الهدر المدرسي

الهدر المدرسي
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 23:53

نحو مقاربة نسقية للاستباق والتدخل وقياس الأثر

يمثل الهدر المدرسي أحد ابرز التحديات التي تواجه الأنظمة التربوية، بالنظر إلى اثاره المباشرة على ضمان الحق في التعلم والانصاف وتكافؤ الفرص، فضلا عن انعكاساته الاجتماعية والاقتصادية. غير ان تطوير السياسات الرامية الى الحد منه يقتضي تجاوز النظر اليه باعتباره مجرد نتيجة نهائية تقاس بأعداد المنقطعين ونسبهم، نحو فهمه باعتباره سيرورة مركبة وتراكمية تتشكل عبر الزمن، وتتفاعل في انتاجها عوامل مرتبطة بالمتعلم والتعلمات والاسرة والمؤسسة، والمجال والسياق الاجتماعي والثقافي. ومن هذا المنطلق، يصبح التحدي الحقيقي ليس متعلقا بمن انقطع عن الدراسة، وانما بالقدرة على تحديد من يوجد في وضعية احتمال الهدر، وفهم اسباب ذلك، والتدخل في الوقت المناسب لحماية مساره التعليمي.

من الهدر كحدث منعزل الى الهدر كسيرورة تراكمية: يقتضي هذا التحول اعادة بناء مفهوم الهدر المدرسي نفسه. فعدم الالتحاق او عدم اعادة التسجيل، والانقطاع اثناء السنة الدراسية، والفصل، تمثل الاشكال الظاهرة والنهائية للظاهرة، لكنها غالبا ما تكون مسبوقة بمسار اقل وضوحا يبدأ بإشارات قد تبدو منفصلة، مثل الغياب المتكرر، والتعثر الدراسي، والتكرار، والتأخر الدراسي، وتراجع الدافعية، وضعف الاندماج في الحياة المدرسية. ومع تراكم هذه المؤشرات وتفاعلها مع عوامل اسرية او اجتماعية او اقتصادية او نفسية ومجالية، قد ينتقل المتعلم تدريجيا من المواظبة الدراسية الى الهشاشة، ثم الى خطر الانقطاع، وصولا الى الهدر الفعلي.

وعليه، يمكن النظر الى الهدر من خلال متصل دينامي يبدأ بالانتظام الدراسي، ثم ظهور مؤشرات الهشاشة، فتراكم عوامل الخطر، فكك الارتباط التدريجي بالمدرسة، ثم خطر الانقطاع، واخيرا الانقطاع الفعلي. وتكمن اهمية هذا التصور في نقل التدخل من نهاية المسار الى بدايته؛ فالانقطاع الذي يظهر في الاحصائيات ليس بالضرورة لحظة مفاجئة، بل قد يكون النهاية المرئية لمسار من فك الارتباط التدريجي بالمدرسة.

من البحث عن الاسباب الى تحليل منظومة الخطر والحماية: ان تفسير الهدر المدرسي بعامل منفرد يظل محدودا، لان المسارات المؤدية اليه تختلف من متعلم الى اخر ومن مؤسسة ومجال ترابي الى اخر. فقد يرتبط الخطر لدى متعلم بالتعثر الدراسي، ولدى اخر بالغياب المتكرر او ضعف الدافعية، بينما ينتج لدى حالات اخرى عن تفاعل صعوبات النقل او الوضع الاقتصادي للأسرة او ظروف اجتماعية ونفسية مع عوامل مدرسية.

لذلك تبدو المقاربة النسقية أكثر ملاءمة لفهم الظاهرة، فهي تميز بين عوامل الخطر وعوامل الحماية على مستويات متعددة. فعلى مستوى المتعلم، تقابل التعثر والتكرار وضعف الدافعية عوامل اخرى مثل النجاح والشعور بالكفاءة وامتلاك مشروع شخصي. وعلى مستوى المؤسسة، قد يقابل ضعف الاندماج وجود مناخ مدرسي ايجابي واليات فعالة لليقظة والمواكبة والانشطة الموازية. كما تمثل الاسرة والمجال الترابي والخدمات الاجتماعية والشركاء مستويات اخرى يمكن ان تنتج الخطر او تسهم في الحد منه. وبالتالي، فان وجود عامل خطر لا يعني حتمية الانقطاع، وانما تتحدد النتيجة من خلال طبيعة تفاعل المخاطر مع الموارد وعوامل الحماية المتاحة للمتعلم.

