رحلة الأرواح

رحلة الأرواح
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 00:15

“رحلة الأرواح ستون عاما من العشق”، تقاطُع الذاكرة ولوعةُ المكان

على مستوى التجنيس، فالكتابة السردية تضم أنواعًا مختلفة، والنص الذي نحن بصدده الآن، يمكن تصنيفُه على أساس أنه سيرة روائية غيرية، وذاتية في الآن، غيرية لأنها تستعرض سيرة الجد سي بوشتى وسلالتَه، وصولًا إلى الحفيد الكاتب، وتتقاطع مع مسار سيرته الدراسية والمهنية. يتّضح هذا البُعد السير ذاتي في الفصول الأخيرة من المتن.

على مستوى التقطيع الهندسي لتقنية الكتابة:

يبدأ النص بتوطئة ترتكز على تقديم الجغرافيا، المكان والمُكونات المجالية التي تدور فيها أحداث النص بما فيها: دار الشيخ، المقبرة، المُصلّى، الطُّرُق والمسالك، ثم العناصر البيئية من أصناف الشجر والمغروسات، في احتفاء باذخ بالامتداد الترابي، وتوثيقٍ لمختلف جوانب حياة المجال على غرار: النظام الفلاحي، عادات صلاة العيدين، الاحتفالات الاجتماعية كالعقيقة، موسم الزيتون، حياكة الصوف والغزل، المواسم والاحتفالات الدينية…. ويبدو واضحًا السعيُ السردي للبحث عن الاستثنائي فيما هو يومي، في حياة البُسطاء من الناس إعلاءً لسرديةِ الجماعة الهامشية وإسماعًا لصوت المُغَيَّبِين. كأنما يقول السارد: أنا ابن هذه الأرض والمجال وابنُ هذا التاريخ، فهذا السارد لا يترك كبيرةً ولا صغيرةً مجالية إلا ويُقدّمُها ويبسُطُها في ارتباطٍ سيكولوجي يبلغ حدَّ التماهي.

تبدأ الحكاية من هناك تحت شجرةِ البَرِّية في قلب المكان الروحي للمشيخة، يتنهّد الشيخ بوشتى ليُطلق وصيَّتَه إلى خادمه وظِلِّه العربي الكريمات: “أنا الآن في أعز مكان إلى قلبي. منه أريد أن أترك لك شقًّا من وصيَّتي” ص 9. وممّا جاء في وصية الشيخ / الجد لاحقًا بين عائلته: “لا تُهاجروا من أرضكم وإن هاجَرتم فلا تَقطعوا صلتكم بها” ص36، والآن بعد مُضي 160 عامًا من رحلة العشق والأرواح، ها هو الكاتب الحفيد يأخذ بناصيةِ الوصية، ويَربط جسرًا سرديًا روحيًا هو بمثابةِ ميثاقٍ روحي غليظ.

وقد استأنس السارد بعتبات ومناصات توجيهية، كأنه تشويرٌ سردي يُصاحب القارئ في مسارب 160 عامًا من العشق والحكي، من تلك العتبات مقاطع لجلال الدين الرومي، جاء في إحداها “كل إنسان أقام بعيدًا عن أصله، يظل يبحث عن زمان وصله”، ولعلَّ هذا الوضع المكاني أو البُعد الجغرافي عن الأصل هو ما حفّز السارد على الاستعاضة بالوضع المكاني ليَخُوض رحلةَ البحث عن الأصل عبر الوصال الروحي.

سرديةُ الذاكرة واشتعال الاشتياق

يتأسس النصُّ على حكايةِ سلالة الفلاق، أو الفلالقة، مركزُها الشيخ بوشتى وابنُه البِكر عبد السلام الذي مات كمدًا بعد رفضِ والِدِه زواجَه من شابّة فرنسية خلال بداية الحماية، حيث قضى كمدًا، وانتقالِ هذه المَروية بين أجيال العائلة، فكان الابنُ العريسُ شهيدَ العشق، من هناك يَعرُج بنا السارد إلى زمن الاضطرابات التي أحدَثَها الاستعمارُ وفسادِ السلطة إبّان تضعضُع أحوال الإدارة المخزنية في تلك الفترة، كما يحفل النص بفَراغات وبَيَاضات لتنشيطِ مخيال القارئ، واستدراجِه إلى الفعالية التأويلية والتخييلية الخاصة به كقارئ، إذ يسعى النصُّ لتغطية سرديةٍ تمتدُّ لقرنٍ ونصف عبر أحداثٍ خاطفة ومحطات ووقائع كأنها شظايا تمرّقُ في ذاكرةِ السارد المُلْتاع لوعةَ المُريد المُوَلَّه.

