الدولة الاجتماعية والعيش المشترك

الدولة الاجتماعية والعيش المشترك
الأحد 12 فبراير 2023 - 13:10

تقديم

يحتاج العالم اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى بناء الدولة الاجتماعية والعيش المشترك لمواجهة الهشاشة والفقر في المجتمعات المعاصرة، لأن الأزمات المتتالية التي يشهدها العالم، من أزمة كوفيد إلى الأزمة الأوكرانية خلفت مضاعفات أزمة الطاقة والأمن الغذائي. أدى إلى ارتفاع قياسي للأسعار في الأسواق العالمية والأسواق المحلية. وانعكس ذلك سلبا على القدرات الشرائية للمواطن في معظم الدول. وتسبب في زيادة نسبة الفقر في العالم. كما زاد الاحتباس الحراري من انعكاساته المناخية والسلبية على أزمة الماء والقطاع الفلاحي في إفريقيا. الشيء الذي جعل دول القارة يعانون لتأمين أمنهم الغذائي والمائي. وأدى أيضا إلى فقدان الثقة في الحكومات وقدراتها التدبيرية، لتدبير الأزمات ومعالجتها، والحفاظ على التوازن الاجتماعي بمقاربة ديمقراطية وتواصلية، لدعم الفئات الفقيرة وإنصاف الطبقة المتوسطة وتأمين العيش الكريم للمواطنين وحماية قدراتهم الشرائية من الغلاء.

1- مسؤولية الليبرالية الجديدة عن الأزمة الاجتماعية

أدت هيمنة النيوليبرالية على مفاصل الدول والمجتمعات، منذ سقوط جدار برلين، إلى اتساع الهوة والتناقضات الاجتماعية داخل المجتمع المعاصر. وخلقت أزمات اقتصادية وتوترات اجتماعية وقرارات تعسفية جعلت المواطنين يخرجون للاحتجاج في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية والدول النامية على السواء، للتعبير عن غضبهم ورفضهم لتلك القرارات. وهذا يبين أن الرأسمالية لم تعد مصدرا للرخاء وإنتاج المجتمع الجيد، بل أصبح المواطن الكوني يرى فيها نمطا ينتج البؤس والفقر ويدمر البيئة ويجعل العالم على مشارف حرب نووية مدمرة للحياة على وجه الأرض.

إن الطمع والجشع والرغبة في الربح السريع من طرف الليبرالية الجديدة ينذر بنتائج وخيمة على الإنسان وعلى الدول والمجتمعات وبيئته على المدى القصير والمتوسط والبعيد. ويحتم مراجعة عميقة في الفكر والممارسة لإنقاذ العالم من قبضتها أو على الأقل الحد من أضرارها، لإرجاع التوازن الاجتماعي للمجتمع المعاصر والحد من الفوارق الطبقية وأشكال الإقصاء والتهميش والاستغلال.

بالإضافة إلى ذلك، عملت الليبرالية الجديدة على إبعاد السياسيين الباحثين عن التوازنات الاجتماعية والمدافعين عن مصلحة المجتمع، وتم تعويضهم برجال الأعمال فأداروا الدولة لصالح فئة قليلة تمثل مصالحهم. والأمثلة عديدة ومتنوعة في أوروبا وأمريكا وفي الدول النامية. وهذا يبين كيف استغلوا مؤسسات الدولة لإنتاج قرارات وتنفيذها وفق مصالحهم. وبذلك ضربوا دور الدولة الاجتماعية التي تساهم في ترسيخ دولة الحق والقانون وبناء العيش المشترك، فازدادت أرقام الفقر والتهميش والإقصاء الاجتماعي.

2- الدولة الاجتماعية والعيش المشترك

لقد أصبح العالم في حاجة إلى ثقافة وقيم جديدة للخروج من الأزمات. تعيد الاعتبار للإنسان في معادلة الدولة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية برؤية ديمقراطية وتشاركية لمعالجة اختلالات المجتمع التي سببتها الليبرالية الجديدة ببرامجها القاسية. وذلك بتنزيل برامج اجتماعية بديلة تنهض بالتعليم والشغل والصحة والسكن. وتساهم في بناء المواطن والمواطنة بمجهود جماعي للدولة والمجتمع، لتحقيق عالم أفضل وممكن، بدون إقصاء أو تهميش وتجديد الأمل في مجتمع جيد. يضمن الحرية والكرامة والعيش الكريم للجميع. ويؤمن بثقافة الاختلاف والاعتراف والإنصاف كبوصلة لبناء مجتمع قوي ومتضامن قادر على مواجهة التحديات.

