احتفل العالم قبل أيام بيوم المدن. وإذا كان الاحتفال مناسبة لبعض وسائل الإعلام كي تسأل متابعيها عن المدن التي يحبونها، وجدتني أتساءل: لماذا علاقتنا بالأماكن والمدن خاصة غريبة إلى هذا الحد؟
علاقتنا مع المدن غريبة. بين مدن نسكنها ومدن تسكننا تكمن الكثير من القصص التي تستحق أن تكتب وتروى. لذلك يربط معظمنا المدن بالكتاب، ربما لأنهم من يملك سحر ترجمة ما نحسه بعمق. المدن كانت مصدر إلهام للعديد من الكتاب لا كأماكن جامدة، بل كحياة تضج بالتناقضات، وفي الكثير من الكتابات تصبح هي البطل الرئيسي وحولها تتحرك الشخوص الأخرى.
من يمكنه اليوم أن يذكر طنجة دون أن يذكر كل الفنانين الذين ألهمتم وسكنوها، سواء على نحو عابر أو دائم، طنجة هيرمان ملفيل ومارك توين وغيرترود شتاين وصموئيل بيكيت وجان جينيه وتينيسي وليامز وجون هوبكنز والرسام ماتيس والمخرج الإيطالي بيرتولوتشي وغيرهم.
طنجة التي في خاطري تشبه محمد شكري وبول بولز و… “الشحرور الأبيض” الذي هاجر صغيرا من بني شيكر هربا من الجوع سكن طنجة فسكنته، أغوته فألهمته، كتب لها وعنها واستطاع أن يعكس وجه طنجة الذي كان مخفيا: هوامش طنجة البعيدة وواقع المسحوقين، والمرارة التي تختفي وراء الوجه البراق الذي يروج في الإعلام. أوصل شكري طنجة إلى العالمية عبر خبزه الحافي بعيدا عن الصورة النمطية لطنجة الدولية. بول بولز الأمريكي الطنجاوي الفنان الذي وجد ضالته في طنجة وسوقها الداخلي سحرته فسكنها في منزل بالمدينة القديمة غير بعيد عن قبر ابن بطوطة، إلى حين وفاته تقرأ له وتجد طنجة حاضرة.
إسطنبول أورهان باموق التي تتأرجح بين الحنين للغرب والاعتزاز بالشرق وإرثها العثماني، الحبلى بالتناقضات. قرأتها قبل أن أزور المدينة وكنت أتساءل كيف يمكن لهذا التزاوج أن يكون سلسا لاهجينا.. ففهمت ذلك حين زرتها وفهمت لم يحبها الناس ويرغبون في العودة مرات ومرات.. إسطنبول ليست أبدا مجد الخلافة الضائع كما يحاول أن يسوقها البعض ولا هي مدينة أوروبية باردة، بل هي مزيج من الإثنين دون أن يغلب أحدهما على الآخر، والذكريات التي قادت باموق ليفوز بنوبل للآداب.
الشيء نفسه يمكن أن نقوله عن القاهرة وإن لم يكتب لي أن أزورها بعد، التي كانت دائما بطلة نجيب محفوظ في “زقاق المدق” و”خان الخليلي” و”القاهرة الجديدة “و”قصر الشوق” إلخ… قاهرة محفوظ تسلط الضوء أيضا على الهوامش والأزقة بأبطالها وحرافيشها، تستقي رواياته قصصها من المدينة وما تتركه من تأثير اجتماعي وفكري على من يسكنها.
وحين تقرأ لأحمد السعداوي فرانكشتاين في بغداد تفهم أن البطل ليس “الشسمه”، بل هو بغداد نفسها بشوارعها وأحيائها. وجه بغداد بعد الحرب الحنين لماضيها وصراعاتها التي تنعكس على من يسكنها.
المدن الجميلة يقينا كانت آلهة أو ملكات في عصور خلت فأبت إلا أن تتحايل على الوقت، تزداد غواية كلما تعتقت وكلما تزاوجت مع روح العصر. المدن نساء ينتمين لعالم آخر عالم لا يشبهنا. نستطيع أن نقع في حب مدينة واحدة أكثر من مرة ونستطيع أن نجمع حب أكثر من مدينة دون أن تغضب إحداها أو تغار، نحبها دون أن نملكها وإن تملكنا حبها، أو ليس هذا هو الحب الذي نريده جميعا؟ حبٌ دون قَيد أو شرط.
لا أدري لم تزامن حديثي عن الانتماء للمدن ومشاريع التقاعد مع أصدقاء جمعتنا الهجرة والترحال وحب السفر (أشخاص من جنسيات مختلفة وبخلفيات مختلفة، وبقصص أيضا مختلفة) وقراءتي لرواية الأشعري “القوس والفراشة” التي خاطت عدة مدن مغربية بين الرباط، الدار البيضاء، مراكش ووليلي ومدريد الإسبانية”. كنت أقرأ وأقول بصوت مرتفع: ياالله كيف يحدث هذا؟ تلك التفاصيل الصغيرة التي تحدثنا عنها أجدها بين حروف الرواية. فهمت في الأخير أن ما قد نحسه ونعيشه ليس أبدا تجربة فردية معزولة، بل هي مخزونة في ذاكرتنا الجماعية تتكرر يوميا مع اختلافات بسيطة.
