المهرجان المغاربي للفيلم بوجدة في دورته 7، صرخة لأجل إدماج السينما بالمقررات الدراسية
– لا حياة للحياة المدرسية من دون فلسفة وتشكيل ومسرح وسينما
– تجربة الأندية السينمائية، داخل المؤسسات التعليمية، ذات نفس قصير
– التربية عنف رمزي يمارس على الطفل من طرف مؤسسات التنشئة الاجتماعية
يختلف مفهوم التربية بين القدامى والمحدثين، لكن لا اختلاف بينهم حول أهمية التربية ودورها في تنشئة الفرد، ويجمع كل من الممارس والمهتم بشأن التربية على ضرورة تسخير المتاح من الوسائل لبلورة مفهوم التربية كفلسفة ترتقي بالمجتمع وثقافته، إذ تسعى التربية دوما لتجعل الفرد جزء مندمجا داخل الجماعة، أي جعله جزء من محيطه السوسيوثقافي، وتنشئته تنشئة سليمة يتوخى من خلالها تحصين هذا الكائن فكريا ونفسيا، من أجل تأهيله للقيام بدوره اللائق داخل المجتمع، ولهذا الغرض لابد من تظافر جهود عدد من المؤسسات، منها الإعلام ووسائل الاتصال، وبشكل خاص السينما، أي تفعيل آليات التحصيل والمعرفة بواسطة السينما عبر خلق الأندية السينمائية داخل المؤسسات التعليمية، وجعل الفن السابع دعامة للارتقاء بجودة المادة التعليمية، وركنا أساسا في صلب التربية، من خلال إقراره داخل البرامج التعليمية، وليس كنشاط إضافي أو موازي، وذلك في اتجاه تنمية تربية جمالية وفنية بين الفئات الطلابية، فيحل الجمال محل العنف والعدم والتطرف وتجنب التعاطي للمخدرات والانحرافات السلوكية، والتحصين ضد الآفات الاجتماعية، أمام وحش العولة والتطور التكنولوجي الجارف.
ويأتي الحديث عن السينما في بعدين، الأول هو تسخير السينما كوسيلة وأداة تربوية، والثاني هو جعل قضايا التربية موضوعا للسينما. من هنا يمكن طرح إشكالية ربط المؤسسة التعليمية وجميع الفضاءات التي يلجها الأطفال والطلاب وهيئة التدريس والمهتمين بعالم التربية، بقاعة السينما كفضاء للفرجة التي سوف تساهم في نقل الفكر والمعرفة .. وهو الدور الذي اضطلعت به السينما خلال العقود السابقة، حيث وفرت دور السينمائية والأندية السينمائية بشكل كبير وفعال مادة للفرجة.
ويبقى سؤال التربية في علاقتها بالسينما، قائما، يطرح إشكالية التربية الجمالية والفنية للطفولة والشباب، والدور الذي يمكن أن تلعبه الصورة على المستوى التعليمي في ظل هيمنة الإديولوجي، الذي يمارس على وسائل الإعلام والثقافة والتربية، داخل المؤسسات التعليمية، لأن الفعل السينمائي جامع لمميزات لا حصر لها: فرجوية ومعرفية وفكرية وجمالية وإبداعية، حيث يتم توظيف الأداء والإضاءة والصورة والموسيقى والكتابة السينارية والحوار واختيار الموضوع وطرح القضايا في قالب فني له القدرة على تمرير خطاب سياسي أو إيديوليوجي أو ثقافي أو تربوي …، وبالتالي، لا يمكن فصل السينما عن دورها في مجال التربية، إذ يجد المنتوج السينمائي الطريق معبدا نحو المتلقي ليؤثر فيه سلبا أو إيجابا، باعتباره عنفا رمزيا، حسب تعبير بيير بورديو، لهذا يتوجب السعي وراء ترسيخ تربية سينمائية بين الطفولة والشباب لتمكينهم من أدوات تلقي المنتوج السينمائي بكل نضج، لأن الهدف من التربية السينمائية هو تربية الحس الجمالي والفكري والمعرفي عند الناشئة داخل المجتمع، بشكل يؤدي إلى ترسيخ أسس ثقافة سينمائية جادة، مقابل الزخم الهائل الذي يشهده المنتوج السينمائي العالمي بمستويات مختلفة، لدرجة يصعب فيها التمييز بين الجدي والرديء.
كما يستدعي موضوع العلاقة بين السينما والتربية الوقوف عند تاريخ السينما كجزء من هذا المشروع داخل منظومة التربية، لأن فعل السينما ليس ترفا فكريا، بقدر ما هو إبداع بشري يسعى لتحقيق البعد الإنساني في الجمال والفن، في أفق تخريج عدد من المبدعين من داخل فضاء المؤسسة التعليمية، لتكوين جيل من الشباب يحمل هم وثقافة الصورة وتفكيك لغتها واستيعابها، وهي الثقافة التي ستمكنهم من الانفتاح على المحيط الكوني العالمي، لأن السينما أضحت ضرورة في حياة الفرد كما المجتمع، ولأن ما يميز السينما هو تحقيق المعرفة والتأطير والتوعية إلى جانب لذة المشاهدة. فنتساءل عن السبيل للتواجد الإيجابي داخل المؤسسات التعليمية؟؟ حتى لا تبقى التربية في علاقتها بالسينما، مجرد شعار عائم. ثم كيف يمكن للسينما استعادة القيم واستتباب المشترك الإنساني، من خلال دورها التربوي؟؟ كيف يمكن للتربية أن تستوعب مواضيع ومضامين الأعمال السينمائية؟؟ كيف يمكن استقطاب شركاء للمساهمة في بلورة وعي سينمائي داخل المؤسسات التعليمية؟؟
إن معضلة التربية الحديثة، بالمغرب، تكمن في تغييب التربية على الجمال بين الناشئة، حيث أن تربية الفرد غير المعاق فكريا تقتضي إكسابه معرفة بالمسرح والسينما والتشكيل والفلسفة … فكل هذه المعارف تشكل الغائب الأكبر داخل منظومة التربية والتعليم، لأنها لا تخدم مصالح القائمين على شأن الحياة المدرسية، باعتبار أن التربية بكل هذه الأبعاد سوف تجعل من الفرد ينمو ويكبر ويفكر بشكل سليم، مستقل، حر، مبادر، طموح، محب، وخلاق، قادر على المواجهة والحوار والتفاعل …
تجربة الأندية السينمائية ذات نفس قصير
يمكن اعتبار تجربة الأندية السينمائية داخل المؤسسات التعلمية ذات أهمية بالغة، باعتبار الدور الذي قدمته لفئة التلاميذ لتكوين حي فني يمكنه التعامل الصورة بعلم ومعرفة، لكن هذا العمل يبدو غير ذي نفس طويل، لأنه يقوم على التطوع وغياب اللوجستيك، ويتم خارج أوقات العمل، والتلميذ لا يجد نفسه مجبرا على الحضور والمتابعة، وغياب مقرر مضبوط وفق منهجية محددة، وبالتالي فلا تحمل العملية برمتها محمل جد، لبقى الرهان على الأستاذ المتطوع وحده، وحال انتقاله يتم إغلاق النادي. أما أن تكون المادة مقررة دبرها أستاذ مختص، فسوف يكون للأمر وقع آخر واعتبار أكثر أهمية، لأن السينما صنعة وليست فرجة مجانية.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.