"أبو ليلى" .. فيلم يصور كوابيس استثنائية مستعارة من واقع الجزائر

"أبو ليلى" .. فيلم يصور كوابيس استثنائية مستعارة من واقع الجزائر
الإثنين 2 مارس 2020 - 06:00

شخصيتان مختلفتان في المزاج والسلوك والمعجم تقومان برحلة بحث سريالي عن عدو في فضاء صحراوي لا نهائي في فيلم “أبو ليلى” (2019) من إخراج أمين سيدي بومدين، وقد عُرض الفيلم في أسبوع المخرجين في مهرجان “كانْ” في مايو 2019. الفيلم من بطولة إلياس سالم وسليمان بن واري الذي عمل في المسرح، وهذا ما أتاح له قوة الحضور أمام الكاميرا بوجه معبّر وحوارات موجزة.

تتْبع الكاميرا شخصيتين في قفار لا نهائية: طيّب وقاس، حساس (أنثوي؟) ووحش مُسلح. يحاول الوحش أن يُساعد الحساس الذي تعطلت لديه حاسة التمييز بين الأزمنة. وبذلك يركز الفيلم على شخصية مهزوزة، على معاناة روح معذبة، شخصية مترددة بأحلام سوداء دموية.

يعرض الفيلم محاولة شخصية مجروحة تجاوز تجربتها المريرة والعيش من جديد. تعرض الكاميرا روح الشخصية لا وجهها فقط. يحفر الفيلم في شخصيته الرئيسية بأقل ما يمكن من السكيتشات الجانبية المُغرية كلما مرت الشخصيتان من مكان يوجد به كومبارس ظرفاء… نادرا ما تترك الكاميرا الشخصية الرئيسية لتتْبع شخصيات ثانوية كوميدية من فرط الغباء لا من فرط الظرف.

الفيلم إضاءة نفسية للمرحلة، شخصية رئيسية تعيش كوابيس استثنائية مستعارة من واقع الجزائر، من فرط اللحْم المنثور صارت الحيوانات العاشبة لاحمة.

يسرد الفيلم هلوسات حسية هي مزيج من الحكمة والجنون. يختلط الواقع بالكوابيس في رحلة علاجية على درب وعْر، يتجه اللابطل إلى المستقبل باسترجاع الماضي دون “فلاش باك”، لأن اللابطل مازال يعيش أوجاع المجازر التي عاشها.

كان الماضي الدموي هو غْرام الجنون الذي منح القصة عمقها في بلد يبدو كمستشفى كبير للمجانين. في هذا الخراب شخص لديه أولويات مرتبكة، يهتم بدفن ميت أكثر من انشغاله بإسعاف جريح يصدر عنه أنين. وهذا العبث نتيجةَ شراسة دولة وعنف مجتمع يعتبر أن رؤية طفل لدم الكبش في عيد الأضحى علامة على الشجاعة، ومن يخاف الدم يُشتم ويتهم بالأنوثة.

اللابطل شخصية مترددة، تحجم أن تقاتل إما لطيبوبتها أو لجُبنها. شخصية مأزومة يفترسها ماضيها وتتسكع في فضاء مطلق. تُعمّق طبوغرافية المكان هواجس الشخصيات المعزولة عن زحام الشعب.

“أبو ليلى” فيلم عن جزائر منتصف تسعينات القرن الماضي، في بلد بمساحة مهولة تُصعّب السيطرة الأمنية، كان هناك في كل منعطف إرهابيّ ومصيبة تتربص. عاش البلد أجواء الرعب. من لم يصبه الرصاص أنهكته الكوابيس.

بذكر العشرية السوداء (200 ألف قتيل بين 1991 و2002) يمكن تحميل قراءة الفيلم ما لا يُحتمل. ذلك أن الفيلم لا يصور تلك المرحلة الدموية بل يكثف نتائجها في حفنة صغيرة من الكوابيس المريرة، وحالة غثيان مزمنة تحرض على التساؤل:

كيف يمكن تحمل ماض بالغ الدموية والمرارة؟

من الصعب تجاهل آلام الماضي القريب جدا.

للتصالح مع الماضي يجب تصفية الحساب، فأين العدو؟

يجري البحث عنه في الصحراء، بينما أفعال ذلك العدو تهاجم خيالات الشخصية المأزومة. وبينما الصديق الوحش يمضي لهدفه مهما كان الثمن، يمضي في رحلة انتقام أو رحلة لتحقيق العدالة.

تتقدم الأحداث مصحوبة بموسيقى تصويرية مخدوشة أشبه برنين وضجيج يخرج من روح الشخصية. وقد كان لسفر البحث عن العدو في هذا الفضاء فوائد على وعي سينمائي حاد. تطارد الكاميرا شخصيتين في فضاء صحراوي شاسع، وبشكل عرضي تتشكل لوحات صفراوية تنكسر فيها أشعة الشمس على الصخور وتلال الرمل، يغير الظل الإضاءة.

