حليفي يفك "الخط الزناتي" في محاولة لفهم "المجتمع المغربي السفلي"

حليفي يفك "الخط الزناتي" في محاولة لفهم "المجتمع المغربي السفلي"
صورة: أرشيف
الأربعاء 3 نونبر 2021 - 03:00

يتحدث الكاتب شعيب حليفي عن بنية المجتمع المغربي في القرن الثاني عشر ميلادي، والصراع الذي أفرزه هذا المجتمع بين طبقتين، الأولى للحكام المدافعين عن العقيدة لما لها من تراتبية اجتماعية، والثانية من عامة المجتمع السفلي.

وبالتالي، يوضح حليفي ضمن مقالة توصلت بها هسبريس، بأن طبيعة المعرفة في المجتمع المغربي خلال العهدين المرابطي والموحدي، تمثلت في تصالح الموروثات القديمة والشعبية مع الإسلام، وإبحار الثقافة العالمة في بحر النهوض القوي، وانحياز التصوف للمجتمع.

وإليكم المقالة:

المجتمع بوصفه خيالا

مع البنية الجديدة للمجتمع المغربي في القرن الثاني عشر الميلادي نتيجة التطور السياسي والاقتصادي وبروز طبقات وفئات أخرى، تطورت- كما سيكتب أكثر من مؤرخ- مظاهر البذخ والسمر والمجالس، كما كثُرت السرقة والغش والتدليس، وانتشر- مثلما سيروي ابن عذارى- السحرة وأهل التخيّل والتنبؤ بالغيب، والذين يظهرون شيئا من غير فعله. وفي المقابل، كان الزهد والتنسك، وانتشرت رباطات وزوايا ومدارس في أهم المدن، بفاس ومراكش وأغمات ووريكة وقصر كتامة وسجلماسة وسبتة وسلا، وفي بعض البوادي أيضا، تعبيرا عن هذه التعددية التي يراكمها المجتمع في جميع الاتجاهات.

كان هذا التصادي والصراع الذي أفرزه المجتمع المغربي في العهدين المرابطي والموحدي، بين طبقتين متناقضتين، شرطا ضمن هذه التحولات، الأولى للحكام المدافعين عن العقيدة لما لها من تراتبية اجتماعية، ومعهم أهاليهم ورجال الدولة وأرباب البيوت الكبرى وتوابعهم، ويلحق بهم فئة مقربة وسطى تضم الفقهاء والعلماء والأدباء والمغنين وبعض التجار والصناع؛ أما الطبقة الثانية فهي من عامة المجتمع، من الفلاحين والفقراء وأصحاب الحرف وعامة الشعب من المجتمع السفلي، ومعهم الأدباء والفقهاء والمتصوفة.

ولم يكن هذا الواقع وإفرازاته مفصولا عمّا كان يجري بالمشرق، مع حكم العباسيين، وما عبّرت عنه الطوائف والفرق التي امتدّ أثرها وتطور في علوم رسخت وجودها في الفقه وعلوم الكلام والفلسفة، في حين اتجه الإبداع الأدبي إلى استكمال “ثورته” في التخييل، شعرا مع أسماء كثيرة، وفي السرد بظهور ألف ليلة وليلة ومقامات الحريري وكتابات فكرية وفلسفية.

وقد بدا هذا الواقع واضحا بين طبقتين: الأرستقراطية الحاكمة في بذخها وإقبالها على الحياة بكل الوسائل، وقد عكسته ألبستها الحريرية الموشّاة بخيوط الذهب والفضة، وأكلها من كل أصناف اللحوم والأسماك والفواكه. أما الطبقات الفقيرة الزاهدة، التي عجزت عن الوصول إلى ذلك العالم الجديد أو رفضته، فأقبلت على مُتع الآخرة، بالنسك والزهد والارتباط برجال هذا المنحى المعبّر عنه بالتصوف وما سيتفرع عنه من زوايا وطرق وطوائف أو أشخاص بكراماتهم وحكاياتهم، مما سيمهد الطريق لمسار في التصوف له مفاهيم وأسانيد وكرامات، لباسهم الصوف الرث والجُبة، وانتعالهم الخف من الدوم والحَلفاء. أما طعامهم فمن الشعير والبقول والعصيدة أو نبات الأرض. إنها تحولات في الرؤى والقيم دفعت هذه الفئات الصاعدة إلى البحث عن اطمئنان في البدن والعيش والدين، وبالتالي كان الانفتاح والعودة إلى أسرار الثقافة الشعبية في الأكل والمداواة والتكيُّف مع كل الظواهر.

