في بساطة شديدة توثّق الصلات الصباحية اليومية مع الناس بمختلف مستوياتهم، ووفق رحلة على امتدادات عمرية بين أجيال وأجيال، شكلت دكاكين إعداد “السفنج” بكل أحياء المدينة العتيقة لشفشاون وغيرها مساحات مفتوحة على المذاقات، تلك المذاقات التي تحمل قدراً وافراً من الجاذبية ومن مزيج غذائي ينصهر مع الشّاي المنعنع.
كانت دكاكين “الشْفنْجية” منذ أمد بعيد عبارة عن تجمعات بشرية، فالكل يأخذ قسطه من تمرينات الصّبر ويقف بأبوابها أمام صحن أبيض واسع، فيما “المْعلمية” ينثرون بخبرات تراكمية في المقلات قطع العجين بانتظام عجيب ثم يصطادون حمرتها في انتباهٍ يقظ “بالمُخطاف”. أما المساعدون، فيرتبون كل هذا حسب الطلب والعدد في أشرطة رقيقة من “العَزْفْ” الأخضر الطّري، مشكلين عناقيد متراصّة من قطع “السْفنجْ”، فضلا عن أنه هناك من يطلب “سْفنجةْ مطْفيةْ”، (عبارة عن بيضة بلدية وسط قطعتين مقرمشتين من “السْفنج” المقلي).

حين أمرّ بين أطلال تلك الدّكاكين، أعثر على ملامح سنوات مضت بشقائها وأملها ونحن التلاميذ ننتظر أدوارنا بين العابرين والواقفين على عتبات الصّباح الباكر للحصول على قطعة واحدة من “السفنج” السّاخن ببضع سنتيمات، أو من خلال “العبّاسية” (الطهي الأول)، وهي هدية من صاحب الدكان، فنلتهمها في طريقنا إلى المدرسة رفقة طلاب المسيد، ونمسح بمخلفات الزّيت في الأيدي على رؤوسنا، حتى يصير الشعّر أكثر ترتيباً ولامعاً.
كانت المدينة تتوفر على دكاكين “السْفنجْ” بعدد من الأحياء والأمكنة، تجمعها مشتركات الحرفة وإن اختلفت عناصر إعدادها من “مْعلمْ” لآخر: فبباب السوق كان “المْعلمية” محمد دكون ومحمد الوركلي وأحمد علوش، وبحي “المدقّة” كان التطواني والطيب الدركلي والفضيل، و”بأدراج الرمّانين” زاول هذه الحرفة الغالي العمراني، و”بدبنة المخزن” محمد الحضري، و”بوطا حمّام” بورياش، و”بحجر الفرّاجي” الدلدالي وخيرون، وبـ: campamento “المْعلمْ” حمادي، وغيرهم…

وللاقتراب أكثر من بعض التفاصيل المقتضبة المرتبطة بحرفة “الشفانجي” وما رافق ذلك من طبائع وعادات، التقينا بالإطار الإداري عبد الحميد الحضري، الابن البكر “للمْعلمْ” الراحل محمد الحضري، الذي لملم أطراف الماضي واستحضر تلك الخطوات التي كان يخطوها والده الذي ازداد سنة 1924 بشفشاون، وهو يخوض بأنفاسه غمار الحياة:
“اختار والدي هذه الحرفة في منتصف الأربعينات، بعد أن اشتغل متعاوناً مع أخيه أحمد الذي زاول هذه الحرفة قبله. وعادة ما كان يستيقظ قبل الفجر قاصداً دكانه بدبنة المخزن، بعدما يكون قد قام ليلا بتجهيز عجينة السْفنجْ وفق مقاييس محددة من خميرة وملح وطحين مغربل، ليتم عجن هذه المقادير بشكل جيد ووضع العجينة في إناء مغطى حتى تختمر ويجفّ منها الماء”.

ويضيف ابن “المْعلمْ ” محمد الحضري، ونحن نتوقّف معاً على مسافات وتحوّلات في المدينة، أن والده، بعد تحمية مكان طهي “السْفنجْ”، بإشعال أعواد الخشب من تحت المقلاة، ينطلق في قلي عجينة “السْفنجْ” منذ الساعات الأولى من الصباح، حيث تعرف عتبة الدكان الصغير ببابين (لتنظيم جانب التهوية)، تواجد عدد من الزبائن من الصناع والعمال والتلاميذ والموظفين.
وتابع قائلا: “كان عمل الوالد مميّزاً، كما يعدّ من بين أمهر الحرفيين في مجاله، مما جعل دكانه يشهد حركية غير معهودة من قبل الكثير من الزبناء الذين يقصدونه من أحياء متباعدة، حيث سيّج عمله بقيم النّبل والتضامن والصدق واحترام الكل وبقلب ينمو بالفرح”.

