كثيرون كتبوا عن التنمية، وكثيرون نظروا لها، وتأسست بذلك مدارس متنوعة تقارب موضوع التنمية من مختلف الجوانب، إلا أن اقتصاديا بنغاليا اسمه “أمارتيا صن” دشن لمفهوم جديد للتنمية انتصر فيه للإنسان وللحرية، كيف لا وهو العالم الاقتصادي الذي زاوج بين الفلسفة والتنظير العلمي من جهة، ومن جهة ثانية الخبرة الميدانية من خلال اشتغاله لسنوات طوال مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، مما أهله لنيل عدة جوائز عالمية، أهمها جائزة نوبل للاقتصاد سنة 1998 لوضعه أسس نظرية لتحقيق اقتصاد الرفاه.
قلب كتاب أمارتيا صن « Development as freedom » والذي ترجمه شوقي جلال إلى العربية تحت عنوان “التنمية حرية” كل الموازين والمقاييس المتعارف عليها والتي كانت تختصر التنمية في محددات نسبتي الدخل الفردي والجماعي ومؤشرات التنمية الاقتصادية فقط، وقدم بالمقابل رؤية جديدة لمفهوم التنمية والتطوير قائمة على الحرية، ركيزتها الأساس تكسير الأغلال التي تقف وراء الحد من الحريات، وهي أغلال الفقر والحرمان الاجتماعي وغياب الرعاية الصحية والتعليمية وعدم القدرة وقلة الفرص الاقتصادية والاستبداد وإهمال المرافق العامة.
فالطريق إلى التنمية بالنسبة لأمارتيا صن يكون أساسا بتوسيع وتعزيز حقوق وحريات الناس بالشكل الذي يجعلهم قادرين ومساهمين فعليين في التنمية. فالقدرة هي نوع من الحرية، وتمكين الناس من القدرات وجعلهم قادرين بمثابة تحرير لهم.
دعا أمارتيا صن في هذا الكتاب إلى عدم معالجة النمو الاقتصادي معالجة رياضية باعتباره غاية في ذاته، وإنما يلزم أن تكون التنمية معنية أكثر بتعزيز الحياة التي نبنيها ودعم الحرية التي نستمتع بها. فالدخل والثروة ليسا مرغوبان لذاتيهما، بل بالتحديد لأنهما وسيلتان هادفتان جديرتان بالإعجاب من أجل تحقيق المزيد من الحرية لكي نبني نوع الحياة الذي نبرره عقلانيا لما له من قيمة. وقد ضرب في هذا مثلا بتلك السيدة التي سألت زوجها -في القرن الثامن قبل الميلاد- سؤالا عميقا عن الغاية وراء جمع ثروة لا تضمن الخلود. إذ أن الثروة ليست الخير الذي ننشده، ذلك أنها مجرد أداة نافعة للحصول على شيء آخر كما قال أرسطو.
يؤسس أمارتيا صن من خلال أطروحة هذا الكتاب لاتجاه يعتبر أن حرية دخول الأسواق يمكن أن تكون بذاتها مساهمة مهمة في التنمية، إذ تسهم حرية المشاركة في التبادل الاقتصادي بدور أساسي في الحياة الاجتماعية.
فيما هناك اتجاهات أخرى تذهب عكس هذا الرأي، وتربط ما دعا إليه أمارتيا بالنيوليبرالية التي جعلت من المجتمعات مجرد سوق كبير، حيث أنه وفي تعليق للباحث حسن أوريد في ندوة بكلية الحقوق السويسي في دجنبر الماضي على تصريح وزير خارجية المملكة الأخير الذي اعتبر فيه بأن بعضا من اتفاقية التبادل الحر التي وقعها المغرب مع الولايات المتحدة الأمريكية قبل عقد ونصف تقريبا يشوبها نوع من التسرع، بعدما انعكست سلبا على مجموعة من القطاعات الإنتاجية الوطنية، خصوصا قطاع النسيج، ذكر (أوريد) بنصائح العالم الاقتصادي جوزيف ستيجلز (وهو عالم اقتصاد أمريكي فائز بجائزة نوبل سنة 2001 خلال محاضرة له بالدار البيضاء سنة 2004)، والتي سبق أن حذر من خلالها من تداعيات ومضاعفات التسرع فيما يخص التوقيع على اتفاقية التبادل الحر بالنسبة لدولة مثل المغرب. وهذا ما يتناقض تماما مع اتجاه أمارتيا صن الذي يدعو إلى فتح الأسواق والتبادل الحر.
من جهة أخرى، فإن من ضمن نقاط قوة كتاب تنمية حرية لأمارتيا صن أنه ربط التنمية بالحريات السياسية والحقوق المدنية الأساسية، وانتصر لقوة الحوار كأساس للفعل الديمقراطي المثمر، وهذا ما يمكن أن نسقطه على حالة المغرب، إذ أنه في زمن السكتة القلبية التي أعلنها الملك الحسن الثاني أواسط التسعينات دعا إلى الحوار مع أحزاب المعارضة، وفتح صفحة الانتقال الديمقراطي بما رافقها من انفراج على مستوى منظومة الحقوق والحريات، الشيء الذي استتبعه مباشرة انفراج سياسي وانتقال سلس للحكم ونهوض اقتصادي وتنمية بشرية ومجالية وحماية اجتماعية بدأت تتحقق رويدا رويدا.
ومغرب اليوم وهو يقبل على تنزيل مضامين نموذجه التنموي الجديد، وهو متباه بنجاح مختلف الاستحقاقات الانتخابية التي نظمها مؤخرا، يجب أن يستثمر في توسيع هامش الحقوق والحريات وتعزيز منظومتها وضمانها، كما أن على الدولة أن تفتح حوارات موسعة مع مختلف الحساسيات والتيارات التي تنشط على هامش النسق السياسي ومحاولة احتضانها وإدماجها في النظام العام، حتى يستفيد المغرب من كل طاقاته وكفاءاته، وحتى نضمن تعاون الجميع وتكافلهم وتقاطع اتجاهاتهم وأعمالهم لما فيه تحديث المجتمع وإحقاق التنمية الشاملة والمستدامة.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.