لقد كان هذا الواقع أفقا واسعا ومتلونا تلتقي فيه الأوعاء كلها وتتصادم، فتشكلت لغة جديدة وثقافة مرتبطة بالكرامات والعجيب والمدهش في علاقتها بالحياة الصحية والمعيشية للإنسان البسيط ورسمت له أملا تحوَّل إلى ارتباط “مقدس”.

ويمكن، في هذا السياق، الحديث عن طبيعة المعرفة في المجتمع المغربي خلال العهدين المرابطي والموحدي. فمن جهة، تصالحت الموروثات القديمة والشعبية مع الإسلام، بينما كانت الثقافة العالمة تجتهد حينا وتُبحر حينا آخر في بحر النهوض القوي الذي عرفته الثقافة العربية في كل المجالات منذ القرنين التاسع والعاشر الميلاديين. وكذلك الشأن بالنسبة للتصوف الذي انحاز إلى المجتمع، مرتبطا في الجزء العالم منه بتأليفات رئيسة من قبيل الرعاية للمحاسبي ورسالة القشيري وإحياء العلوم للغزالي، وربما غيرها، وما كان من تأثير للطوائف والفرق والملل، وما كان يُدرّس ببغداد أساسا، مما نهل منه صالح بن طريف في النصف الأول من القرن الثامن الميلادي والمهدي بن تومرت في القرن الحادي عشر، والكثير من الرجال ممن رحلوا لأجل ذلك خلال خمسة قرون.

أما التصوف الشعبي، فإنه ترعرع في المجتمع، في باديته وحاضرته، كما في بيوتاته وحاراته، ثم في الزوايا والرباطات والمساجد، حاملا الموروثات القديمة المتعلقة بحياة الناس ومعيشهم وبعض سلوكهم وصراعهم بالتنبؤ والسحر تم تكييفها وفق الرؤية الدينية ضمن علوم السحر والتنجيم والطلسمات وعلم النجوم والفلك والكلام والجدل وأصول الفقه والحديث والتفسير. لقد راكم التصوف الشعبي تلك الخصوصية والقوة التي جعلت للثقافة، آنذاك، ظاهرا وباطنا، دنيا وآخرة، علما وغيبا، ولم يعد الناس يبحثون عن ادعاء النبوة لأن نهايتها محسومة من خلال تجارب كثيرة، فلجؤوا إلى سبيل أصبح “شرعيا”، له ضوابطه وسننه، وهو الولاية.

كانت الموروثات الشعبية قد وجدت لها شرعية مزدوجة مع الحكام ولدى العامة، حتى إن شيخا مغربيا اسمه عبد الله الزناتي (كان حيا إلى غاية 1230م) أغفلت كتب التراجم والوفيات وتاريخ الأدب ذكره رغم أن كتابه، الذي ألفه “كتاب الفصل في أصول علم الرمل”، كان تأثيره كبيرا في الشرق العربي وعدد من الدول الإفريقية في مجال السحر والتنجيم أو ما عُرف بعلم الرّمل، وسُمّي لاحقا باسم متداول في الثقافة الشعبية المغربية حتى الآن بالخط الزناتي في إشارة إلى التنبؤ بالغيب. وفي نفس الفترة سيظهر بالجزائر الشيخ البوني (توفي سنة 1225م) الذي اشتهر لدى الفقهاء بالسحر، وهو يرى في الأرقام والحروف قوى سحرية ترجمها في كتابه شمس المعارف الكبرى، وكان متصوفا زاهدا ومنقطعا وغريب الأطوار، وقيل إنه استوعب تأثيرات الهرمسية والغنوصية في ما كتب.

كان المجتمع ناهضا بقوة وبفوضى، ثورات ببلاد تامسنا ودكالة وحاحة وركراكة (1149م) وهرغة ولمطة وجزولة (1153م) وغمارة (1163م) وسلا ومراكش (1184م) ثم فاس، شارك فيها فلاحون وحرفيون وتجار صغار ومن عامة الشعب ومن المتصوفة، وأصبح التصوف وسط هذا العالم المتحول إنتاجا خالصا لتناقضات المجتمع، في تدبير الصراع مع السلطة والحياة اليومية، صراع المجتمع الذي اتخذ أشكالا مختلفة، إما بالسرقة وقطع الطرق أو الاحتيال أو ضرب الدفوف أو ادعاء النبوة والثورة أو ادعاء الكرامة ومداواة الأمراض أو الكشف عن المستقبل. ولم يكن المتصوفة إلا من هؤلاء الناس: رعاة غنم وفلاحون وعطارون وخضارون ولصوص وقطاع طرق ومن عالم الدعارة ومغنون يضربون الدفوف، فقراء وسود وأميون.

