في المغرب، يبدو أن الوقت نفسه صار مجالًا للتجارب الإدارية، وكأن الساعة لم تُخلق لتنظم حياة الناس، بل لتخلق لهم نوعًا من الرعب اليومي الصامت. كل سنة، مع اقتراب رمضان، تعلن الدولة عن العودة إلى “الساعة القانونية”، وكأن المواطن يعيش طوال أشهر السنة في زمن غير شرعي، غير معترف به رسميًا، لكنه معترف به ضمنيًا في جدول حياته اليومية. هناك اعتراف رسمي، لكنه اعتراف بلا حل، بلا اعتذار، بلا خطة لتصحيح أثر ذلك على الناس الذين يعيشون على هذا الإيقاع المتقلب.
الساعة غير القانونية ليست مجرد عقارب تتحرك في اتجاه خاطئ، بل هي رمز لفوضى منظّمة تتغلغل في كل تفاصيل الحياة اليومية. فالتلميذ يدخل القسم بنصف وعي، وهو يحاول ضبط عقله على توقيت مختلف عن جسمه، والمعلم يشرح الدرس وهو يدرك أن عقارب الطلاب لا تسير على نفس الإيقاع، والموظف يوقع الحضور وجزء من تفكيره منشغل في السؤال الأبدي: هل هذه الساعة صحيحة أم مجرد وهم رسمي؟ حتى الأسواق والمتاجر تصاب بالخلل، الموظفون يفتحون أبوابهم قبل أو بعد الوقت المفترض، والزبناء يندفعون في خضم ارتباك يومي يتكرر بلا نهاية.
الأمر الأكثر إثارة للقلق ليس فقط الإرباك اليومي، بل التأثيرات النفسية العميقة لهذه العبثية الزمنية. الإنسان يحتاج إلى إيقاع ثابت ليشعر بالأمان، وغياب هذا الإيقاع يولد اضطرابات نفسية حقيقية. الأرق يصبح رفيقًا، التوتر النفسي لا يرحم، تقلب المزاج يصبح طقسًا يوميًا، وضعف التركيز في العمل أو الدراسة هو النتيجة الطبيعية لمن يعيش في بيئة زمنية غير مستقرة. هذه ليست مجرد شكاوى عابرة، بل أبحاث علمية تؤكد أن أي تعديل متكرر وغير مبرر للتوقيت يؤدي إلى اختلال الساعة البيولوجية للإنسان، ويزيد خطر الأمراض النفسية والجسدية على حد سواء.
الأدهى من ذلك، أن الاعتراف الرسمي بالساعة غير القانونية لا يهدف إلى تصحيح الخطأ، بل إلى تقنين العبث، بطريقة تجعل المواطن شريكًا غير إرادي في التجربة. “نعم، ساعتك غير قانونية، لكننا سنستمر في اعتمادها لأنه عملي”. هكذا تقول الدولة ضمنيًا، وكأن القانون صار مجرد توصية يمكن تجاهلها حسب الحاجة. المواطن يتكيف، نعم، لكنه يفقد شيئًا أساسيًا: الثقة في المؤسسات، وفي احترام حقوقه الأساسية في نمط حياة متوازن.
التناقض يكبر حين نلاحظ أن هذا العبث الزمني يمتد ليشمل الصحة النفسية والاجتماعية على نطاق أوسع. الأرق واضطرابات النوم، والضغط النفسي المستمر، وتقلب المزاج، كلها ناتجة عن التغيرات الزمنية غير المبررة، لكن لا أحد يتحدث عنها. الأطفال يتعلمون وفق جدول زمني لا يناسب إيقاعهم الطبيعي، الشباب يعيشون شعورًا دائمًا بالارتباك، الكبار يعملون وفق مواعيد متناقضة تجعل من الإنتاجية مجرد وهم. كل هذا بينما البلاغ الرسمي يُعلّق على هذا الوضع بلغة هادئة، بعيدة عن أي تعاطف، وكأن المواطن مجرد متفرج على حياته التي تُدار بعقارب لا تعرف الرحمة.
الساعة غير القانونية تمثل أكثر من مجرد خطأ إداري، إنها رمز لغياب استراتيجية واضحة، وعدم احترام القوانين، وعدم تقدير تأثير القرارات على حياة الناس. إنها تعكس ثقافة مؤسساتية تتعامل مع الزمن باعتباره عنصرًا يمكن تحريكه وتعديله وفق المزاج أو الضرورة الظاهرية، دون أن تراعي الإيقاع البيولوجي للإنسان أو تأثيره على الصحة النفسية والاجتماعية. كل تأخير أو تقديم ساعة ليس مجرد تحريك عقارب، بل اختبار لصبر المواطن وتجربة متكررة للقلق والإرهاق.
وفي قلب هذا العبث، يكمن سؤال أكبر: كيف يمكن لدولة أن تعترف بأن المواطن يعيش بتوقيت غير قانوني، ثم تعتمد هذا التوقيت دون أي خطة واضحة لتخفيف أثره؟ كيف يمكن أن يكون القانون عمليًا أحيانًا وغير قانوني أحيانًا أخرى؟ نحن نعيش في بلد حيث الاعتراف بالخطأ لا يعني تصحيحه، بل يصبح جزءًا من الطقس السنوي الذي يقسو على المواطن البسيط، ويزيد من شعوره بالعجز أمام قرارات لا شأن له بها.
في النهاية، السخرية ليست مجرد وسيلة للتعبير عن الإحباط، بل تعكس حقيقة الحياة اليومية في المغرب: المواطن يعيش بين ساعتين، واحدة رسمية والأخرى حقيقية بالنسبة لجسده ونومه وعقله، بينما الدولة تتصرف وكأن كل شيء طبيعي. الساعة غير القانونية لا تؤثر فقط على الوقت، بل تؤثر على الشعور بالاستقرار، على الصحة النفسية، وعلى قدرة الإنسان على تنظيم حياته. كل هذه العناصر تجعل من التوقيت غير القانوني مشكلة مزدوجة: قانونية وصحية واجتماعية في آن واحد، وكل ما يفعله المواطن هو التكيف مع وضع مؤسف، ينتظر يومًا لا يأتي فيه الاعتراف وحده، بل يأتي معه استقرار حقيقي في حياته الزمنية والنفسية.
هل سنتحرر يوما ما من كل تباعيتنا للغير بما فيها توقيتنا الذي اصبح منذ مدة يترنح عبر السنة بين الشرعي واللاشرعي ارضاء لفئة منا وجهة معينتين و تنغيسا لعيش الاكثرية منا ؟