الإبداع والحرية و"الخطوط الحمراء"...

الإبداع والحرية و"الخطوط الحمراء"...
الإثنين 13 غشت 2012 - 16:36

الإبداع والحرية متلازمان تلازما وجوديا. فالإبداع الحق هو أكبر تجسيد للحرية في أبهى صورها، ولاسيما حرية التعبير والتفكير. الحرية هي الهواء الذي يتنفسه الإبداع، وهي مجاله الصحي وماؤه الذي يسبح فيه بكل تلقائية. ولا بد من التوضيح في هذا السياق أن الحرية هي أولا شرط ذاتي مرتبط بالمبدع قبل أن تكون شرطا موضوعيا متصلا بالمحيط العام. فالمبدع ينبغي أن يكون متشبعا بقيم الحرية في أبهى تجلياتها وأسماها، وأن يكون على استعداد لتجسيدها في إبداعاته بطريقة مبتكرة تبتعد عن الابتذال والإسفاف. ومتى توفر هذا الشرط، توفرت للعمل الإبداعي الديمومة في الزمان والانتشار في المكان، حتى وإن كان المبدع يعيش في كل بيئة تقمع الحرية وتحاول إخراس الأصوات الحرة.

طبعا، هناك حد فاصل بين الحرية والفوضى. فلكل إبداع على مر الزمان ضوابطه وقواعده التي تحكمه والتي ينبغي الفنان أن يلتزم بها مع نفسه، دون أن يكون بحاجة إلى من يلزمه أو يفرضها عليه. تلك الضوابط هي “قانون سير” الإبداع، وهي شروط تحققه على وجهه الأمثل. حين يفهم البعض الحرية هي أن يفعل ما يحلو له بالطريقة التي يراها، غير عابئ من جهة بمواصفات الإبداع الذي يزعم الانتماء إليه، ومن جهة ثانية بشروط التلقي، فحينذاك تحصل “الكوارث” الإبداعية.

لا نقول بالوصاية ولا بالمراقبة، ولكننا نرى أن المبدع الحق هو نفسه الأقدر على تمثل النظام الخاص بإبداعه وكذا بالسياق السوسيوثقافي الذي يشتغل فيه. أما إذا كان يرفض هذا السياق وذلك النظام، فما عليه سوى أن يعزل نفسه في غرفة أو في صحراء خالية من البشر وليفعل ثمة ما يحلو له بدون أية ضوابط، ولو أدى به الأمر لأن يتعرى كما ولدته أمه، ويصيح بملء فيه: أنا مبدع!

والملاحظ أن الحوادث التي تطفو على السطح في الوطن العربي، تحت مسمى “انتهاك حرية الإبداع” أو “الشطط في استعمال الحرية”، تكون مفتعلة من أحد الطرفين، إما من طرف كاتب أو فنان يحاول أن يلعب على الإثارة والركوب على موجة الاستفزاز؛ وإما من طرف سلطة ما داخل المجتمع، تعتقد مع نفسها أنها حريصة على الذوق العام والقيم والأخلاق وعلى تحديد “الخطوط الحمراء” التي لا ينبغي تجاوزها.

إن الإبداع الجدير بهذه التسمية هو الذي يرقى عن الاستنساخ الفج للواقع، ويبتعد عن افتعال قضايا ظرفية والركوب على موجة تكسير “الطابوهات” بطريقة تقريرية مباشرة فقط من أجل الإثارة وادّعاء الاختلاف. ولنا في الريبيرتوار الإبداعي العالمي خير مثال، فحين نتأمل ـ مثلا ـ المُنجَز المسرحي منذ اليونان إلى الآن، نجده قد طرح مختلف القضايا المرتبطة بالإنسان، وكان جريئاً في تناوله الإبداعي لقضايا حساسة مرتبطة بالسياسة والدين والجنس، ولكننا لم نجد في أية تجربة من التجارب المسرحية الناجحة على مر التاريخ، ما نشاهده اليوم لدى البعض عندنا من محاولات التجني على الحرية عبر لغة غير مسرحية، مجالها الأنسب هو فضاءات التعري الخاصة وليس المسرح بقدسيته وسموه وخطابه العميق. فالجرأة لا تعني الإسفاف؛ ومن يفعل ذلك يكون قد ركب زوبعة ستمرّ وتنقضي بدون شك.

[email protected]

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • مغربي منطقي
    الإثنين 13 غشت 2012 - 20:50

    الحكم على العمل الابداعي المسرحي او السينيمائي لا يجب ان يكون اخلاقيا كالقول ان الممثلة فلانة تتهتك في دور الغاوية او ان الممثل كذب على زوجته في الفيلم و خانها مع ان الكذب حرام في الاسلام كما الخيانة
    و بالتالي فلا يجب ان يكون في الفيلم او العرض المسرحي ما يعارض الاسلام فلا يكون فيه كذب لانه اشاعة للحرام و لا تكون فيه خيانة لانها تشجيع على الفاحشة و لا يظهر السكير و هو يشرب الخمر و لا تظهر الخائنة في حضن معشوقها الى اخر اللائحة
    هذه النظرة المعوقة للافلام و للعروض المسرحية ليست نقدا فنيا و انما هي تصدر عن افهام بسيطة ليس لها حظ من العلم لان الافلام و المسرحيات هي ابداع شخصي لمخرج يقدم روايته كما يراها و لواقع كما هو لا كما يجب ان يكون و هنا اخالف الكاتب الذي يريد من المخرج ان يقدم عرضا مسرحيا او فيلم حسب وجهة نظره هو عوض ان يطلب من التيار الديني ان ينتج مخرجيه و مسرحياته و افلامه
    الحل ليس في قمع المخرجين الذين يتعاملون مع الجسد بحرية يراها مبالغا فيها و انما الحل في ان ينتج هذا التيار المجتمعي الذي يمثله الكاتب افلاما تشبهه و مادام لم يفعل فهذا دليل على انه فقط يعوض عجزه بتشويه خصمه

