عفاريت من ورق

عفاريت من ورق
الخميس 18 غشت 2016 - 16:02

الخوف كان يحيط بنا ونتوجس منه في كل مكان و زمان، وكان عملة تشبه الدولار في إنتشار التعامل به.

حتى عندما كانوا يحدثونا عن الرحمن الرحيم ونحن أطفال، كان الخوف هو سيد الموقف؛ فلم يكن هناك من يحدثنا عن الألعاب والمراجيح التي تعج بها الجنة.

الخوف كان يفتك بنا ونحن نسمع عن السلاسل الطويلة والثقيلة التي ستشد الكافر وتارك الصلاة، ونسمع عن دركات جهنم، والنار التي تشكو حرارتها الى خالقها.

كان الخوف يسبقنا الى أقسام مدارسنا، ويلمع العصي التي سنضرب بها، ويتفنن في إعداد وجبات دسمة من الرسوب والفشل.

كان الخوف جارفا، حيث العفاريت والمخلوقات الغريبة تسكن قرانا، وعقولنا، وتمرح في ليالينا الحالكة.

ما أزال اتذكر تلك الكائنات التي لم تكن تنام ولا تغفو أيام ما كنا أطفالا، حيث كانت متعودة على زيارتنا عندما يرخي الليل سدوله، وتحول أحلامنا الى كوابيس.

كم من غول وغولة (ثمزا) عرفناهما عبر الأساطير التي كانت تحكى لنا ليلا. كان الخوف يجعلنا ننكمش ولا حركة تصدر عنا، حتى نوقظ الأهل بصياحنا مذعورين بعد تسرب تلك الكائنات الى أحلامنا.

غالبا ما كان الاطفال ينطلقون جريا نحو منازلهم عند سماع أذان المغرب، تاركين وراءهم اللعب وملاهيهم، ضانين أن تلك المخلوقات الشريرة تتقدم مع حلول الليل لتحتل كل أزقة القرية ودهاليزها.

رافضا ذلك الوضع، قرر محمادي تحدي الخوف. مع حلول الليل، قصد النهر وهو يعلم أن المكان مرتع لتلك المخلوقات الغريبة، فلطالما سمع من أقرانه الأطفال عن أعراس الجن والعفاريت على ضفاف الأنهار.

كان القمر يختفي تارة و يظهر تارة أخرى، وبدأت تتعالى أصوات استطاع محمادي أن يميز فيها بين نقيق الضفادع، ونعيق البوم، وعواء الذئاب من بعيد.

لاحظ محمادي وجود شبح يقلد حركاته فبدأ قلبه ينبض بسرعة ولم يستطع مقاومة الخوف فحاول الهرب، لكن الشبح كان يلاحقه في كل الاتجاهات.

لم يستطع محمادي أن يتعرف على ملامح ملاحقه مما زاد من خوفه فزاد من سرعة جريه، لكن الشبح كان أيضا سريعا.

تعب محمادي فتوقف لاهثا، فإذا بالشبح يتسمر أيضا. ثم جلس على جذع شجرة، ففعل الشبح نفس الشيء.

إندهش محمادي لفعل هذا المخلوق وظن أنه ربما هي فعلة أحد أصدقائه بغية إخافته، فقام وحاول الإقتراب منه، لكن ذلك كان مستحيلا، فكلما خطا خطوة نحو ذلك المخلوق وإلا و تراجع هذا الأخير بخطوة الى الوراء.

جلس محمادي مرة اخرى القرفصاء، وحرك يديه الإثنتين ليتأكد من فكرة أتته على التو، فإذا بالشبح يقوم بنفس الحركة، فصدرت من أحمد قهقهة قوية إرتمى على إثرها أرضا من شدة الضحك وقد إكتشف أن ظله هو الذي أخافه. لكن سرعان ما انتفض من الأرض مرعوبا وهو يسمع صوت أبيه مناديا إياه، فهرع مسرعا نحو المنزل وقدماه تصلان الى رأسه.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • واخمو
    الخميس 18 غشت 2016 - 20:36

    اعتقد ان الاثر المدمر لفضاعة وبشاعة الجرائم اليومية لعفاريت من لحم ودم التي يعج بها واقعنا الحقيقي والافتراضي هو الاخطر والاشد فتكا بناشئتنا من وقع حكايات "اكروض" الغول "إيما تارير" امي تارير"تسردونت نيسمدال" بغلة المقابر وما شابه من كل العفاريت من من ورق.

  • Petchou
    الجمعة 19 غشت 2016 - 22:37

    الحاصل أوما فيه يمكن نلخصو القصة كيف كايقولو لمغاربة في المثال : بنادم كيخاف حتى من ظَلّو !
    أُوباش تقضي على ظلّك خصّك تكون مْسلَّح وسريع بزاف وإلّا ظلك غادي يقضي عليك يعني خاصّك تكون lucky luck
    Lucky Luke l'homme qui tire plus vite que son ombre

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة

صوت وصورة
مضادات "درون" مصنوعة مغربيا
السبت 10 أكتوبر 2026 - 21:30 3

مضادات "درون" مصنوعة مغربيا

صوت وصورة
الدار البيضاء تتضامن مع غزة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 20:15 2

الدار البيضاء تتضامن مع غزة

صوت وصورة
سعر الدجاج بـ24 درهما
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:45 10

سعر الدجاج بـ24 درهما

صوت وصورة
لشكر .. تحالف "البام" والكتلة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:15 8

لشكر .. تحالف "البام" والكتلة

صوت وصورة
صقور السعودية في سماء مراكش
السبت 10 أكتوبر 2026 - 16:32 3

صقور السعودية في سماء مراكش