انتهت أيام من صناعة المفاجأة إلى الاسم الذي ظل، منذ استقرار النتائج الانتخابية، الأقرب إلى منطق الممارسة الدستورية التي تكونت منذ 2011.
فقبل صدور البلاغ الملكي بتعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، دارت أسماء واحتمالات في الصحافة والصالونات السياسية. كانت المنصوري في قلب المشهد، وحضر إلى جانبها، بقوة لافتة، اسم فوزي لقجع، عضو المكتب السياسي الحديث العهد بحزب الأصالة والمعاصرة، حتى شاع في النقاش الإعلامي تعبير «حكومة المونديال». وبعد إعلان النتائج النهائية، التي وضعت الحزب في المرتبة الأولى بـ97 مقعدا، انتقل السؤال سريعا من هوية الحزب المتصدر إلى هوية الشخص الذي سيأتي منه رئيس الحكومة. وبعد أيام حسم البلاغ الملكي الأمر، معلنا تعيين المنصوري، بصفتها منسقة القيادة الجماعية للحزب، رئيسة للحكومة بمقتضى الفصل 47.
هذا الانتقال من سؤال الحزب إلى سؤال الشخص هو، في جوهره، مدخل القصة الدستورية.
ينص الفصل 47 على أن الملك «يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها». يحسم النص المجال الحزبي الذي يأتي منه رئيس الحكومة، ويترك هوية الشخص داخله ضمن مجال تقديري أوسع. ثم يأتي الفصل 42 ليضع ممارسة الاختصاص في أفق دستوري أشمل، حين يجعل الملك ساهرا على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى «صيانة الاختيار الديمقراطي».
بين الفصلين مساحة تبدأ فيها حياة الدستور بعد انتهاء كلماته.
فالدساتير تحدد نطاق السلطة، والممارسة ترسم الطرق التي تتحرك فيها السلطة داخل ذلك النطاق. وقد يبقى الممكن القانوني واسعا، فيما يضيق، مع تراكم السوابق، الطريق الذي اعتادت المؤسسات المرور منه. وحين يصبح هذا الطريق معروفا للفاعلين، تنتقل الممارسة من سجل الوقائع إلى سجل التوقعات؛ ويصبح الخروج عنها أكثر حاجة إلى التفسير من السير فيها.
وفي هذه المسافة بين الممكن قانونا والمتوقع دستوريا توجد، في تقديري، أهم دلالات الفصل 47 بعد خمسة عشر عاما من التطبيق.
قبل دستور 2011 كانت المسافة بين نتيجة الاقتراع واختيار الوزير الأول أوسع. ففي انتخابات 2002 تصدر الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية النتائج بخمسين مقعدا، ثم عين الملك إدريس جطو، وزير الداخلية المنتهية ولايته، وزيرا أول. أما دستور 2011 فأدخل ترتيب الانتخابات مباشرة في معادلة التعيين، وحول الحزب المتصدر إلى قيد دستوري على الاختيار.
ثم بدأت الممارسة تضيف طبقتها الخاصة.
في أول انتخابات بعد الدستور الجديد، تصدر حزب العدالة والتنمية اقتراع 25 نونبر 2011 بـ107 مقاعد، فعين الملك أمينه العام عبد الإله بنكيران رئيسا للحكومة في 29 نونبر. وفي 2016 تصدر الحزب مرة أخرى، فعاد التكليف في 10 أكتوبر إلى بنكيران بصفته أمينه العام. وحين انتقلت المرتبة الأولى سنة 2021 إلى التجمع الوطني للأحرار، اتجه التعيين إلى رئيسه عزيز أخنوش. وفي 2026، مع تصدر الأصالة والمعاصرة، اتجه التعيين إلى فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية لقيادته الجماعية.
ترسم الحالات العادية، إذن، اتجاها متواترا: الحزب الأول، ثم مركز قيادته السياسية. وبين هذه المحطات تقف سنة 2017 باعتبارها الحالة التي اختبرت حدود هذا الاتجاه وكشفتها.
وهنا يبدو وصف ما جرى بأنه «تنازل عن صلاحية» أقل دقة من وصف آخر يلامس طبيعة التطور نفسه. فسلطة التعيين بقيت حيث وضعها الفصل 47، وسندها الدستوري لم يتغير. الذي أخذ شكلا أكثر انتظاما هو المجال التقديري المتبقي داخل الحزب المتصدر.