  • مغربي منطقي
    الإثنين 13 غشت 2012 - 22:28

    انها مشكلة فهم لمغزى الفن بما هو ابداع شخصي فردي او لمجموعة افراد يعرضونه على الجمهور فيقبله او يرفضه لكن لا احد يملك حق الحجر على الابداع
    عندما ارى هذا النقاش المغلوط في المغرب و الذي يثيره الكثيرون لاسباب ايديولوجية غير صحية اتعجب من قدرتنا على تضييع الوقت في نقاشات خاوية لان الاصل في الشئ ان تكون هناك حرية للجميع للمبدعين و للجمهور فكل يبدع كما يريد و كل يجد مايريد و كل ينتقد ما لا يعجبه باحترام اذواق الاخرين
    يمكننا ان ننتقد لكن لا احد يجب ان يدعو للمنع او القمع بدعوى قيم المغاربة فالمغاربة ليست لهم نفس القيم و مستواهم التعليمي ليس واحدا و مستواهم الثقافي ليس واحدا و بالتالي فهم مختلفون في طريقة استيعابهم للقيم و فهمهم لها و مختلفون في تشبععهم بالقيم المختلفة كما ان قيم المغاربة نفسها ليست شيئا ثابتا فقبل قرن كان المغاربة لا يعرفون اصلا ان الديمقراطية ستصبح من قيمهم
    في مصر التي سبقتنا الى الصناعة السينيمائية تم انتاج ما يفوق 3000 فيلم 90 بالمائة منها فيها رقص عاري و احضان و قبل فهل تمكن التيار الديني من ايقاف عريها و رقص راقصاتها في اغلب الافلام و المسرحيات
    طبعا لم يستطع

  • المطيلي
    الثلاثاء 14 غشت 2012 - 03:03

    الطامة ليست في الفن بل الطامة في المستوى الانتاجي و حيثما وجد فالغالبية السحيقة من المتفرجين يجدون فضاء متسعا في تحويل اتجاه اللاقط الهوائي و تكييفه قبلة الاقمار ذات مجال تردد يسحب حوله ثقافات اجنبية عن كل مجتمع متباين في تلقيه للمادة المعروضة و دفقة المعلومة بالاثارة تجعل من الابداع ادراكات تصب خارج الخطوط الحمراء حسب تصور انعكاس الخط الاحمر بذهن التواق للحرية و الابداع بلا خطوط حمراء

  • Sami
    الثلاثاء 14 غشت 2012 - 16:46

    لدي أسئلة المرجو الإجابة من المعلقين:‏‎ ‎هل من الضروري أن نشاهد الأجساد العارية و القبلات الحارة… لنفهم أن هناك جنس؟أم نكتفي بالإيحاءات والمشاهد يفهم ويكمل من ذكائه؟

  • Adil el oujdi
    الثلاثاء 14 غشت 2012 - 20:17

    شكرًا اخي عن المقال، بداية يحز في انفسنا ان نلتجئ للفضائيات الأجنبية لمشاهدة الفن و الإبداع الحقيقي الذي لم نجده في بلدنا الحبيب .2غياب الاهتمام بالطاقات المبدعة وغياب التجديد كذلك اصبحنا نري نفس الوجوه في كل المجالات السياسة الفن …  

  • ابراهيم الورزازي
    الأربعاء 15 غشت 2012 - 18:52

    أنا أتفق مع كاتب المقالة المحترم حين تحدث عن تلازم الحرية والإبداع، لكني أختلف معه ابتداء من "حد فاصل بين الحرية والفوضى"، متفقا في هذا مع المعلق (1-2).
    أن نقول إن هناك " ظوابط وقواعد يجب على الفنان أن يلتزم بها دون أن يكون بحاجة إلى من يلزمه أو يفرضها عليه" فهذا يعني أن "الفنان يجب ألا تفرض عليه القيود ولكن يجب أن يضعها لنفسه"، بمعنى آخر أن يضع على نفسه رقابة ذاتية اختيارية بدل أن يفرضها عليه النظام السائد، وإذا لم يقبل بهذا الشرط (قانون السير-قواعد-ظوابط-شروط)،فعليه أن ينفي نفسه عن سياقه السوسيو- ثقافي(النظام) الذي يشتغل فيه، لأنه سيتسبب في فوضى (كارثة ابداعية – افتعال حدث- إثارة- تجني على الحرية- إسفاف- ركوب على موجة الإستفزاز) من جهة، ومن جهة أخرى لأنه ارتكب جريرة "انتهاك حرية التعبير"و"الشطط في استعمال الحرية". وهذا -في نظري المتواضع- ينطبق عليه المثل المغربي"اللي حرث الجمل دكو".الرقابة الذاتية أخطر من رقابة المخزن، وإعلان هزيمة قبل خوض الحرب.
    الحرية حق غير قابل للتجزيء. للفنان الحق المطلق أن يبدع،كما لأي مواطن الحق في مقاطعته إن اختلف معه، أو إنتاج شئ مناقض له دون أن يهاجمه أحد.

صوت وصورة
التزامات "البام" لساكنة طنجة
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 23:40 4

التزامات "البام" لساكنة طنجة

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 21:00 1

لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي

صوت وصورة
أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:56 7

أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي

صوت وصورة
لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:08 15

لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | جمال براجع
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 18:07 2

الطريق إلى الانتخابات 2026 | جمال براجع

صوت وصورة
بنعبد الله يقود حملة "الكتاب" بسلا
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 17:16 3

بنعبد الله يقود حملة "الكتاب" بسلا