ونحن نتوقّف معه على تلك المنابع البعيدة وعلى طقوس عجينة كانت تحمل رائحة نفّاذة وتنتشر بكل زوايا الدكان ومحيطه مستفزّة شهيتنا، حكى ابن “الشْفانْجي” الحضري قائلا: “لقد سبق للوالد في البداية أن قام بقلي السْفنجْ بزيت الزيتون، الذي كان يتمّ بيعه عبر قياس كأس مخصّصة لذلك بدكان بورياش (الملقّب بالسّلطان) المجاور للزاوية الناصرية بساحة وطا حمّامْ؛ إذ كانت ثلاثة لترات بثمن أربع بسيطات، ليتغير هذا الأمر في منتصف الخمسينات بعد رواج الزيت الرّومي الذي كان يباع في براميل مخصصة لذلك”.
هي أجواء حرفة كانت إلى وقت قريب بعضاً من الشريان الغذائي للمدينة، وشكلت إلى جانب حرف أخرى جزءاً نابضاً بالكدّ والإصرار وبأفراح صغيرة مازالت تملأ سِجلّ الذّاكرة بين النّاس.
انا اجد شفشاون مدينة مغموقة , سياحها اغلبهم متخدرون , اهلها نيام اقرب من الموت…كانها مدينة اشباح…
شكرا للصحفي المقتدر عبد الجواد الخنيفي على هذه الومضات التي تؤرخ للحياة اليومية لساكنة غرناطة الصغرى والتي على ما يبدو تميزت بغنى وتنوع متنوجها الحضاري الذي يعرف اليوم تراجعا مما يفرض على الغيورين على هذا المنتوج القيام بإعادة الاعتبار له كل من موقعه.
يمكلينا نقولو شهية طيبة هاداك السفنج مع بريق أتاي كيشهي
الشاون كباقي المدن العتيقة غنية بالتراث الانساني وتحتاج لمن يعمل على خدمتها
يوم كانت القناعة كان المعلم المرحوم الحضري يعمل الخير ويتصدق من منتوجه على كل من قصد دكانه من المهمشين …….
السفنج التقليدي تغير في بعض المدن واصبح بديله التشورو الذي وفد من بعض الدول كاسبانيا وايطاليا
أكلة شعبية تاريخية صاحبت الكل من الصغير الى الكبير وصباح مساء مع أباريق الشاي المشحرة
تمضي الأيام وتبقى الذكريات …. لقد تربى الجميع من هذه الوجبة الصباحية التي كانت لا تفارق موائد الفطور
واش مازال فالشاون دكاكين السفنج باغي فعطلة الصيف نزورها وندوق السفنج
السفنج والفطاير والشرو من فصيلة واحدة . شهيتكم طيبة
أكلة شعبية ذكرتنا بالماضي الذي لايعود وبنوستالجيا المدن العتيقة بمغربنا الحبيب
المدن تذكر بعلمائها ونضالاتها وليس بسفاجيها ، كونوا مرة واحدة جديين في الاهتمام بمشاكل شعبكم ، شفشاون تعاني من التهميش والاهمال وليست في حاجة لمن يعيدها الى الاربعينيات من القرن الماضي حيث سنوات القحط والمرض والسيبة ،شفشاون الان تستغيث من نقص في الماء والبنى التحتية والمستشفيات والمدارس والمعامل وليست في حاجة الى شفنجية
هذه الحرفة تعكس بوضوح الفقر وقلة الحاجة ، افتخروا بمناضيلها الذين تم الزج بهم في السجون من أجل الا يكون أبناءها سفاجين وماسحي أحذية ، لا أحد يملك ذرة من عزة النفس يفتخر بان أباه كان سفنجيا..لك الله ياوطني
نحكي ليكم حاجة كنت فاش كنكون غادي للمدرسة في الصباح ضروري من الشفناجة وفي هدا اليوم الله يرحم با المصطفى الشفناج با المكي الله يخليه. ازمور
الكل كان يقبل على هذه الوجبة نظرا لكثرة دكاكين السفنج في الماضي. أما اليوم فقد تقلص العدد بكثير وهناك من استبدل السفنج بدكاكين اعداد التشورو والفطائر والحلويات المختلفة. شكرا هسبريس