من قياس الهدر الى بناء منظومة للانذار المبكر: إذا كان الهدر سيرورة، فان الوقاية منه تفترض القدرة على التقاط اشاراته المبكرة قبل اكتمالها. ومن هنا تبرز اهمية بناء منظومة للانذار المبكر لا تعتمد على مؤشر واحد، وانما تجمع بين مؤشرات المواظبة، والتعلمات، والمسار الدراسي، والسلوك، والدافعية والاندماج، والوضع الاجتماعي والاسري، والعوامل المجالية. ولا تكمن القيمة الاساسية لهذه البيانات في تجميعها، بل في قدرتها على انتاج معرفة قابلة للتحويل الى قرار تربوي.

ويمكن، في هذا السياق، التفكير في تصنيف دينامي للمتعلمين الى مستويات متدرجة: وضعية تتطلب المتابعة، ثم يقظة، ثم خطر مرتفع، ثم خطر حرج. ولا ينبغي النظر الى هذه التصنيفات باعتبارها اوصافا ثابتة للمتعلمين، وانما باعتبارها وضعيات قابلة للتغير بفعل الزمن والتدخل. حيث يصبح هاجس المؤسسة لا يتعلق بكم لديها من متعلمين في وضعية خطر؟ وانما: كم انتقل منهم، بفضل المواكبة، من الخطر الحرج او المرتفع الى مستوى اقل، وكم استطاع استعادة الانتظام والاستمرار في مساره الدراسي؟

كما يمكن مستقبلا التفكير في بناء مؤشر مركب للخطر يجمع عددا من المتغيرات، شريطة اخضاع مكوناته واوازنه للاختبار العلمي والتحقق من قدرتها الفعلية على تفسير الانقطاع والتنبؤ به في السياق التربوي المغربي. فليس كل مؤشر مرتبط بالهدر بالضرورة مؤشرا تنبؤيا صالحا لبناء القرار.

من التدخل الموحد الى الاستجابة المتدرجة: لا يمكن لمواجهة ظاهرة متعددة الاسباب ان تقوم على تدخل واحد يطبق بالطريقة نفسها على جميع الحالات. فكلما اختلف مستوى الخطر واسبابه، وجب ان تختلف طبيعة الاستجابة. ويمكن في هذا الإطار التمييز بين وقاية شاملة تستهدف جميع المتعلمين من خلال جودة التعلمات والمناخ المدرسي والانشطة الموازية والتوجيه والدعم؛ ووقاية مستهدفة لفائدة من بدأت تظهر لديهم اشارات الخطر؛ ومواكبة فردية مكثفة للحالات التي تتراكم لديها عوامل متعددة؛ ثم تدخلات للاسترجاع واعادة الادماج او التوجيه الملائم عندما يتحقق الانقطاع.

ويستدعي ذلك الانتقال من منطق الاجراء الى منطق تدبير الحالة. فبعد اكتشاف المتعلم المعرض للخطر، ينبغي تثبيت المعطيات المتعلقة به، وتشخيص وضعه بصورة متعددة الابعاد، وتحديد مستوى الخطر والعوامل المسببة له، ثم بناء خطة مواكبة تحدد التدخل المطلوب والمسؤول عنه واجله والنتيجة المنتظرة منه. وهكذا لا يعود الهدف هو تنفيذ مجموعة من الانشطة حول الهدر، بل انتاج مسار تدخل فردي يمكن تتبعه وتقويمه وتعديله.