من عمق هذا العالم قام وعاش التصوف الشعبي، ومن خلاله برزت مفاهيم صارت ركائز قوية أسهمت فيها المعرفة العالمة، مفاهيم الإغاثة والجوع والنبات وترويض الحيوان والفتوح والزكاة وعلة البخل، وكلها منطلقات ارتكز عليها هؤلاء المتصوفة لبناء صورهم “الخيالية”.

لذلك كان هناك توجس من الحاكم الذي يريد الاستفراد بالدين والخيال في علاقته بالمجتمع، لا ينافسه أحد، بينما كان المتصوفة يعملون في صمت ومن الباطن إلى الظاهر، وقد وجدوا في ما بينهم أكثر من سبب للابتعاد عن الحكام الذين هم أشبه بالنار، فكانت علاقة هؤلاء الحُكام بالمتصوفة متوترة نحو ما يحملونه من معارف جعلتهم أقرب إلى عامة الناس والتأثير فيهم، فلن يستسيغوا أن ينافسهم أحد في مخاطبة المجتمع والاستحواذ عليه. وهكذا أخذت الصوفية مكانها في المجتمع، وباتت حركة قائمة وفاعلا أساسيا، فلجأ المرابطون والموحدون إلى استقطاب من تمكنوا منه، أما من بقوا بعيدا أو انخرطوا مساندين بعض التمرد، فقد استعملوا معهم الإشخاص، أي النقل الإجباري أو النفي، كما عمدوا إلى الترهيب والحبس والاستنطاق ضدهم، ومن ذلك حالة ابن العريف الذي استُدعي للمجيء من الأندلس واستُبقيَ بمراكش إلى حين وفاته، أما برجان فقد جيءَ به إلى مراكش وقُتل ورميت جثته، وكذلك الأمر بالنسبة لأبي مدين وأبي شعيب السارية وأبي يعزى.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

8
  • سمير
    الأربعاء 3 نونبر 2021 - 03:17

    هذا كلام فارغ، الطبقة الحاكمة في عهد اامرابطين و الموحدين كانوا قمة الزهد و الايمان و الجهاد، من الامام عبد الله بن ياسين ال ابن تاشفين الى ابن تومرت . هذا اللذي تتحدث عنه جرى بعد ذلك و تاصل ،مثل بذخ قصر الباهية و قصر الحمراء، عوض تشييد الحصون. اما الشعب فهو من تربية الطبقة الحاكمة . لا وجود لطبقة اانبلاء في التاريخ الاسلامي الوسيط مثل اوروبا. كانوا قمة التقوى.

  • خرافة الأديان
    الأربعاء 3 نونبر 2021 - 03:36

    المواطنين الغربين في أروبا والقارة الأمريكية الشمالية حررو عقولهم من خرافات الأديان وتمكنوا من الوصول للرفاهية ورخاء والصحة وتعليم والشغل ويعشون حياة أحسن بكثير من حياة المؤمن الفقير لاصحة لاتعليم والجهل عنوان حياته وحياته كلها عذاب في عذاب ويبرر نفسه أن إلاه في سماء سيعطيه كل ما يتمناه بعد أن يصبح تراب وبقايا عظام في القبر.
    صراحتا عقل الوهابيين غريب الأطوار بل مستحيل أن يكون له عقل أصلا.

  • تلميذ اعدادي
    الأربعاء 3 نونبر 2021 - 03:57

    مادة الاجتماعيات، حصة التاريخ، السنة الثانية اعدادي، عنوان الدرس: ازدهار الدولة المرابطية والموحدية، هذا كفيل ان يفند مزاعم صاحبنا عن العالم السفلي والفقر والهشاشة التي كان يعيش فيها المغاربة في عهد حكم السلاطين، اما اذا كان الامر كما يقول فانهم يعلموننا الاكاذيب في المؤسسات التعليمية

  • جمالي من العرائش
    الأربعاء 3 نونبر 2021 - 07:47

    أضن ان الكاتب لم يطلع على كتب أبى يعزى و ابي مدين الغوث إنها كنوز من العالم الإسلامي السني الصَوفي الرباني التي تدعو إلى حب الله و َالزهد فيما سواه لو كان العرب تمعنوا في هاته الكتب لما كان بعضهم متطرفين وومتعطشين إلى الدم وحتى الكاتب عليه مراجعة ما نشر وشكرا هسبربس

  • طرفة
    الأربعاء 3 نونبر 2021 - 08:07

    . وفي نفس الفترة سيظهر بالجزائر الشيخ البوني (توفي سنة 1225م) الذي اشتهر لدى الفقهاء بالسحر، هذه الفقرة من المقال تنافي الحقيقة و أن اسم الجزائر لم يذكر قط في الكتب القديمة و إنما المغرب الأوسط…. الجزائر دولة عمرها ستون سنة و لا يجب نشر مثل هذه الأفكار المنافية للتاريخ القديم كما درسناه و موجود في كتب التاريخ القديمة المعتبرة..

