الوطن الذي نستحقه.. الوطن الذي يستحقنا!

الوطن الذي نستحقه.. الوطن الذي يستحقنا!
السبت 9 يناير 2016 - 16:36

كان الإمام يتحدث بحماسة أمام المصلّين، في خطبة الجمعة، عن قيمة الوطن والوطنية، في أفق الاحتفاء بذكرى تقديم وثيقة الاستقلال، ولم ينس أن يوجّه نداءه إلى رجال ونساء الصحافة والتعليم، طالباً منهم أن ينقلوا إلى الأجيال الجديدة معاني المواطنة وما تتطلبه من تضحيات ونكران ذوات.

لا يمكن ـ بالطبع ـ مقاطعة الإمام الذي كيّفَ خطبته السياسية بغلاف ديني (وهو عمل جائز في عُرف وزارة الأوقاف حين يتعلق الأمر بمثل هذه الموضوعات)، لأنّ في ذلك لغواً تبطل معه الصلاة، وسلوكاً ينبذه ديننا الحنيف. ومن ثم، خاطبتُه في نفسي: لعلك توجّه كلامك إليّ أنا أيضاً، باعتباري أنتمي إلى قبيلة صاحبة الجلالة، الصحافة. ولكنْ، قُـلْ لي سيدي الفقيه، كيف أُحدّث أبناء اليوم عن الوطن والوطنية، وهم يرون بأم أعينهم دماءً زكية لصفوة من أهل التربية والتعليم تسيل في الأزقة والشوارع؟

كيف نُقنع الأجيال الجديدة بقيمة الوطن، وصورُ الهراوات الغليظة التي لا ترحم تطارد الشباب المعطّل في اليقظة والأحلام، وتنهض بديلاً للحوار والجدال، وللتعبير الحضاري والسلمي؟ هراوات تتهاوى أمامها كلّ شعارات حقوق الإنسان والكرامة والمواطنة، وباقي العبارات الأنيقة المنتقاة بعناية، التي يلوكها المسؤولون “المخزنيون” أمام كاميرات التلفزيون وتحت قبّة البرلمان.

مَن يصدق أيّ كلام عن الوطن والوطنية، والكلّ يعرف أن الوطن وطنان اثنان: وطن عامة الشعب التي تكتوي بنار الزيادات المتلاحقة في أسعار المواد الاستهلاكية، وتكون مجبرة على أداء الضرائب، وتسري عليه كل القوانين بحذافيرها؛ ووطن الصفوة الغارقة في الريع حتى النخاع، والموزّعة أشباحها في الوظائف والمناصب، والمستثناة من تطبيق القوانين، بما فيها قوانين المرور؟

بأي أسلوب ـ سيدي الفقيه ـ نقنع الأجيال الجديدة بقيمة الوطن، وهم يرون الفساد شريعةً ومنهاجاً لعمل رؤساء ومدراء عدة مؤسسات عمومية، بشهادة الأجهزة المختصة، من غير إخضاع أولئك المسؤولين للمساءلة القانونية والملاحقة القضائية؛ بل يُترَكون في رفاههم الإداري والمالي ينعمون؟

كيف تريد منا إقناع الأبناء بمعنى المواطنة الحقة، والمال العمومي يضيع في مهرجانات كبرى، تظلّ مجرد جعجعة بدون طحين؛ عوض أن يُخصّص لتوفير الخدمات الأساسية لمواطني “المغرب غير النافع” (التقسيم المتوارث عن الاستعمار) من تطبيب وتعليم وشبكة طرق وغيرها… كما يضيع في مؤسسات “التدبير المفوض” الأجنبية، التي تمتصّ عرق جبين المواطنين البسطاء، مقابل تدبير سيّء وفاشل لخدمات الماء والكهرباء والنظافة؟

ومع ذلك، فبَدَلَ هذه الصورة القاتمة التي يسعى من خلالها المتسلطون المُستقوُون بالريع إلى بثّ اليأس في النفوس، سأقول للأجيال الجديدة: إنّ الوطن ليس وطن هؤلاء وحدهم، بل إنه وطننا جميعاً، وإن تطوّره رهين بالنضال اليومي ضد الفساد والمفسدين أينما كانوا وحيثما وُجدوا، في ضوء مقتضيات الدستور الذي يظلّ لدى البعض مجرد حبر على ورق، فيخرقونه صباح مساء. لنجعل هذا الدستور حجة عليهم لا لهم!

وأقول لهم أيضا: جميلٌ أن نستحضر نماذج مشرقة لشعوب غربية أو شرقية خطتْ خطوات طويلة في درب التقدم والكرامة والرفاهية ومساواة الجميع أمام القانون؛ ولكنْ، علينا أن نعلم أن هذه الوضعية بلغـتْـها تلك الشعوب، بعد قرون عدة من التدافع بين الطامحين نحو الإصلاح والتغيير والمتشبّـثين بتكريس سياسة الأمر الواقع.