اتخذ الإخراج منحى مينيماليا، وقد نجح الفيلم ببطء وبعناصر قليلة في وضع المشاهد في قلب جزائر التسعينات. فيلم على الطريق. رجلان يسافران صامتين تقريبا بسيارة في منطقة صحراوية لأكثر من خمسة وأربعين دقيقة قبل أول توقف. نادرا ما يتغير شيء. هذا يولد الملل.

هل يمكن لمتفرج جزائري تحمل هذا؟

لا. لكن المهرجانات التي يقدسها السينيفيليون تفضل أفلاما فيها شخصيات قليلة وإيقاع رتيب ليصل المعنى بطيئا إلى مُخيلات أعضاء لجان التحكيم.

هذه عينة أفلام مبنية على سيناريوهات تنحت وتحذف بغرض التركيز على شخصية واحدة لوقت طويل للحفر في ذاتها. ولهذا تأصيل فلسفي وبصري، فكثرة المعلومات ترهق الوعي. يتجلى ذلك في تقليل كمية الأجساد في الفضاء، وقد اشتهرت الكثير من الأفلام التي تتْبع شخصية واحدة طيلة ساعتين.

النصف الثاني من فيلم “أبو ليلى” أفضل لأنه يفسر ما سبقه. النصف الأول ممل والنصف الثاني مشوق، لكن النصف الأول رغم عيوبه كان تمهيدا ضروريا لإدخال المتفرج إلى جمجمة الشخصية الرئيسية.

كان للسفر بحثا عن العدو فوائدُ على نفسية الشخصيات، فالمسافة والعزلة علاج، على أمل استرجاع براءة صداقة منتهكة. لكن ما ضاع لا يسترجع، وكل الأمل ألا يتكرر ما جرى في الجزائر.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

7
  • ALI
    الإثنين 2 مارس 2020 - 09:53

    chaqu'un son tour

    بذكر العشرية السوداء (200 ألف قتيل بين 1991 و2002)
    c'est cette loqigue que les algériens n'aiment pas du tout

  • Salim BOULMarka
    الإثنين 2 مارس 2020 - 17:43

    Barak allahou fik pour cette logique que les arriérés ne trouveront pas cela logiques.

  • Boudiaf
    الإثنين 2 مارس 2020 - 18:31

    Pour l'algérien numéro 2
    La logique des sous-officiers de la promotion Lacoste a commencé depuis la fin des années 50 sous le commandement du général De Gaulle, cette logique consiste à massacrer tout ce qui est contre le régime colonial. Le problème des algériens est identitaire sans histoire ni valeurs, c'est pourquoi le chiffre de 500 mille mort n'est pas choquant pour les sous-officiers comme Taoufik, nezzar, ammmari, belkhir,Ismaël, touati. L'histoire continue et ne s'arrêtera jamais , c'est le seul pays qui a tué son président avec un sang-froid.

  • لكناوي
    الإثنين 2 مارس 2020 - 19:23

    ردا على kabyle paris اضحكتني تتكلم كان الدعارة لا توجد في بلدك اذا كنت لا تصدق ان الدعارة لا توجد في بلدك فالفيلم ينطبق عليك ثانيا ليس عيبا ان تعمل نساء على العمل في التجارة لكن العيب الكبير هو ان تكون بلدك اكبر مصدر للغاز الطبيعي و تذهب لفرنسا لتتسول اعانات البطالة من فرنسا

  • Kabyle paris
    الإثنين 2 مارس 2020 - 19:41

    Au numéro 6
    Ja, weil mein Level sehr hoch ist, konnte ich in meinem Land keine Arbeit finden. Ich habe es in Deutschland gefunden, nur um Ihnen dank der algerischen Universität mitzuteilen, dass ich hier Ingenieur für Luftfahrt bin. Vielen Dank für mein Land, das mich angeboten hat Eines Tages werde ich in mein schönes Land zurückkehren

صوت وصورة
ندوة "صندوق التكيف" بالمغرب
الخميس 17 شتنبر 2026 - 11:33

ندوة "صندوق التكيف" بالمغرب

صوت وصورة
وهبي يكشف قائمة المنتخب
الخميس 17 شتنبر 2026 - 11:12 1

وهبي يكشف قائمة المنتخب

صوت وصورة
خصاص المقررات المدرسية
الخميس 17 شتنبر 2026 - 10:30 2

خصاص المقررات المدرسية

صوت وصورة
التزامات "البام" لساكنة طنجة
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 23:40 5

التزامات "البام" لساكنة طنجة

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 21:00 1

لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي

صوت وصورة
أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:56 7

أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي