إغفال البعد الديني في ملف الصحراء

إغفال البعد الديني في ملف الصحراء
الخميس 12 نونبر 2015 - 08:30

مرت أربعون سنة على خروج الاستعمار الاسباني من الصحراء، ومباشرة المملكة المغربية لتدبير شؤون الأقاليم الصحراوية في ظل تحديات ومعيقات كثيرة كان أبرزها استمرار حرب ضارية بين الجيش الملكي وثوار جبهة البوليساريو، أفرزت جراحات عميقة في الوجدان والشعور فضلا عن الأرواح والأموال…لم تتوقف إلا مع الشروع في عملية تحديد هوية المعنيين بخطة تنظيم استفتاء بالصحراء من قبل الأمم المتحدة، التي لم تحقق هدفها النهائي وتوقفت بعد تباين المواقف بشأنها..

ولعل أعظم قرار اتفق عليه طرفا النزاع ـ بإشراف أممي ـ والتزما به؛ هو قرار وقف إطلاق النار ساري المفعول منذ سنة 1991 إلى الآن بحمد الله؛ وأعظم منه القدرة على ضبط النفس رغم ما يعرض من استفزازات هنا وهناك، مما وفر على الطرفين الوقت والجهد وصيانة الأموال وحفظ الأرواح من أن تزهق، وبذلك ربح الكل تحدي التجاوب مع خيار التفاوض رغم مشقته وطوله وما يعترض سبيله من منغصات، قد يكون من مسبباتها دخول المشكل في أجندات دولية متعددة فضلا عن الأجندة الإقليمية والمحلية…

من الشائع المعلوم لدى كثير من الباحثين والمتتبعين إطلاق أوصاف العلمية والولاية والصلاح على أهل الصحراء، وأنها معدن العلم والتربية، وهذه الصورة النمطية تلقي بظلالها على مواقف المتابعين للشأن الصحراوي، وتجعلهم يعتقدون غير الواقع مع الأسف.. ذلك أن منطقة الصحراء لم تحافظ على مكتسبات التاريخ العلمي حتى في الأسر التي تنتسب لعلماء، ولم تهتم ببناء ذاتها العلمية والثقافية، وسرى عليها ما عم المجتمع في الصحراء من قلة اهتمام بالعلوم والمعارف فعليا، وإن كانت هناك عاطفة تجاه العلم وتقدير وإجلال للعلماء لكنها لم تترجم واقعا في حياة الناس.

والدليل على ذلك قلة المراجع العلمية المقتدرة الفاعلة، ومحدودية الآثار من مؤلفات وغيرها، وانعدام المؤسسات العلمية الخاصة، وانشغال من لديهم مستوى معرفي بشؤون الحياة الخاصة، في شبه انقطاع عن ميراث الأجداد، وربما غلب على بعضهم التنافس على الاكتساب الدنيوي، وعدم امتلاك الشجاعة لإعادة مجد الأسلاف القريب، الأمر الذي حرم من نهضة علمية تسهم في إصلاح المجتمع، وتعيد ترتيب الأولويات فيه، فضلا عن عجز تام عن استثمار الامكانيات المرصودة من قبل الجهات الرسمية في ميدان التعليم والتعليم الأصلي والعتيق خصوصا…

ومما زاد الطين بلة ضعف أداء المؤسسات المكلفة بتدبير الشأن الديني بالصحراء؛ فهي تعيش مرحلة خريف لا يظهر في الأفق ما يدل على نهايتها، لأسباب متعددة؛ منها التآكل الذي تعرفه هذه المؤسسات بتقوقعها على نفسها، وعدم تجديد أساليب عملها، وحجر أنشطتها ـ إن وجدت ـ على مناسبات بعينها بعيدا عن اهتمامات المواطنين…

فالمجالس العلمية المحلية تعاني عموما من ضعف شديد مزمن في تفعيل دورها الحيوي داخل المجتمع، ولعلها تأتي في المرتبة الأخيرة من حيث الأنشطة العلمية والدعوية المنجزة على المستوى الوطني، وهذا معلوم لدى القاصي والداني حتى صار بمثابة الوصف الملازم لها، ولم تتخذ الجهات الوصية أي خطوة لمعالجة الأمر مع الأسف…

ومثلها مندوبيات الشؤون الإسلامية بالأقاليم الجنوبية التي تفتقد إلى الرسالية في عملها، ولا تزال منذ تأسيسها تعاني من مظاهر رداءة لا تعدمها العين، من أبرزها الارتهان الفاضح للمنطق الاحترازي والأمني في التعامل مع القيمين الدينيين ولو بالشبهة، حتى كأنها ملحقات للإدارة الترابية، ينضاف إلى ذلك تعمد الإقصاء، وعدم القدرة على تكوين كفاءات علمية محلية، والعجز عن استقطابها، فضلا عن ضحالة الأعمال المنجزة التي تسهم في تصحيح المفاهيم، والتخلي شبه الكلي عن التأطير الجاد في المساجد، وترك المبادرة في تهيئتها للجمعيات التي خلقت مضطرة مع الأسف لتتسول التبرعات في الطرقات وساحات المساجد..

إن التفريط في العمل الديني والعلمي والروحي كان السمة الأساس خلال الأربعين سنة منذ استرجاع الأقاليم الجنوبية، ولم يبادر أحد من المسؤولين عن الملف، ولا من السكان والمنتخبين، للتنبيه على خطورة الوضع، مما فتح المجال خصبا أمام التلقي الخارجي من مصادر متعددة، ومع الأسف يتكرر الإهمال لهذا الموضوع، ويتم إغفاله كليا من المشروع التنموي للأقاليم الجنوبية الذي عرض أمام جلالة الملك بالعيون بمناسبة الاحتفال بالمسيرة الخضراء…

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • ابن الصحراء
    الخميس 12 نونبر 2015 - 19:05

    ما أفاد بهالأستاذ إنجيه من معطيات حول الشأن الديني بمدينة العيون صحيح خاصة وأن المندوب الجهوي للشؤون الاسلامية قد تكلس في منصبه، وسد على نفسه الأبواب ولا يدخل عنده إلا أصحاب الحظوة ممن يدرسون ابنه في مادة الفلسفة حيث جعل هذا الأخير مسؤولا عن برنامج محو الأمية الذي لا يفقه فيه شيئا، وتسلط على رقاب الفقهاء الحاملين لكتاب الله بدون حياء، وأبعد المندوب من له غيرة على محو الأمية الذين حققوا فيه نجاحات باهرة..وإن الأستاذ إنجيه بإثارته الموضوع، فهو من باب غيرة هذا الشاب الصحراوي على العلم والعلماء بمنطقة الصحراء.. جزاه الله عنا خير الجزاء.. فهل تستجيب وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية إلى نقل المندوب إلى مكان آخر، وتعين من يقود قاطرة التنمية بالعيون من مدخل ديني؟

صوت وصورة
ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء
السبت 24 أكتوبر 2026 - 14:38 13

ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء

صوت وصورة
قفزة جديدة في أسعار الدجاج
السبت 24 أكتوبر 2026 - 11:48 8

قفزة جديدة في أسعار الدجاج

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35 5

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 20

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 4

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع