بوسكا وياسمين

بوسكا وياسمين
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 20:49

بوسكا وياسمين: من دَين الجسد إلى دَين الذاكرة

تعد رواية “بوسكا وياسمين” لرشيد بنمقران نصا يصعب تصنيفه. فهي لا تستقر على جنس واحد، بل تتعمد إثارة هذا القلق. تقرؤها من عتبتها فتظنها رواية، ثم تكتشف التطابق الاسمي بين المؤلف والراوي والبطل فتميل إلى عدها سيرة ذاتية موثقة. ثم ترى الوثيقة الباردة تتحول إلى استعارة، فتقول: هذا تخييل ذاتي. ثم تصطدم بوظيفتها الاحتجاجية فتدرك أنها شهادة مدنية. هذا التهجين، في رأيي، ليس ارتباكا، بل خطة اقتحام.

فالسؤال الذي يفرض نفسه منذ الصفحات الأولى هو: كيف يصبح إيصال الكراء، ومحضر رجال الأمن مجازا تراجيديا يوجع أكثر من الشعر؟ أظن أن الجواب عند الشكلاني الروسي تينيانوف (Tynianov). ففكرة حركة الأشكال عنده بسيطة وعميقة: ما كان على الهامش يصبح في المركز. فرواية الهجرة البكائية أضحت مستهلكة وتقليدية. والكاتب بنمقران فهم هذا، فوضع في قلب الحبكة ما كنا نرميه خارج الأدب. تلك الوثيقة التي يسميها الشكلانيون الروس “فاكت”، أي ما يُسمى بالحدث الخام قبل أن تطاله الصناعة السردية.

لكن، اليوم، بعد دوبروفسكي (Serge Doubrovsky) وآني إرنو (Annie Ernaux)، لم يعد الفاكت خارج الأدب، بل صار قلبه: فالمحضر أصبح بطلا. وهذا بالضبط ما يسميه شكلوفسكي (Chklovski) تغريبا، أي أن تُطيل النظر في الشيء المألوف حتى يصبح غريبا ومخيفا. فحين تقرأ قرارا إداريا عاديا مثل سحب جواز السفر في الرواية، وترى وقعه على الشخصية التي تخفي الأمر متظاهرة بابتسامة أمام موظف المحافظة كي لا تُظهر خوفها، تجد أنه يتحول إلى شيء آخر تماما.

المتن الحكائي

فلنبدأ بالقصة كما كتبها صاحبها: يبدأ كل شيء في مكناس. رشيد موظف بنكي يعدُّ حساباته آخر النهار فيكتشف شيكا محررا باسم أم مدير الوكالة وزوجته، بتوقيعه هو، دون حضورهما ولا توكيل في الملف. فيقرر أن يُبلغ الإدارة المركزية للبنك بالدار البيضاء عن شيكات المدير. ثم يعلم المدير الجهوي بالأمر، لكن المفاجأة تكمن في كون فساد مدير الوكالة لا يُغضب المدير الجهوي، بل تراه يثور في وجه من كسَّر السلم الإداري وقرر مراسلة الإدارة المركزية.

ويتأزم الوضع حين توصل رشيد بمكالمة هاتفية تغير مسار حياته: انفجار غاز في بيت العائلة، يتسبب في موت شقيقته وابنتها ذات الثماني سنوات بعد غيبوبة أسبوعين، وينجو ابنها جاد، لكنه يحتاج أربع عمليات مكلفة لا طاقة له بها. بلا موارد، يطرق رشيد باب من كانوا بالأمس زبناء على الشباك. فيستدين بقروض مرتجلة وتسبيقات محفوفة وشيكات على بياض. يتحول الزبناء الذين كان يخدمهم إلى طوق نجاة، ثم إلى دوامة: ففي كل شهر يسدد دينا بدين، والفوائد تتراكم كمد لا ينحسر.

هنا، يبدأ مدير الوكالة، بتوجيه منه، التنقيبَ في حياة رشيد الخاصة، وخاصة علاقته بمن أقرضوه، ويشجعهم سرا على الشكاية به. عندها يلتقي ملف النزاهة والدين، ويصبح الشيك بدون رصيد، كما سيعرفه لاحقا رشيد، بوابة السجن.

فالفاجعة التي كان من المفترض أن تجلب تعاطفا، صارت ذريعة للعقاب. حينها ينسد الأفق فيهاجر إلى مدينة فوفر ((Vauvert في كامارغ (Camargue) بفرنسا. هناك، مع صديقه إبراهيم الذي يعمل ليلا في مخبزة، يتخذان موعدا ثابتا على السادسة في مقهى لي هال (Les Halles). وفي إحدى الليالي تقودهما الصدفةأمام واجهة لم يلاحظاها من قبل: مطعم لامادلين (La Madelaine). تخرج شابة بابتسامة مشرقة، إستيل، وزوجها دافيد. في خلوة لاحقة يقول له دافيد: أنا وإستيل قررنا الطلاق بالتراضي، هل تريد أن تمتلك صالون الشاي؟ يتردد، فبطاقة إقامته معلقة منذ أكثر من سنة.