خلية اليقظة من بنية تنظيمية الى الية للحكامة وقيادة التدخل: ضمن هذا التصور، تصبح خلية اليقظة وظيفة تتجاوز عقد الاجتماعات وتسجيل الحالات. فهي تمثل فضاء مؤسساتيا لتحويل المعطيات الى تشخيص، والتشخيص الى قرار، والقرار الى تدخل قابل للتتبع. وتقوم فعاليتها على قدرتها على الاجابة بصورة منتظمة عن اسئلة عملية: من دخل دائرة الخطر؟ ما طبيعة الخطر واسبابه؟ ما التدخل الذي تقرر؟ من يتحمل مسؤوليته؟ وما الذي تغير في وضعية المتعلم منذ التدخل السابق؟

ويتطلب ذلك تكاملا وظيفيا بين الادارة التربوية والمدرسين وأطر التوجيه والمختصين الاجتماعيين والتربويين ومنسقو الحياة المدرسية والاسرة وباقي الشركاء، مع الانتقال من تعدد التدخلات المتوازية الى وحدة خطة المواكبة. فالمتعلم لا يحتاج الى سلسلة اجراءات منفصلة بقدر ما يحتاج الى استجابة منسجمة تعالج الاسباب الفعلية التي تهدد استمراره الدراسي.

من مؤشرات الانجاز الى قياس النتائج والاثر: تطرح مواجهة الهدر ايضا اشكالا اساسيا يتعلق بكيفية قياس النجاح. فعدد اجتماعات خلايا اليقظة والزيارات والاتصالات وخطوط العمل ومختلف انشطة المواكبة يقدم معلومات ضرورية عن مستوى التنفيذ، لكنه لا يكفي للحكم على فعالية السياسة المتبعة. انها اساسا مؤشرات للانجاز والعمليات، بينما يقتضي تقييم النجاعة الانتقال الى مؤشرات النتائج والاثر.

وعليه، ينبغي ان تشمل منظومة التقييم مؤشرات مثل نسبة حالات الخطر التي تم تشخيصها، ونسبة الحالات المستفيدة من خطط مواكبة، وسرعة الاستجابة بعد ظهور الانذار، وتحسن المواظبة والتعلمات والاندماج، ونسبة الحالات التي تراجعت درجة خطورتها، ونسبة المسترجعين، وخاصة مدى استمرارهم في الدراسة بعد الاسترجاع قصد الوقوف على ماذا تغير فعليا في مسار المتعلم نتيجة تدخلنا.

البعد الترابي وحكامة الاستهداف: تتطلب الطبيعة المركبة للهدر الجمع بين المقاربة الفردية والمقاربة الترابية. فالمعدل الوطني او الجهوي، رغم اهميته، قد يخفي تفاوتات كبيرة بين المديريات والجماعات والمؤسسات والمستويات والفئات. ومن ثم ينبغي ان يسمح نظام الرصد بالانتقال من المستوى الوطني الى الجهة فالمديرية والجماعة والمؤسسة، وصولا الى الحالة الفردية، ليس بهدف ترتيب المجالات، وانما لتحديد بؤر الخطر وتوجيه الموارد والتدخلات حيث تكون الحاجة اكبر.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
المغرب والخليج في مواجهة التحديات
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 19:00 1

المغرب والخليج في مواجهة التحديات

صوت وصورة
إدريس لشكر يهنئ رئيسة الحكومة
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 18:29 4

إدريس لشكر يهنئ رئيسة الحكومة

صوت وصورة
كيفاش تجيب شهادة الملكية أونلاين؟
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 18:00 2

كيفاش تجيب شهادة الملكية أونلاين؟

صوت وصورة
أوزين: الملك يعزز مكانة المرأة
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 17:00

أوزين: الملك يعزز مكانة المرأة

صوت وصورة
موقف "اليسار" من الانتخابات
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 14:32 2

موقف "اليسار" من الانتخابات

صوت وصورة
العسري والتحالف مع "البيجيدي"
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 13:51 7

العسري والتحالف مع "البيجيدي"