إن بناء المجتمع الجيد والدولة الجيدة، وفق مفاهيم كل من يورغن هابرماس وأكسل هونت يتطلب التواصل وترسيخ ثقافة الاعتراف للأفراد وحقوقهم، بحيث تتضافر الجهود من طرف الدولة باعتبارها حامية وضامنة للحق والقانون والدستور، لإنتاج قرارات جيدة. تعيد الأمل في عالم ممكن على الرغم من التحديات المركبة التي تعترض المجتمع الإنساني. وكذلك، إعطاء مصداقية أكبر للمؤسسات الدستورية وجعلها متفاعلة بشكل إيجابي مع المجتمع، منه وإليه، لإعادة بناء الثقة المتبادلة. وهذا رهين بمدى ترسيخ ثقافة الاعتراف والإنصاف في عالم يكرس الإقصاء والتهميش.

وهذا لن يتحقق إلا بجعل العقل التقنوقراطي والمؤسساتي ينفتح على الفعل الديمقراطي، باحثا عن الحلول للمشاكل ويراعي مصلحة الدولة والمجتمع، وليس مصلحة رجال الأعمال فقط. إن اتخاذ قرارات قاسية في مجال الشأن العام يخلق التوتر ويؤدي إلى تراجع الثقة. ويولد الإحساس بالظلم والإقصاء والتهميش. ويجعل المواطن يحس بأن الدولة تتخلى عنه وتدار لحساب فئة قليلة وليس لعموم المجتمع.

إن المجتمع الجيد هو الغاية التي يطمح الإنسان إلى تحقيقه عبر سيرورة اجتماعية وسياسية لتجسيد الاعتراف والإنصاف على أرض الواقع، لصالح المواطنة والمواطنين. كما يوجد في جوهر الدولة الاجتماعية التي تهدف إلى تقليص الفوارق الاجتماعية ببرامج اجتماعية، لتوفير شروط العيش الكريم وإدماج الفئات الهشة والمهمشين في المجتمع، بإنصافهم وتمكينهم من حقوقهم في التعليم والشغل والصحة والسكن والخدمات الاجتماعية. وبذلك تصبح الدولة الاجتماعية في خدمة المجتمع لتسهيل شروط العيش وإنصاف الإنسان وحمايته من الفقر.

3- أهمية التواصل والحوار لبناء الدولة الاجتماعية

إن التواصل الفعال والبناء يكون ناجحا عندما ينفتح الفاعل السياسي في المجتمع المعاصر على المواطن في الفضاء العمومي الواقعي والافتراضي، حيث يتم الإنصات إلى انشغالاته وتساؤلاته ومطالبه لضمان التعبئة الجماعية والمتضامنة لإيجاد الحلول لمختلف التحديات والمشاكل الاجتماعية، للحد من مضاعفات الأزمة على الحياة المعيشية للمواطن، وانعكاساتها المدمرة في مختلف المجالات. كما يتطلب الإنصات إلى مطالب المواطن ومرافعاته في مختلف الظروف والمجالات لمعالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية بشكل متضامن، وعدم اللجوء إلى القرارات المتسرعة والأحادية، على الرغم من الاختلاف في المقاربات والتصورات. وذلك من أجل بناء مجتمع قوي يرتكز على الديمقراطية والتواصل الفعال بمشاركة المواطنين في بلورة الحلول والبدائل والقرارات محليا وجهويا ووطنيا، تجسيدا للمواطنة المسؤولة وتفعيلا للديمقراطية التشاركية لتحقيق التنمية وترسيخ ثقافة العيش المشترك .

كما يتطلب واقع الأزمة أن يلتزم الفاعل السياسي بوعوده الانتخابية التي قدمها للمواطن، باعتماد الحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة ومحاربة الفساد، وعدم استغلال الظرفية العالمية لتمرير قرارات مجحفة وغير إنسانية، في عالم يعرف تراجعا ديمقراطيا يعصف بمكتسبات وإنجازات حققها المجتمع الإنساني عبر سيرورة طويلة من العمل والبناء المستمر. وفي الوقت نفسه، أن يتقن الفاعل السياسي المقاربة التواصلية مع مختلف الفئات الاجتماعية في الفضاء العمومي للوصول إلى الحلول والبدائل المقنعة. ترضي الجميع وتعطي الأمل في العيش الكريم لكل الفئات الاجتماعية بدون استثناء في عالم قوي بالوحدة والتضامن والاعتراف والإنصاف.