بعدها يقرر رشيد توقيع الإيجار مع دافيد، ليحصل على التحويل والرخصة الثانية، فيسجل شركته قانونيا. لكن البداية الحقيقية كانت قبل ذلك، عند أليس. صاحبة حانة لامار أوديابل (La Mare au Diable) وشريكها تييري. هي، كما يكتب، نقطة انطلاق اندماجه. خلف منضدة الخدمة تعلم كل شيء: الطلبيات، وآلة القهوة، وخدمة الزبائن. اكتسب الشرعية بالعمل قبل أن يطالب بالملكية.

ثم يأتي المنعطف الرمزي مع ميشيل فالغيير (Michel Falguière)، المؤرخ والشاعر. حدثه ذات يوم عن أن أهل فوفر القدامى كانوا يُلقبون بالبوسكييرLes Posquières) (نسبة لنبيذ البوسكا (Posca) الروماني الأحمر، وأن يهودا منهم موَّلوا بأرباحه خلية مقاومة ضد النازية. ثم اقترح عليه تسمية للمقهى قائلا: إذا عطرت البوسكا بالياسمين، والياسمين لفظ عربي، ستصبح بوسكامين. هكذا تولدت تسمية La) (Poscamine. إنها ليست اسما تجاريا، بل كيانا هوياتيا يربط الجذور.

تتطور الأحداث فيُفرض على رشيد بعد أن اعتبرت المحافظة تأخره الإداري في تجديد إقامته تحايلا وغشا بسبب أصله كمهاجر. لقد تحول الإجراء إلى سحب جوازه واحتجازه في نيم (Nîmes). لكن لجنة شكلتها إستيل ودافيد وزبائن (La Poscamine) قلبت الأحداث بملف يثبت تأدية رشيد للضرائب وملكيته للمقهى كوريث لذاكرة (Posquières)، فانهارت حجة الإدارة أمام القاضي وألغي القرار وأعيد له جوازه ليبقى في البوسكامين مالكا شرعيا.

مستويات المشهد السيري

يُعد الكيان الهوياتي الذي بناه رشيد بالعمل والاسم، هو بالضبط ما ستضعه الإدارة على المحك. ضمن هذا المنظور، أستعير من باتريك شارودو (Patrick Charaudeau) فكرة العقد التواصليcontrat de) (communication بوصفه مجموع الشروط الضمنية التي تسمح للشريكين بأن يتعارفا على من يتكلم، ولماذا، وعن ماذا. والنص يكشف ثلاثة انكسارات لهذا العقد: أولا، في مشهد مكناس، ينكسر شرط الغائية: رشيد يتكلم بلغة الحزن والفاجعة، بينما البنك لا يعترف إلا بلغة الأرقام والاستقرار. ثانيا، في مشهد فوفر، ينكسر شرط الهوية: رشيد يقدم نفسه كأجير تحول إلى مقاول يمتلك (La Poscamine)، لكن الإدارة تنظر إليه سلفا كهوية مشبوهة لأنه مهاجر. ثالثا، في مشهد التضامن، يعاد بناء العقد عبر التحول من الأنا إلى النحن (لجنة الدعم)، وهذا ما أنقذ النص من البكائية. وهنا، نستثمر مشاهد التلفظ عند دومينيك منكينو (Dominique Maingueneau): فالمشهد الشامل هو أدب الشهادة الهجين في فرنسا اليوم لأننا لا نقرأ وثيقة إدارية، بل نقرأ أدبا. والمشهد النوعي هو رواية الهجرة، أو رواية المقاومة الإدارية. أما المشهد السينوغرافي فيؤسسه النسيج النصي عبر ثلاثة أمكنة متدرجة: البنك كـسينوغرافيا تخنق الكلام، ولامادلين عند إستيل كـسينوغرافيا تهب الحق في الكلام لأنه يعمل، والبوسكامين كـسينوغرافيا تمنحه الحق في كلام تاريخي، فيتكلم لا كمهاجر بل كوريث للبوسكيير.

سلطة الخطاب

ولكشف سلطة الخطاب نستحضر نورمان فاركلوف (Norman Fairclough) بمستوياته الثلاثة. فعلى مستوى النص، تتجلى استراتيجية إخفاء الفاعل السلطوي عبر المبني للمجهول في صيغ مثل “تم سحب الجواز”، و”تقرر التوقيع اليومي” التي تمحو الفاعل (Agent deletion) وتجعل القمع يبدو إجراء محايدا بلا مسؤول. وعلى مستوى الممارسة الخطابية، يُعاد إنتاج خطاب الهجرة عبر ملفوظ: “حتى لو كنت قانونيا، حتى لو بدأت أجيرا عند إستيل، فأنت مشبوه”. أما على مستوى الممارسة الاجتماعية، فيُظهر السرد كيف تتحول فاجعة خاصة ودين لإنقاذ طفل إلى هشاشة تستثمرها السلطة.

