إلى التصويت لـ"الحمامة"

صوت وصورة
نداء نبيل بنعبد الله للناخبين
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 17:18

نداء نبيل بنعبد الله للناخبين

صوت وصورة
شراكة لتعزيز القراءة والثقافة
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 16:01 1

شراكة لتعزيز القراءة والثقافة

صوت وصورة
حكايات كتردنا لبلادنا
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 11:43

حكايات كتردنا لبلادنا

صوت وصورة
الكازوال يضغط على المهنيين
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 11:07 5

الكازوال يضغط على المهنيين

صوت وصورة
الاتحاد الاشتراكي يواصل حملته بالرباط
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 22:12 3

الاتحاد الاشتراكي يواصل حملته بالرباط