خاتمة

إن نجاح الدولة الاجتماعية في المجتمع المعاصر يتطلب اجتهادا من العقل الاجتماعي ومراجعة سياسته الاجتماعية لتنزيل الحماية الاجتماعية والتراجع عن موجة الغلاء التي يعرفها العالم. وذلك خدمة لمختلف الفئات الاجتماعية التي أصبحت تعاني كثيرا من أجل تأمين سلتها الغذائية. هذا في الوقت الذي خرج فيه المجتمع الدولي منهكا من أزمة كورونا ليجد نفسه أمام مضاعفات أزمة الحرب الروسية الأكرانية وأزمة الجفاف وندرة الماء وتأثير ذلك على الأمن الغذائي والمائي. الشيء الذي أدى إلى أزمة اجتماعية غير مسبوقة؛ تتطلب كثيرا من الحكمة وحسن التدبير، بمقاربة ديمقراطية وتواصلية وتضامنية وليس بمقاربة تقنوقراطية تفتقد إلى الاعتراف والإنصاف. وتختزل الأزمة إلى أرقام وإحصاءات ومعادلات. إن طبقة الأغنياء ورجال الأعمال مطالبون اليوم أكثر من أي وقت مضى، بتحمل تكلفة الأزمة الاجتماعية المركبة، وليس فقط الطبقة المتوسطة والفئات الاجتماعية الفقيرة، خدمة وإنصافا للمجتمع وللدولة الاجتماعية ومؤسساتها. وذلك بالتراجع عن موجة الغلاء في المحروقات وباقي المواد الغذائية والاستهلاكية ومواصلة الدعم الاجتماعي، من أجل الحد من التوتر والاحتقان المجتمعي وبناء العيش المشترك بالمواطنة والاعتراف والإنصاف.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • Lamya
    الإثنين 13 فبراير 2023 - 10:03

    الانسان لا يمكنه العيش بكرامة في الرأسمالية المتوحشة, خصوصا في الازمات, لانها تنتج “جيش احتياطي من العاطلين” كما قال كارل ماركس, رغم انني لست ماركسية, و لكن هناك اشياء قالها كارل ماركس عن الليبرالية, اتضح انها صحيحة, و لذلك تم بناء الدولة الاجتماعية في اوروبا…
    فالمغرب غير مطالب باختراع دولة اجتماعية جديدة, لان هناك تجارب واقعية في هذا المجال, الا ان التركيبة الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية تختلف, و لذلك امام المغرب مشوار طويل جدا ليصل الى ذلك المستوى, لان هناك مشاكل بنيوية و فكرية تعرقل قيام دولة اجتماعية, رغم اننا بلد مسلم و الزكاة فريضة, لكي لا تبقى الاموال دولة بين الاغنياء, و هذا مفهوم الدولة الاجتماعية في الاسلام.
    فتتم مناقشة كل القضايا الدينية هامشية و الدفاع عنها بقوة, كتجريم الافطار العلني في رمضان, اما الاهم في القضية لا تتم مناقشته و هي التضامن و الصدقة و الزكاة, التي هي من اركان الاسلام الخمس و بذلك تتبوؤ مكانة معتبرة في الاسلام, حتى و لو بشكل عصري كالمساهمة في صناديق التضامن..
    كما قال الله تعالى﴿ لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَۚ﴾

صوت وصورة
الأغلبية ترحب والمعارضة تنتقد
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 22:16 1

الأغلبية ترحب والمعارضة تنتقد

صوت وصورة
مجلس النواب يُنصب الحكومة
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 20:25 4

مجلس النواب يُنصب الحكومة

صوت وصورة
المنصوري ترد على الأزمي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 19:10 19

المنصوري ترد على الأزمي

صوت وصورة
التصويت على البرنامج الحكومي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 18:32 7

التصويت على البرنامج الحكومي

صوت وصورة
الرميلي تعلن شرطة النظافة
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 18:10 4

الرميلي تعلن شرطة النظافة

صوت وصورة
البرنامج الحكومي بعيون الأغلبية والمعارضة
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 17:45 5

البرنامج الحكومي بعيون الأغلبية والمعارضة