قد لا نجني ثمار التغيير اليوم، بيد أنّ أحفادنا وأحفاد أحفادنا سيجدون “مغرباً آخرَ” مغايراً لما هو عليه اليوم، إنْ نحن وازيْنا بين الطموح الفردي المشروع والهمّ الجماعي الذي يتوخى مصلحة الوطن والمواطنين.

[email protected]

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • حميد
    السبت 9 يناير 2016 - 17:32

    مقال في الصميم. شكؤا لكاتب المقال على تضامنه مع الاساتذة ومع المعطلين

  • bravo
    السبت 9 يناير 2016 - 19:28

    شكرا هسبريس على هذه المقالة التي تتحدث عن واقعنا المغربي.

  • علي شحمة
    الأحد 10 يناير 2016 - 19:13

    شكرا سيد الطاهر، وأضيف كيف تريد منا إقناع الأبناء بمعنى المواطنة الحقة، ونحن مهَجَّرون رغما عنا ورغم ذللك قلت في نفسي المسامح كريم، لكني يوميا في امتحان عسير أمام السواح العائدين من المغرب، يحكون قصص ولا في علم الخيال وأخجل من نفسي وأقول ماهذا التطرف والغلو في الفساد ياوطني؟ أخجل من نفسي ومن أبنائي لأنهم يواجهون نفس الأسئلة لما أقرانهم وهم شباب يافعين من مختلف الجنسيات يأتون للمغرب بــ 500 أورو ويقضون أزهى أيامهم معززون مكرمون محروسون، صعب علي أن أقتنع بوطن يبيع بناته وصبيانه لإذلالي ،وطني متطرف ولهذا لن أقتنع به

  • الافريقي
    الأحد 10 يناير 2016 - 19:35

    ومع ذلك ما زالت تجري في عروقي قطرات شعارات الطفولة . المغرب لنا لا لغيرنا .

  • من بلجيكا
    الأحد 10 يناير 2016 - 22:29

    ان الأعوان المحليون بالسفارات والقنصليات المغربية (الحلقة الضعيفة جداا جداا )مهمشون من طرف الإدارة المركزية رغم الإصلاحات التي تقوم بها لكن هذه الإصلاحات تتماشى مع الموظفين ولا تساير الأعوان ويعتبرون دائما خارج إطار القانوني لوزارة الخارجية .لا ترسيم لا ترقية .لا حقوق كاملة لهذا يعانون ضغوطات نفسية يجب معالجتها من طرف الإدارة المركزية باعطائهم الحقوق كاملة..الموظفين كل شروط الحياة متوفرة تعويضات عن العمل والإقامة وتمدرس الاطفال راتب شهري عالي جدا .اما العون المحلي لا تعويضات راتب شهري زهيد لا تعويض للأطفال ..العمل الزائد .. لهذا يحس بالحكر ة .إذا أرادت الإدارة الإصلاح لا بد من إعطاء قيمة لمواردها البشرية ولا تفضل الموظفين عن المستخدمين وتهميشهم في حقوقهم
    السبب هو بعد هده الفئة من جمعيات المجتمع المدني ومؤسسات الدولة ذات الطابع الحقوقي، والبعد كذلك على الفرق البرلمانية والصحافة الوطنية وعدم وجود قانون منظم واطار اساسي يحدد واجبات وحقوق هذه الفئة العريضة ،ما يعرضها إلى الاستغلال
    نتمنى من السيد علي الهمة والسيدة بوعيدة ايصال وضعنا لصاحب الجلالة

  • غيث من مطر
    الأحد 10 يناير 2016 - 22:45

    هذا هو الوطن

    (دافع عن الوطن الحبيب) ..
    عن الحروف أم المعاني ؟
    ومتى ؟ وأين ؟
    بساعة بعد الزمان
    وموقع خلف المكان ؟!
    وطني ؟ حبيبي ؟
    كلمتان سمعت يوما عنهما
    لكنني
    لم أدر ماذا تعنيان !
    وطني حبيبي
    لست أذكر من هواه سوى هواني !
    وطني حبيبي كان لي منفى
    وما استكفى
    فألقاني إلى منفى
    ومن منفاي ثانية نفاني !
    ***
    (دافع عن الوطن الحبيب)
    عن القريب أم الغريب ؟
    عن القريب ؟
    إذن أدافع من مكاني .
    وطني هنا .
    وطني: (أنا)
    ما بين خفق في الفؤاد
    وصفحة تحت المداد
    وكلمة فوق اللسان .
    وطني أنا: حريتي
    ليس التراب أو المباني .
    أنا لا أدافع عن كيان حجارة
    لكن أدافع عن كياني !

صوت وصورة
التزامات "البام" لساكنة طنجة
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 23:40 4

التزامات "البام" لساكنة طنجة

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 21:00 1

لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي

صوت وصورة
أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:56 7

أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي

صوت وصورة
لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:08 15

لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | جمال براجع
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 18:07 2

الطريق إلى الانتخابات 2026 | جمال براجع

صوت وصورة
بنعبد الله يقود حملة "الكتاب" بسلا
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 17:16 3

بنعبد الله يقود حملة "الكتاب" بسلا