أخبرنا صديقي أنه يفضل الانتماء إلى المدن لا البلدان، وأن المدن على صغرها تتسع للإنسان أكثر من البلدان وجنسياتها، وعدّد المدن التي تأسره، مدن تغريه بالعودة إليها مرات ومرات، حتى إنه يحج إلى بعضها أكثر من مرة كل سنة. يجب أن نعترف بأن هناك مدنا بأروح تخطف القلب حين نطؤها يصبح هناك ما قبلها وما بعدها، وهناك مدنا جامدة لا روح فيها وإن حدث وكانت مسقط رأسنا أو كانت متطورة ومظاهر البذخ طاغية عليها.
حين قرأت ما كتبه على صفحته: “تغويني مدينة أكثر من امرأة”، تأملت الجملة كثيرا، وظلت عالقة في ذهني، وبعدها مباشرة تعثرت بمقطع من رواية الأشعري: “وأنا كنت أحلم دائما أن أسقط في شباك مدينة لا يسلمني حضنها لأي مكان آخر، مدينة تضمك وترضعك، تعنقك وتلحس جراحك، مدينة تعيش فيها كأنك تبنيها حجرا حجرا، وتفكر فيها عندما تتهيأ لنوم كأنها امرأة تنتظرك”، صدفة جميلة جعلتني أقر بأن هناك تماه حقيقيا بين المدينة والمرأة، إحداهما تعكس الأخرى، المرأة في الأخير هي من تحمل لغز الحياة في أحشائها، هي من تمنح الحياة، وكذلك يجب أن تفعل مدننا!
مجمل الحديث مع الأصدقاء أجمع على أن الجميل والغريب هو قدرتنا على الانتماء لمدن لم تشهد ميلادنا أول مرة، لكن بعضها شهد ولادتنا من جديد من رحم الحياة، وهي الولادة الأهم لأننا نعيش مخاضها وألمها نحن لا الحياة الأم، ولا حق لأحد أن يشيطننا إن لم نستطع أن نحب أو نحس بالانتماء لمدننا الأم واخترنا (لا أستطيع الجزم أهو خيار أم قدر سيق إلينا) الانتماء لمدن أخرى تشبهنا ونشبهها، مدن على مقاس إنسانيتنا بكل تناقضاتها، مدن نستطيع أن نكون فيها نحن كما نريد دون الحاجة أن نركب أقنعة أو نضطر أن نكون أشخاصا آخرين لا نشبهنا لنرضيها. لم أفكر من قبل في سؤال من أين أنت؟ قد يكون صعبا على أحدهم، أن يكون أصلك من بلد وتحمل جواز سفر بلد آخر وتسكنن بلدا ثالثا أو رابعا… يصعب الأمر عليك لأنه بحكم تواجدك في كل تلك الأمكنة أنت مطالب دائما بالانتماء إليها جميعا ويجب أن تنتبه وتحترس حين تتحدث عن الأمر وإلا خُونت.. هنا فقط تحس كيف أن الانتماء للمدن أيسر وأبلغ من كل تعقيدات البلدان والجنسيات.
من كثرة حبي للحسيمة، مدينة الخزامى، أو “بيا” الاسم الأحب إلي، يخالها الجميع مدينتي الأم وإن عشت فيها سنوات أقل من مدينتي الأم. وبالمناسبة هما قريبتان من بعض، مسافة ساعة طريق. بيا المكان الوحيد الذي أشتاقني فيه، والذي يهبني السلام الذي أبحث عنه، تحبني كما أنا، فيها ولدت من جديد واكتشفت من أنا، أنتمي إليها بكل ما في من حياة، أحبها أكثر من مسقط رأسي ولا أخجل من هذا وليس على أحد أن يفعل، يجب أن نقطع الحبل السري الذي يربطنا بما لا يشبهنا ولم نختره إن كان يخنقنا ونتعلم كيف نتصالح معه.
أحمل “بيا” في قلبي أينما رحلت أو ارتحلت، أشتاق إليها جدا وأدرك جيدا أني لن أستطيع أن أسكنها من جديد سوى لأسابيع أو أيام في عطلة.
اللعنة أن تسكننا مدننا ولا نقوى أن نسكنها، أن نحلم بها ولا تستطيع هي أن تحتوي أحلامنا. ومهما رأت عيني من بذخ قلبي لا يغويه سواها ببدائيتها الأولى كما خلقها الله بجمال بري متمرد خالص يحاوطها البحر وتحرسها الجبال. أنا ممتنة للحياة على كل فرصة سفر وترحال وضعته وتضع في سبيلي، زرت بعض المدن ولازال الكثير منها ينتظر في قائمتي.. وعلاقتي بالمدن ليست دائما سهلة حب أو كره، هناك مدن أحبها بالقدر الذي لا أحبها.
