شكلت المناسبات الدينية في المجتمع المغربي، ومنذ زمن بعيد، موعدا لإحياء مجموعة من التقاليد والعادات التي ترسخت لدى الأسر المغربية، وصارت من الطقوس التي تكمل أجواء هذه المناسبات سواء بالنسبة للكبار أو الصغار.
ويعتبر شهر الصيام الذي يتجدد إحياؤه كل سنة وعلى امتداد شهر قمري كامل، واحدا من هذه المناسبات الدينية التي تكتسي طابعا خاصا بالنسبة للأسر المسلمة عموما، والأسرة المغربية على وجه الخصوص، وذلك بالنظر لما يتميز هذا الشهر الكريم من عادات وطقوس تشمل المجتمع برمته، وتضفي نوعا خاصا من العلاقات بين الأفراد والجماعات على امتداد هذا الشهر الكريم.
ومع مرور الزمن، صارت بعض العادات والتقاليد الرمضانية مترسخة، تتجدد أحيانا، بينما طوى النسيان البعض الآخر حتى غدت من الماضي الذي قد لا تعرفه الأجيال الصاعدة رغم أنه يشكل جزءا من الموروث الثقافي للمجتمع المغربي.
فحتى عهد غير بعيد كانت أحياء بعض المدن المغربية العتيقة تعرف خلال شهر رمضان تردد أصداء صوت “النفار” الذي كان يجوب حامله الأحياء مع بداية ما يعرف ب”الثلث الأخير من الليل”، وذلك للإعلان عن وقت السحور، الذي يعد واحدا من الوجبات الغذائية الثلاث خلال شهر الصيام، والتي لم تعد في الوقت الراهن تستهوي العديد من الأشخاص الذين يفضلون الاكتفاء بوجبة العشاء إلى جانب وجبة الإفطار.
وكان الشخص الذي يتولى هذه المهمة يتمتع بنوع من الحظوة لدى بعض الأسر التي تخصه بإكراميات مختلفة، خاصة إذا كان مسنا ورب أسرة، حيث إن بعض الأسر التقليدية، كانت تدخل إكرامية “النفار” ضمن قائمة المهام الموكولة لفرد من أفرادها.
واعتادت العديد من الأسر، في ما مضى، أن يكون “الطاجين” الذي يتم طهيه بنار الفحم الخشبي الهادئة وجبة العشاء المفضلة لديها، حيث تجتمع الأسرة بعد أداء صلاة العشاء والتراويح حول هذا الإناء الطيني المتفرد، الذي يتميز بنكهة خاصة تجعله مفضلا لدى الكثير من المغاربة.
غير أن التغيرات التي طرأت خلال السنين الأخيرة على مناحي مختلفة من الحياة، وفي مقدمتها الانتشار الواسع لأواني الطبخ المعدنية، إضافة إلى غلاء سعر اقتناء الفحم الخشبي الناجم عن الأضرار الكبيرة التي لحقت بالثروة الغابوية، فضلا عن مسببات أخرى، كلها عوامل أدت إلى التراجع تدريجيا عن الإقبال على طهي “الطاجين” في أوساط الاسر المغربية، سواء خلال شهر الصيام، أو في باقي أشهر السنة، ليفسح بذلك المجال أمام وسائل الطبخ الأخرى، وأحيانا لتعاطي الوجبات الغذائية الجاهزة.
ومقابل القطع مع بعض العادات الرمضانية، هناك عادات غذائية أخرى مازالت حاضرة بقوة لدى العديد من الأسر المغربية خلال شهر الصيام، ولا يمكن للمائدة الرمضانية أن تكتمل دونها، بالرغم من كون العديد من الأشخاص يجهلون الفوائد الغذائية لهذه الوجبات، أو بعض مكوناتها.
فوجبة “الحريرية” بمختلف أصنافها، تبقى حاضرة على مائدة الإفطار لدى معظم الأسر المغربية، إلى جانب الحليب والثمور بمختلف أنواعها، فضلا عن حضور بعض أصناف العجائن (البغرير، والمسمن، و رزة القاضي…)، وبعض الحلويات (الشباكية، والبريوات…).
والملاحظ أنه قد لا يتم استهلاك إلا قدر يسير من وجبة “الحريرة” الرمضانية، و قد لا تمتد إليها اليد، وكذلك الشأن بالنسبة للعجائن والحلويات المعسلة، إلا أن حضورها يبقى من بين الطقوس المعتادة لتزيين المائدة الرمضانية. وهذا ما يفسر قناعة مترسخة لدى العديد من الأشخاص ومفادها أن “العين هي التي تأكل” خلال شهر رمضان.
ولا تقتصر العادات والتقاليد الرمضانية الراسخة لدى الأسر المغربية على فنون الطهي فقط، فاللباس بدوره من بين هذه العادات التي تجد تجاوبا واسعا لدى العديد من الافراد حيث يصبح الإقبال على اللباس التقليدي الاصيل لافتا للإنتباه خلال شهر رمضان، الذي يعتبر فترة للرواج الاستثنائي بالنسبة لممتهني الخياطة التقليدية، وكذلك بالنسبة للتجار المتخصصين في بيع الألبسة التقليدية.
ويعرف اللباس التقليدي من قبيل “الجلابية”، و”الدراعة”، و”الكندورة”، و”الجابادور”، و”القندريسي”، و”البلغة”، و”الشربيل”، و”القميص”، و”القفطان”، و”الفرجية” وغيرها من الالبسة التقليدية الأخرى، سواء منها النسائية أو التي يرتديها الرجال، إقبالا كبيرا خلال شهر رمضان.
ويعرف شهر الصيام أيضا الكشف عن جوانب من التجديد لدى بعض الصناع التقليديين الذين يغتنمون هذه الفرصة لإبراز مهاراتهم الحرفية في فنون الخياطة التقليدية، لاسيما وأن شهر رمضان، تعقبه مباشرة مناسبة دينية عظيمة هي عيد الفطر الذي قد لا يحلو للبعض الاحتفاء به دون ارتداء الملابس التقليدية المغربية الأصيلة.
هناك عادات رمضانية تنقرض بالتدريج بفعل المتغيرات التي تطرأ على المجتمع المغربي الذي يعيش تحولا على مستويات عدة، وعادات أخرى مازالت حاضرة. ومن غير المتوقع أن تندثر تماما، بل من المؤكد أنها ستواصل حضورها وتجددها، ولعل السر وراء ذلك هو ترسخها في عمق الوجدان المغربي.
في زماننا الاغبر هذا الشجار و السباب و المعارك بالاسلحة البيضاء و كوارث كثيرة القارء الكريم على علم بها . اين نحن من رمضان زمان .
حقا.كاتب هذا الموضوع على صواب لكنه نسي الاخلاق و السلوكات لدى افراد المجتمع المغربي بحيت قلت صلة الرحم وغيرها من المبادئ التي انقرضت تقريبا وظهرت تصرفات وسلوكات بدئية…رمضان كريم لجميع المغاربة.
هذه الطقوسيات والبهرجة لم تكن موجودة في الماضي خلال الستينيات والسبعينيات كان الناس ينامون باكرا ويستيقظون في السحور على النفار بعد نوم عميق وما كانوا يرتدونه كان فقط عبارة عن ملابس عادية وكل ما نراه اليوم فقط تطور من بضع عشرات السنين بشكل تدريجي والاسباب مختلفة
شكرا على هذا المقال.لكن تفاجأت كثيرا تجاهل الكاتب لتخلي المغاربة عن اللباس التقليدي الأصيل،الذي استبدلوه بالقندورة الخليجية الرخيصة،المملة،و الأقل مستوى و جمالية،ذات العنق الكرتوني،و الأزرار الحديدية البشعة،التي انتشرت بين ساكنة المغرب.حتى المناطق النائية التي يصعب إيصال المواد الغدائية إليها،وصلتها!!أما المغاربة في الخارج،أصبحت هي البدلة المفضلة لديهم!لم نعد،عند رؤيتهم،في الصور أو فيديو،أو مراسلات تلفزية،نعرف هل هم مغاربة أو شرق أوسطيين.اللباس التقليدي هو هوية الإنسان،و أتساءل لماذا قرر المغاربة إستبدال هويتهم بهوية الغير،كأنهم شعب لقيط لا تاريخ له،و لا حضارة،ولا هوية؟؟!!عكس ما ذكر في المقال،أغلب الأسر المغربية لم تعد تقتني اللباس التقليدي المغربي،في المناسبات الدينية،بل تقتني القندورة الخليجية الدخيلة،للرجال و الأطفال!!شاهدوا المغاربة في المساجد،و المدارس الدينية،و العلماء،و بعض الوزراء،على رأسهم بوليف،و حتى الفرق الفولكلورية،التي من واجبها تقديم هوية المغرب و تقاليده!!كيف يتغاضى المغاربة عن هذا المشكل الخطير الذي يهدد اللباس التقليدي الأنيق،الراقي، الفريد،فوق كل هذا هوية المغاربة؟؟