خطاب العرش التاسع عشر..أو خطاب الحاجة

خطاب العرش التاسع عشر..أو خطاب الحاجة
الأحد 5 غشت 2018 - 10:42

“من أحب ملكه صارحه” محمد الساسي

لم أكن واهما ولا حالما حينما قلت في مقال سابق قبيل خطاب العرش ببضعة أيام إن للملك دستوريا حق العفو (الفصل 58)؛ كما أنني لم أكن غرا لأعتقد أن داخل الخطاب سيتفضل الملك ويعلن هذه الخطوة، خصوصا وطبيعة الخطاب لها مقامها السياسي التداولي، حيث يقدم الحصيلة ويقف على الاختلالات ويقدم التصور المستقبلي في الأمداء الثلاثة، القريب والمتوسط والبعيد.

بيد أن المتغير الذي أشرنا إلى احتمال وقوعه لم يقدنا إليه سوى الحدس بكون ملك البلاد قد يخاطب المواطنين المغاربة من عمق الريف من الحسيمة. وهكذا كان واعتبرنا الحدث في حد ذاته ذا دلالات رمزية قوية ومبشرة تهم انعطافا واضحا سينجلي من غمام مرحلة دامت صيفين، وهو ما نعتناه بالمفصلي، ومازلنا متشبثين بهذه الصفة للدواعي التالية: أن خطاب العرش من الحسيمة يؤشر على عدة قضايا يمكن إجمالها في الحاجة والنقصان الذي يشعر به المواطنون رغم ما بذل من جهود طيلة 19 سنة، نقصان كان من أسبابه قيام حراك الريف وزاكورة وتنغير وجرادة، نقصان في اكتمال الحلم بدولة الحق والقانون.

لم يكن المواطنون وحدهم من شعروا وعاشوا هذا النقصان، وإنما ملك البلاد نفسه لم يتورع أن يقول: “وإذا كان ما أنجزه المغرب وما تحقق للمغاربة على مدى عقدين من الزمن يبعث على الارتياح والاعتزاز، فإنني، وفي نفس الوقت، أحس بأن شيئا ما ينقصنا في المجال الاجتماعي”، انتهى كلام جلالته.

لا يمكن أن ينكر المرء ما تحقق خلال ولاية الملك محمد السادس العرش، كي لا نسقط في السوداوية المجانية أو العدمية العبثية، لكن هل كان المنجز كافيا أمام استحقاقات وانتظارات وطنية انتظرها المغاربة منذ ستين عاما بعد خروج الاستعمار العسكري ومعاناة المغاربة إلى حد الآن من تبعاته؟.

لماذا لا نركب صهوة الصراحة والحقيقة، ونقول إن سؤال النقصان المحسوس به من طرف الجميع من أعلى قمة الدولة إلى قاعدة هرمها هو سؤال الثروة ومعضلة توزيعها، هو مشكلة السلطة وتشظيها، هو مسألة بناء النموذج الجديد للدولة المغربية الحديثة في أفق بناء نموذج تنموي بديل يضع بلادنا على سكة الدول النامية واقعا لا مجازا.

إن دعوة الخطاب الملكي إلى رد الاعتبار إلى المجال السياسي وإضفاء المعنى عليه بتجديد النخب بدماء شابة دينامية وفعالة يبقى حبيس الألفاظ ما لم يفعل القانون بإعماله، وذلك باحترام قانون الأحزاب.

إن تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية ركن أساسي في بناء الدولة الحديثة، دولة المواطنة والاستحقاق وليس دولة الريع والقربى. فعلا حجم الخصاص الاجتماعي مهول وكارثي ومهدد للاستقرار، لكن عن أي استقرار نبحث؟ هل عن استقرار الفساد والاستبداد أم استقرار الكرامة والحرية والتنمية الاقتصادية العادلة؟.

إن الاستقرار الأخير له كلفته لكن ليس مستحيلا؛ يكفي أن نؤمن به جميعا كي لا تتكرر المأساة. لقد تحدث الملك في خطاب العرش عن العدمية والفتنة ومن يصطادون في الماء العكر قافزين على مطالب مشروعة كما هو الحال بالنسبة لحراك الريف، إلا أن السؤال يبقى من أوصل هذا الماء إلى أن يتعكر؟ أو ليست هشاشة وضعف الوسيط السياسي الذي بدل جلده من اليمين إلى اليسار إلى الوسط؟ من المسؤول عن إضعاف الأحزاب السياسية والنقابات؟…أسئلة لا أملك لها الجواب وحدي، كل منا له نصيب من الإجابة، فقط أن تتوفر الشجاعة والجرأة الأدبيتين، لأن من أحب ملكه، كما جاء على لسان مناضل شريف هو ذ محمد الساسي، صارحه.

لا يمكن تغطية الشمس بالغربال، ولم يعد في جعبتنا ما نهدره زمنا سياسيا بالمقارنة مع تقدم البلدان وإيقاع العالم الذي بات مركبا في كل شيء ومن كل شيء على حد تعبير إدغار موران.

على الدولة أن تنأى بنفسها عن صناعة الأحزاب وفبركة التكتلات وتعدد الأقطاب في السلطة حتى لا تصبح كمثل تنين يبتلع كل شيء وفي النهاية قد يبتلع نفسه.