كم هو جميل سردك لهذه المدن التي عاش فيها اناس لم نعرفهم بل عرفنا وقرأنا كتبهم مثل بول بولس وشكري ومحمد مرابط وكل هولاء الذين عشقوا هاته المدن وسكنوها وسكنتهم كما تفضلت. كما لا انسى امستردام وكتابه مثل حسن بلغازي ومحمد شاشة وبوعزة وما اكثرهم. ربما لا يعرفهم الكثير لكن عاشوا وتعايشوا وكتبوا ومنهم من رحل ومنهم من ينتظر. لست باديب ولا كاتب بل مهاجر بسيط تعايشت مع الكثير من الشعوب وقرات الكثير. كما يقول الطيب صالح في كتابه موسم المهجرة الى الشمال تعلمت الكثير وغاب عني الكثير لكن تلك هي قصة اخرى اشكرك واتنى لك التوفيق وشكرا
بيا لا تكشف سرها للعابرين…رغم صغر حجمها تحتاج إلى دليل …ليس البحر ولا النظافة ما يميز هذه المدينة الهادئة ،الذي يميزها هو منظارها الذي يرى عبرها قاطنوها للأشياء…فوق المدينة توجد مدينة سفلى لا يعرف كنهه إلا أهلها أو من أصبحوا من أهلها ممن استقروا بها و(توريغلو) لفرط ما شربوه من مائها فأصبحوا نارا يختفي تحت الرماد
Towns change; they grow or diminish, but hometowns remain as we left them
Les villes changent ; ils grandissent ou diminuent, mais les villes natales restent telles que nous les avons laissées
(Jayne Anne Phillips)
شكرا ياأختي على هذا المقال
لست الوحيدة من يعشق مدينة الحسيمة،فهي تترك في قلب كل من زارها أثَرْ ، أما نحن الذين ولدنا فيها فالأثر عميق. تُنادينا كل فصل الصيف ونسكنها شهر ونغادرها وتسكننا شهور. أحاول أن أزورها كل عام في فصل الصيف ،ففي الحسيمة تذوب كل شهور الغربة وثلوج شتاء إسكندنافيا الطويل.
والدتي رحمها الله كانت أيضا تسميها “بِيّا” مِثلكِ .
Oslo
Norvege
كنت قد سمعت عبارة لشاعرنا الجواهري مبدع القمر الأحمر وهو يجيب سؤالا حول أصله حيث قال : إذا كانت فاس مسقط الرأس فإن مراكش مسقط القلب…فكنت حين أنزل بأي مدينة أستفتي قلبي في حبها، كثير منها يقع من قلبي وقليل جدا فيه…
مسألة أخرى هي ان للمدن أرواحا، قد تألفها من أول وهلة وقد لا تألفها ولو كان يتغنى بها المادحون من أهلها وزوارها…
أضيف لأقول أنه في بعض الأحيان نزور مدنا فنتحسس فيها مكامن إعجاب أديب أو شغف فنان أسرته بعض أماكنها…قد نجد ما نبحث عنه، وقد لا نجد سوى الأحباط عزاءا لنا…زرت براغ فكان طيف كافكا يرافقني، وزرت القاهرة بحارات الحلمية والسيدة زينب والحسين ووسط البلد والمهندسين وعرجت على كبري عباس الشهير في الأغنية وقنطرة النيل ودار الأوببرا المحاذية والحقيقة أنها كانت أماكن عادية جدا لا سحر لها سوى سحر الكلمات التي خطها محفوظ نجيب أو لقطات سينما أو أغاني الست وعبد الوهاب، مضاعفة بالنرجسية المصرية الطاغية…
مسألة أخيرة وهي نصيحة : لا تسافر إلى مدينة تحبها إلا مع شخص تحبه…والسلام
31 أكتوبر، اليوم العالمي للمدن ليس عيدا ولا يوما للاحتفال بالمدن لكن مبادرة الجمعية العامة للامم المتحدة ل “تعزيز رغبة المجتمع الدولي في نشر الحضرية على مستوى العالم، والدفع قدما نحو التعاون بين البلدان لاستغلال الفرص المتاحة والتصدي للتحديات الحضرية، والمساهمة في التنمية الحضرية في كل أنحاء العالم”. خاصة فيما يتعلق بالتحديات المناخية والهجرة والامن.
هذا عند الجمعية العامة أما عندنا في واقعنا نحن نسمي الاشياء بغير اسمائها فنطلق اسم المدينة على حواضن المساكن والبنايات الخدماتية وعلى البلدات بل حتى على بعض القرى في الأرياف.
الحسيمة كانت بلدة متمدنة في العهد الاسباني (= بيا أي بلدة بالاسبانية) والاسبان درسوا خصائصها الجيوفيزيائية جيدا ووضعوا خريطة دقيقة اين يجوز البناء واين لا يجوز بالتفصيل، اما الريع العقاري الحالي فقد جعل منها تجمعا سكنيا ممسوخا وخطيرا، ثم الطمع السياحي زاد لها خرابا.
المدينة هي التدبير والتسيير ثم التجزئة والتخطيط ثم منطقة حضرية لا البناء العشوائي وتحويل الاودية الى شوارع وتشييد محطة اسفل المنحدر على حافة واد سيعود الى اصله في اول فرصة متاحة له.
ما المدينة؟