ومن أهم تلك الوقائع التاريخية استدراجُ الطاغية بنمالك لأول مرة إلى زاوية سيدي الغازي حيث كانت تقام احتفالات عيد المولد النبوي، للقصاص منه بخُطّة سرية أُعِدَّتْ على يد مجموعة “الخمسة والعشرين” من فُقهاء الزاوية، وبتنسيقٍ مع شيخها في مُحاكمةٍ شعبية مُدجَّجة بكل الاحتياطات الأمنية والتنظيمية، حيث حُوكِم بالنفي إلى مكان قصيٍّ، وتَتريكه لإعادة المُمتلكات المَسلوبة لذويها، وفي هذا المستوى يؤكد السارد انخراطَ الأهالي والإرادة الشعبية المحلية وقوفًا ضد الجَبروت والطُّغيان الذي ترمز إليه النُّخَب الفاسدة في السلطة. ولعَّه استلهامٌ لروح الماضي من أجل تحفيز الحاضر الآن هنا، واستنهاض الهِمَم تفكيرًا في حاضر الناس هذا.

وكما سبقت الإشارة، عند الفصل الأخير، يُغيّر النصُّ استراتيجيَّتَه السردية، وندخل أجواءَ سردٍ سير ذاتي يستكمل فيه الساردُ مآلات ومصائر الشخصيات من أبناء وزوجات وحفَدَةِ الشيخ بوشتى في تجسيرٍ حكائي بين الماضي والحاضر المُمتد عبر روابط الأجيال، فنُدرك أن دورة الحياة وقانون الموت قد أحكم سُنَّتَه على السلالة، ومحا الأسماء، لكن الحكاية انتصرت، والسردية بقيَتْ، وأمام هذا القانون الكوني للمحو، فالسارد يكتب بمدادِ وترياقِ المحبة، هي سندُه لتجاوُز حتميةِ الموت، فبترياق المحبة والعشق تُونِع الأرواح بعد أن تُمحا الأجساد، وبها تُورِق الحكايةُ، كأن الذين ماتوا مازالوا أحياءَ في الحكاية والأشواق، فالإنسان لم يجد حلًّا لجبرية الموت والمحو، لذلك اخترع أشكالَ الفن والسرد لمواجهة الموت والمحو منذ الجداريات الرمزية الأولى على الكهوف والمغامرات إلى اكتشاف اللغة، وصولًا إلى تعقيدات الفن المعاصر، لذلك قال محمود درويش في ديوانه الجدارية: “هزمَتْك يا موت الفنون جميعُها”، والفلاق اليوم بهذا النص يَسير على خُطى الحكاية والذاكرة والسرد مؤكدًا أن العالم لا يوجد إلا في اللغة، هي وعاءُه وتَجلِّيه، وفي اللغة يسكن الأحبَّةُ ويَحيى الموتى لتستمر حكايةُ العشق والوصال الروحي. وإذا كان الحلاج قد زَفَر زفرَتَه الأخيرة جاهرًا بالقول عند بتر أطرافه قبل صلبه: “إن سجدة في العشق تستحقُّ أن يكون وضوؤُها من دم”، فالسعيد أيضًا يَنزف في هذا النص ويجعل كتابةً في العشق تستحق أن تكون حُرُوفُها من دمٍ ينزف محبةً وشوقًا.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
معاناة سيدي الطيبي
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 18:40 1

معاناة سيدي الطيبي

صوت وصورة
''الطاكسي'' وغلاء الوقود
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 15:54 3

''الطاكسي'' وغلاء الوقود

صوت وصورة
استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 10:58 10

استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا

صوت وصورة
أثمنة اللحم البلدي والمستورد
السبت 24 أكتوبر 2026 - 17:56 7

أثمنة اللحم البلدي والمستورد

صوت وصورة
ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء
السبت 24 أكتوبر 2026 - 14:38 22

ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء

صوت وصورة
قفزة جديدة في أسعار الدجاج
السبت 24 أكتوبر 2026 - 11:48 8

قفزة جديدة في أسعار الدجاج