يمكن وصف هذا التطور بأنه تقييد ذاتي للمجال التقديري بواسطة الممارسة الدستورية.
والفارق جوهري بين التخلي عن الاختصاص واختيار طريقة مستقرة لممارسته. في الحالة الثانية، يحتفظ صاحب الاختصاص بكامل سنده القانوني، بينما تستقر ممارسته، عبر الزمن، على مسار أضيق من مجموع المسارات التي يسمح بها النص. يصبح الممكن قانونا أوسع من المعتاد دستوريا، وتتحول كيفية استعمال الصلاحية نفسها إلى جزء من البناء السياسي الحي.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الممارسة الملكية منذ 2011. فالفصل 47 يترك أكثر من احتمال داخل الحزب المتصدر، فيما استقرت التعيينات، في الظروف العادية، على مركز القيادة الذي أنتجته مؤسسات الحزب. ومع كل محطة جديدة، اكتسب هذا المسار قدرا إضافيا من القابلية للتوقع.
وحالة الأصالة والمعاصرة شديدة الدلالة في هذا الباب. فالمؤتمر الوطني الخامس للحزب اختار سنة 2024 صيغة قيادة جماعية، وانتخب فاطمة الزهراء المنصوري منسقة لها. وفي 12 فبراير من العام نفسه، وجه إليها الملك برقية تهنئة بصفتها «منسقة للقيادة الجماعية للأمانة العامة»، منوها بالصيغة التنظيمية التي انتهى إليها المؤتمر. القيمة هنا مؤسساتية وتوثيقية: المخاطبة الملكية نفسها سجلت بوضوح موقع المنصوري داخل نموذج قيادة يختلف عن نموذج الأمين العام المنفرد.
وحين تصدر الحزب الانتخابات بعد عامين، جاء التعيين منسجما مع البنية التي اختارها الحزب لنفسه ومع مركز القيادة الذي أفرزته مؤسساته.
2017: الاستثناء الذي رسم حدود القاعدة
تبقى أزمة تشكيل حكومة 2016 أكثر اللحظات قدرة على اختبار هذه القراءة.
كثيرا ما يستدعى تعيين سعد الدين العثماني سنة 2017 دليلا على اتساع المجال المتاح للملك داخل الحزب المتصدر. وتجد هذه القراءة أساسها في منطوق الفصل 47 نفسه، الذي يربط التعيين بالحزب من دون أن ينشئ لقائده حقا شخصيا في رئاسة الحكومة.
وتتضح الدلالة أكثر حين تستعاد الوقائع بتسلسلها.
بدأت الولاية بتعيين بنكيران في 10 أكتوبر 2016، بوصفه الأمين العام للحزب المتصدر. امتدت مشاورات تشكيل الحكومة أكثر من خمسة أشهر ووصلت إلى التعثر. وفي 15 مارس 2017 قرر الملك إنهاء مهمته، معلنا أن الرئيس الجديد سيكون «شخصية سياسية أخرى من حزب العدالة والتنمية». والأكثر دلالة أن بلاغ الديوان الملكي قدم هذا القرار باعتباره واحدا من الاختيارات التي يتيحها «نص وروح الدستور»، وربطه صراحة بالحرص على «توطيد الاختيار الديمقراطي». وبعد يومين انتقل التكليف إلى سعد الدين العثماني.
التسلسل هنا يصنع المعنى.
بدأ الاختيار من قائد الحزب المتصدر. وعندما تعذر عليه تشكيل الأغلبية، تحرك الاختيار إلى شخصية ثانية، واستمرت أولوية الحزب التي أنتجتها صناديق الاقتراع.
بهذا المعنى، قدمت سنة 2017 حدود القاعدة أكثر مما قدمت نقضا لها: أولوية مركز القيادة في الحالة العادية، واستمرار أولوية الحزب عند تعذر نجاح المكلف الأول.
ولو بدأت ولاية 2016 بتعيين العثماني مباشرة بعد ظهور النتائج، لأصبح لدينا نوع آخر من السوابق. أما ما وقع فعليا فقد ميز بين مستويين: الشخص من جهة، والمرتبة الانتخابية للحزب من جهة أخرى. انتهت مهمة الشخص الأول، واستمر أثر الاقتراع في الاختيار الثاني.