بالعودة إلى خطاب العرش تبقى مفصليته في أجرأة مقتضياته بأجندة محددة كما طالب بذلك الملك، وأن يفسح المجال لتطبيق الدستور، ولما لا تعديله حتى يتناغم مع الإرادة الجماعية ملكا وشعبا لبناء النموذج التنموي البديل الذي يضعنا على السكة الصحيحة.

أما في ما يتعلق بالترقبات باستئناف المصالحة بين الدولة والريف بإرجاع منسوب الثقة وما سيتساوق معها من قرارات على رأسها إطلاق سراح معتقلي الحراك، فإن بعض المؤشرات التي ذكرت وأخرى لم أشأ إثارتها، خصوصا ومحطة الاستئناف لم تقل كلمتها الفصل، تجعل من حدسي حدسا إيجابيا ولو بالمعنى الشعري للكلمة.

*شاعر، ومترجم، وباحث.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • KITAB
    الأحد 5 غشت 2018 - 12:49

    باعتقادي أن مقالات كثيرة تناولت قضية حراك الريف وربطه بخطاب العرش من الحسيمة، وحتى نقترب من الموضوعية وندع عواطفنا جانباً، حتى وإن كنا جميعاً من أبناء الريف، أقول بأن الأحكام الصادرة في حق هؤلاء النشطاء استغرب لها الرأي العام لأنها لا تتوافق في رأيهم مع أسخاص ذنبهم الوحيد الاحتجاج عما آلت إليه أوضاع ساكنة الريف والمطالبة بتسريع عجلة الإصلاحات،،، لكن الأخطر في الأمر أو بالأحرى كتلة الجليد التي ظلت مغمورة هي أساليب الاحتجاجات والرموز اللاوطنية التي تم إقحامها في التظاهرات، وكذا اقتحام المسجد من طرف جماعة يوم الجمعة… والأخطر من كل هذا وذاك قيام "شبه عصيان مدني" ورفض أي جلوس أو حوار مع الوفد الوزاري الذي حل بالمدينة بأمر من الملك…. ثم رشق قوات الأمن بالحجارة وإحراق العديد من الآليات والمرافق… ثم بعد كل هذا لجوء والد الزفزافي إلى جهات أجنبية للاستقواء على السلطات المغربية، بربك ياأستاذ ونحن جميعاً أبناء الريف… كيف تنظر إلى كل هذه التفاصيل؟ ألا تحمل ألف معنى ومعنى، وتحياتي

  • موحند
    الأحد 5 غشت 2018 - 14:34

    الشعب المغربي لا ينقصه اي خير سوى الحكم بالعدل وتطبيق القانون على الجميع. اصل كل البلاوات والكوارث البشرية وحتى الطبيعية التي عاشها اجدادنا واباءنا ونحن الان مع اولادنا في المملكة المغربية لها علاقة مباشرة مع انعدام العدل. فعندما ينعدم العدل يسود الظلم والظالمون والمستبدون والمفسدون. الظالمون في المغرب فءة صغيرة ولكن تستمد شرعيتها من الدين والسلطة والمال والنفوذ وتتحكم في كل شيء كالعبيد والرعايا. بالمقابل تجد اغلب الشعب المظلوم يناضل ويكافح ويقاوم ضد المنظومة الظالمة بكل الوساءل وقبل الاستقلال للعيش في حرية وكرامة وعدالة اجتماعية في دولة الحق والقانون وتوزيع الثروة المادية والغير المادية على جميع المواطنين. فنشطاء حراك الريف وزاكورة وجرادة ومختلف المناطق المغربية خرجو للشارع ضد الظلم والظالمين والاعدالة. لانهم يحسون كمغاربة بالدرجة الثالثة حيث جهتهم تنعدم الى الماء والكهرباء والبنية التحتية والمستشفيات والمدارس والجامعات والمعامل بالمقارنة مع الرباط وسلا وما جاورهما. وقبلهم خرجو اجدادهم واباءهم حاملين نفس المطالب. ففي كل لحضة تاريخية تقابلهم الدولة المخزنية بالمقاربة القمعية والاعدل.

  • مواطن
    الأحد 5 غشت 2018 - 23:30

    يحوم المقال حول المسألة ولا يجرؤ على قول ما يريد… لا غرابة في ذلك فهو لا يستطيع!!

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة

صوت وصورة
مضادات "درون" مصنوعة مغربيا
السبت 10 أكتوبر 2026 - 21:30 3

مضادات "درون" مصنوعة مغربيا

صوت وصورة
الدار البيضاء تتضامن مع غزة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 20:15 1

الدار البيضاء تتضامن مع غزة

صوت وصورة
سعر الدجاج بـ24 درهما
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:45 10

سعر الدجاج بـ24 درهما

صوت وصورة
لشكر .. تحالف "البام" والكتلة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:15 8

لشكر .. تحالف "البام" والكتلة

صوت وصورة
صقور السعودية في سماء مراكش
السبت 10 أكتوبر 2026 - 16:32 3

صقور السعودية في سماء مراكش