  • صاحب المقال
    الأربعاء 3 نونبر 2021 - 08:10

    اعتقد ان صاحب المقال في قلبه شيء عن التصوف والمتصوفة واغلب الظاهر انه حقد او جهل انصحك ان تبحث اكثر وتعيد محاربة الامية في نفسك لانك تجهل الكثير عن هؤلاء القوم وتضرب تاريخ المغرب والمغاربة الروحي المبني على العقيدة الاشعرية والفقه المالكي وتصوف الجنيد دون ان اذكرك ان الدماء الشريفة منتشرة في ربوع هذا الوطن ولا تنسى ان احد سلاطين الادارسة الشرفاء كان له 11 ولد كفيل هذا النسل ان ينشر الدم الشريف بكل ربوع الوطن. اردت ان اسرد لك سيرة كل رجل كريم ممن ذكرتهم لكن لا يتسع حائط الجريدة لهذا السرد لذا من جهل شي عاداها … ولا اقول فيك الا انك لست مغربي حقيقي ولا تعرف شيء عن المغرب وتاريخ المغرب العظيم ! ومقالك ضعيف لايستحق القراءة

  • من بن تومرت ال بن كيران
    الأربعاء 3 نونبر 2021 - 10:15

    من الزناتي الى عبد الرحمان المجذوب الى بن كيران…الاستاذ مشكورا يبدو انه نبش في دواخل النفسية المغربية للوقوف على عقدها وتعقيداتها، منذ بدايات تشكيل مبادي سلطة المخزن والمجتمع في المغرب الكبير. لما جاء الدكتور العثماني الى مقدمة كراسي الحكم في المغرب تفاءلنا خيرا بان يحاول تطبيق نظرياته في التحليل النفسي للتعامل مع السياسة في المغرب بمنطق يعيدنا الى الذات والكيان المغربي، الذي خربه الاستعماري الفرنسي، ولكنه للاسف فشل في ذلك. المفيد ان المغرب (الكبير) يحتاج الى عمل ضخم واسع عميق قد يكون الاستاذ نبش جزيئة منه، بحسب ما يوحي به المقال. والمطلوب من الاستاذ المزيد والتعمق والتوسع حتى تتسنى للمغاربة فهم انفسهم وخلع عقدهم والانطلاق نحو المستقبل بعد التخلص مما خلق فيهم الاستعمار زيادة على نواقصهم، وذلك بعد اكتمال موسوعة علمية تسع تفاصيل علم النفس الاجتماعي المغربي.

  • moh
    الأربعاء 3 نونبر 2021 - 12:18

    المشكل هو كيف نحاول ان نجعل من هدا الخليط من الثقافات في الغرب الاسلامي قوة كما فعل الاوربيون في القرنين السابع عشر والثامن عشر في عصر النهضة .فالمسألة لا تنجم على نفي الماضي والارتباط بما هو غربي بل يجب البحث عن ايجابيات الثراث الغير المادي في ماضينا وترك السلبيات والخزعبلات .وهدا الامر يتطلب التدقيق والتمحيص في الثراث فليس كل قديم بريئ وليس كل جديد صالح

صوت وصورة
كيف غيّر طلبة صربيا المشهد السياسي؟
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 22:11

كيف غيّر طلبة صربيا المشهد السياسي؟

صوت وصورة
"رايان إير" تعلن توسعا قياسيا بالمغرب
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 21:48

"رايان إير" تعلن توسعا قياسيا بالمغرب

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | قرار مجلس الأمن
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 19:01

أبعاد استراتيجية | قرار مجلس الأمن

صوت وصورة
الدفتيريا تثير مخاوف ساكنة سلا
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 18:49

الدفتيريا تثير مخاوف ساكنة سلا

صوت وصورة
وهبي: سنحارب الإثراء غير المشروع
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 17:32

وهبي: سنحارب الإثراء غير المشروع

صوت وصورة
السكك الحديدية تفتح آفاق التشغيل
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 16:37

السكك الحديدية تفتح آفاق التشغيل