وفي اللحظة نفسها، كشفت الأزمة منطقة قليلة التنظيم في الفصل 47: مصير العملية عند تعذر تشكيل الحكومة. فالنص يحدد نقطة البداية، ويترك الأجل، وترتيب المحاولات التالية، والمخرج النهائي من استمرار الانسداد، لمساحة الاجتهاد الدستوري والسياسي.
وتظهر هنا فائدة المقارنة الإسبانية. فالمادة 99 من الدستور الإسباني تنظم مسطرة ترشيح رئيس الحكومة ونيل الثقة، وتجعل مرور شهرين من أول تصويت على التنصيب من دون حصول أي مرشح على ثقة مجلس النواب سببا لحل المجلسين والدعوة إلى انتخابات جديدة. اختارت إسبانيا أن تقيد زمن التعثر بقاعدة مكتوبة ومواعيد محددة.
أما بلجيكا فتقدم وجها مختلفا للعلاقة بين النص والممارسة. فقد تراكمت حول القواعد المكتوبة الخاصة بتكوين الحكومة سلسلة مستقرة من المشاورات الملكية، وتعيين «المخبر» ثم «المكلف بالتشكيل»، ويصبح هذا الأخير، عند نجاح مهمته، رئيسا للوزراء في العادة. يختلف النظام البلجيكي في بنيته الحزبية والدستورية عن المغرب، وتكمن فائدة المقارنة في نقطة محددة: قدرة الممارسة، مع الزمن، على إحاطة النص المكتوب بشبكة من التوقعات التي يعرف عبرها الفاعلون مسار إنتاج الحكومة.
من الممارسة إلى العرف: امتحان جينينغز
عند هذه النقطة يبدأ السجال الفقهي الحقيقي: هل تجاوزنا مستوى الممارسة المنتظمة إلى مستوى العرف الدستوري؟
التكرار وحده لا يحسم المسألة. والفقيه البريطاني إيفور جينينغز صاغ لهذا الغرض اختبارا كلاسيكيا بقي شديد الحضور في فقه الأعراف الدستورية. يسأل الاختبار، بالترتيب: ما السوابق الموجودة؟ وهل تصرف الفاعلون في تلك السوابق على أساس اعتقادهم بأن قاعدة ما تقيدهم؟ وهل توجد علة تبرر تلك القاعدة؟ وقد استعمل القضاء والفقه هذه الثلاثية لاحقا في أكثر من نظام دستوري.
إنزال هذا الاختبار على الحالة المغربية يقدم نتيجة أكثر تركيباً من إطلاق وصف «العرف» بسهولة.
العنصر الأول واضح نسبيا. لدينا سلسلة من السوابق في 2011 و2016 و2021 و2026، ثم حالة 2017 التي لم تضف مجرد واقعة جديدة، وإنما ساعدت على رسم حدود الممارسة عندما تعذر على المكلف الأول تشكيل الحكومة.
والعنصر الثالث، أي العلة الدستورية، يملك بدوره أساسا قويا: ربط هوية رئيس الحكومة بنتيجة الاقتراع يعزز قابلية ترجمة الاختيار الانتخابي إلى أثر في السلطة التنفيذية، واحترام مركز القيادة الذي أنتجته مؤسسات الحزب يعطي معنى إضافيا للموقع الذي منح الدستور للأحزاب في التعبير عن إرادة الناخبين والمشاركة في ممارسة السلطة. ويزيد الفصل 42 هذا البناء تماسكا بإدراج «صيانة الاختيار الديمقراطي» ضمن وظائف الملك الدستورية.
يبقى العنصر الثاني الحلقة الأقل قابلية للإثبات: هل بلغ انتظام الممارسة درجة أصبح معها الفاعل الدستوري يتصرف انطلاقا من شعور بأنه مقيد بقاعدة غير مكتوبة؟
الوثائق العلنية تظهر لنا انتظام القرارات بصورة أوضح مما تكشف لنا طبيعة الاعتقاد المعياري الكامن خلفها. وهنا تظهر فائدة مفهوم التقييد الذاتي للمجال التقديري بواسطة الممارسة الدستورية. فهو يصف ما يمكن رصده فعليا من الخارج: مجال اختياري أتاحه النص، وطريقة أضيق تواترت الممارسة على استعماله، وعلة دستورية يمكن تفسير هذا الاتجاه في ضوئها.
أما اكتمال الانتقال من الممارسة إلى عرف ملزم بالمعنى الفني، فيظل سؤالا مفتوحا أمام الفقه والمحطات المقبلة.
وهذه المسافة بين الممارسة والعرف ليست نقطة ضعف في التحليل. إنها، على العكس، تسمح برؤية القاعدة وهي تتكون.
فالأعراف الدستورية تبدأ غالبا بمسلك بين مسالك متعددة، ثم يتكرر المسلك، ثم يدخل في توقعات الفاعلين، فترتفع تدريجيا الكلفة السياسية والدستورية للخروج عنه. وعند درجة معينة يصبح السير وفق القاعدة هو الأمر المألوف، ويصبح الابتعاد عنها هو الواقعة التي تحتاج إلى تفسير.
من اليقين الدستوري إلى المسؤولية الحزبية
القيمة الأوسع لهذا التطور تتجاوز العلاقة بين المؤسسة الملكية والحزب المتصدر.
فحين يعرف الحزب أن تصدره الانتخابات يضع قيادته، في الظروف العادية، في موقع الأولوية لرئاسة الحكومة، يتغير معنى اختيار القيادة نفسها. المؤتمر الحزبي لا يعود محطة تنظيمية داخلية خالصة؛ قراراته قد تصبح، بصورة غير مباشرة، جزءا من الطريق المؤدي إلى السلطة التنفيذية.
هنا تلتقي الديمقراطية الحزبية بالديمقراطية الانتخابية.
الناخب يرتب الأحزاب. الحزب يرتب قيادته. والممارسة الدستورية تصل، في الظروف العادية، بين المستويين عبر قرار التعيين.
ومن هذه الزاوية كانت التكهنات حول فوزي لقجع ذات قيمة تحليلية أكبر من الإثارة التي أحاطت بها. فقد كان هناك بديل جدي داخل الحزب، ودار اسمه فعليا في النقاش العام إلى جانب المنصوري. وجود أكثر من احتمال يسمح به ظاهر النص هو الذي يجعل اختيار المنصوري ذا معنى بالنسبة إلى الممارسة السابقة. فإذا كان الطريق القانوني متشعبا، ثم سلكت المؤسسة للمرة الرابعة في الحالة العادية طريق مركز القيادة، تصبح طريقة ممارسة الاختصاص نفسها موضوعا دستوريا يستحق القراءة.
وهنا يظهر معنى «اليقين الدستوري».
فالقواعد لا تكتسب قيمتها فقط من قدرتها على توزيع السلطات، وإنما أيضا من قدرتها على جعل سلوك المؤسسات قابلا للتوقع. يعرف الحزب ماذا تعني الصدارة. وتعرف قيادته طبيعة المسؤولية التي يمكن أن تنتظرها. ويعرف المواطن المسار الذي قد يسلكه صوته من صندوق الاقتراع إلى قمة الجهاز التنفيذي.
كلما أصبح هذا الطريق قابلا للقراءة، تقلصت مساحة المفاجأة واتسعت مساحة القاعدة.
لقد حسم دستور 2011 الحزب الذي يأتي منه رئيس الحكومة. وراكمت الممارسة، منذ ذلك التاريخ، طريقا يؤدي في الظروف العادية إلى مركز قيادته. وفي هذا التراكم تظهر مساهمة المؤسسة الملكية في دينامية الفصل 47: احتفاظ بالاختصاص الدستوري، وتقييد ذاتي للمجال التقديري بواسطة الممارسة الدستورية، بما يمنح نتيجة الاقتراع والاختيار التنظيمي للحزب درجة متزايدة من القابلية للتوقع.
في 2011 كان المغاربة يتعلمون قاعدة جديدة: رئيس الحكومة يأتي من الحزب الذي يتصدر انتخابات مجلس النواب.
وفي 2026 أصبح السؤال أضيق: من داخل الحزب المتصدر سيتجه إليه التعيين؟
النص اختار الحزب، والممارسة رسمت، دورة بعد أخرى، الطريق إلى قيادته.
ويبقى التعيين الملكي هو الفعل الدستوري المنشئ للصفة؛ أما المسار المؤدي إلى صاحبها، فقد أصبح أضيق، وأكثر وضوحا، وأقرب إلى أن يكون جزءا مستقرا من قواعد اللعبة الدستورية المغربية.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.