كما نستدعي مفهوم التأطير لروث وُداك (Ruth Wodak)، حيث تتحقق الإستراتيجية الخطابية عبر التسمية (Nomination) والإسناد (Prediction) . فمدير البنك لا يصرح: أعاقبه لأنه فضحني، بل يعيد تسميته بتحويله من موظف نزيه يُبلِّغ عن خروقات إلى مستخدم مدين عليه شيكات بدون رصيد. كما يُسنِد إليه صفات عدم الثبات والاستقرار. وفي فوفر، نعثر على نفس الإستراتيجية الخطابية بتحويله من أجير عند إستيل ودافيد إلى دخيل مشبوه. لكن رد رشيد كان ذكيا ببناء تأطير مضاد يتمثل في إعادة التسمية بتحويل ذاته من دخيل إلى وريث عبر اسم البوسكامين. فالبوسكيير كانوا أقلية مضطهدة وصاروا رمز للمقاومة، وهو يضع نفسه في هذا الامتداد.

ولو أردنا تأطير الخطاب ضمن المربع الإيديولوجي عند تون فان دايك (Teun A. van Dijk)، فإن الخطاب المؤسسي يشتغل بأربع حركات: التأكيد على محاسن الإدارة (نحن دولة قانون يقظة) والتأكيد على مساوئ المهاجرين (هم محتالون محتملون)، في مقابل التقليل من مساوئ الإدارة (ما هو إلا إجراء إداري)، والتقليل من محاسن المهاجرين (التعتيم على كون رشيد أجيرا عند أليس ومالكا مسجلا لـ La Poscamine)). أما جواب رشيد ولجنته فكان بقلب المربع الإيديولوجي: بالتأكيد على محاسن المهاجرين (عمل، ضرائب، اندماج، وريث لذاكرة Posquières المقاومة) والتأكيد على مساوئ الإدارة (تعسف إجرائي وتحويل مهاجر مقيم بشكل قانوني إلى مهاجر غير شرعي)، في مقابل التقليل من مساوئ المهاجرين (تأخر إداري بسيط يُضخم إلى غش وتحايل) والتقليل من محاسن الإدارة (تقديم نفسها كضحية خاضعة لضغط لا سلطة).

خط الهروب والأدب الأصغر في الخطاب السيري

يمثل كتاب جيل دولوز وفيلكس غتاري عن كافكا موجها لخط الهروب الذي ينزاح عن الهروب المعهود. يعتبر دولوز الهروب فعل خلق. فحين انسدت كل الأبواب في مكناس لم يواجه رشيد الجدار برأسه، بل رسم خط هروب نحو فوفر. بدأ عند أليس، ثم إستيل، ثم بنى أرضا جديدة. هذا هو خط الهروب. أما خط الأدب الأصغر فنعني به حسب دولوز أدب أقلية تكتب بلغة الأغلبية وتفجرها من الداخل. فرشيد يكتب بالفرنسية عن لغة المحافظة (Préfecture) ورجال الأمن، لكنه يحقنها بالياسمين، كلمة عربية، برائحة ذاكرة يهودية: وهذا هو التفجير. كما يقول دولوز، تصبح القضية الفردية قضية جماعية فورا.

لهذا نختم بقول إن البوسكامين مفهوم جذموري: فالجذمور عند دولوز ليس جذر شجرة عمودي تقتلعه بسهولة، بل تشابك أفقي، روماني ويهودي وعربي ومقاوم. لا يمكن اقتلاعه لأنه ليس في أرض واحدة. والأجمل أن رشيد بنمقران يحول الدَّين المادي الثقيل إلى دين رمزي آخر، دين لذاكرة المقاومة. فالأول كان يخنقه، بينما الثاني يحرره. لذلك، كان دور أليس وإستيل ودافيد وميشيل حاسما. لم يكونوا مجرد شخصيات، بل الوسائط التي سمحت لهذا الجذمور أن ينغرس أولا بالعمل قبل التملك. وهذا ما تثبته النهاية. فتعطير البوسكا بالياسمين لم يكن شعارا تجاريا، بل طريقة في الحياة، طريقة لتحويل الفقد إلى حياة، وأن ما حاولوا محوه في فوفر، عاد حيا يتقدم في المغرب.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
حامي الدين والبراءة في الاستئناف
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 16:56 4

حامي الدين والبراءة في الاستئناف

صوت وصورة
ندوة دولية تقارب التماسك الاجتماعي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 15:21 1

ندوة دولية تقارب التماسك الاجتماعي

صوت وصورة
الراشدي يشيد بالبرنامج الحكومي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 13:37 1

الراشدي يشيد بالبرنامج الحكومي

صوت وصورة
فريق "البام": لن نكون مجرد "كومبارس"
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 13:00 2

فريق "البام": لن نكون مجرد "كومبارس"

صوت وصورة
مغاربة يشيدون بإنجاز أسود الفوتسال
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 12:50 2

مغاربة يشيدون بإنجاز أسود الفوتسال

صوت وصورة
استقالات وتعيينات بمجلس النواب
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 10:51 1

استقالات وتعيينات بمجلس النواب