كوفات وغزالات وأُمّة تنتحر

كوفات وغزالات وأُمّة تنتحر
الإثنين 13 نونبر 2017 - 03:35

وَفتْ غزالة نَذْرها، يا رب لا تغفر لها. هكذا أمسى أهل الكوفة يُرَددون ذات يوم… تُرى ما لِلْقوم وغزالة؟

هي غزالة الحرورية، وتُلقَّب أيضاً بالشيبانية، زوجة شبيب بن يزيد الشيباني، خرجت مع زوجها على عبد الملك بن مروان، وكان الحجّاج حينها والياً على العراق. كانت غزالة تقاتل جنب زوجها، وعُرِف الاثنان بالشجاعة والإقدام. يُحكى أنها طلبت الحَجَّاج، وما أدراك ما الحجّاج، للمبارزة، ففرَّ منها. وفي ذلك قال القائل:

أسدٌ عليّ وفي الحروب نعامةٌ

فَتْخاء تنفرُ من صفير الصَّافر

هلاّ برزتَ إلى غزالةَ في الوغى

بل كان قلبك في جناحيْ طائر

صدعت غزالة قلبه بفوارسٍ

تركت مدابره كأمس الدابرِ

ومن فرطِ اعتزازها بنفسها، نذَرَت أن تصلي ركعتين في مسجد الكوفة عاصمة الحجّاج، وأن تقرأ في الأولى “البقرة” وفي الثانية “آل عمران”. وفعْلاً، دخلت وزوجها الكوفة، فَوَفت نذرها، وتهيَّب الحَجَّاج قتالها…

جُلُّنا قرأ، باستغراب، أو حتى باستهزاء، تصريحات للقائد السابق لحلف شمال الأطلسي الجنرال المتقاعد ويسلي كــلارك. وخلاصةُ ذلكم “الهراء” أن وزارة الدفاع الأمريكية أصدرت في العام 2002 مذكرة تصـف كيــف سَتـُـجهِز الولايات المتحدة على ســبع دول، تبدأ بالعراق، ثم سـوريا، مروراً بلبنان وليبـيا والصـومال والسـودان، وتنـتهي بـإيران. يحكي ويسلي كــلارك أنه لم يسْتَوْعِب شخْصِيّاً هذا “النذر”.

وتأْبى الأيام إلاّ أن تؤكد لنا أن “الغزالة الأمريكية” جادة في نذرها. صحيح أن الجدول الزمني طرأ عليه بعض التعديل، وأن ثمة بلدانا قُدِّمت على الأخرى، لكن الأكيد أن الأجندة مازالت قيد التنفيذ. وتبقى بعض الأسئلة تومئُ برأسها، مثلاً: هل ينتهي نذر السودان فقط بِبتر الجنوب، أم أنه مجرد ركعة أولى ستتبعها ثانية؟

السؤال نفسه يطرح بخصوص ليبيا: هل ستكتفي غزالة بالتقسيم، أم أنها ستبقى لقراءة “آل عمران”؟ وهل ”أُحجِية” استقالة سعد الحريري ستكون شرارة الوفاء بالنذر اللبناني؟ وهل ترضى أمريكا أن يُفسد عليها أحد نَذرها السوري؟ وفي الأخير، هل يجب علينا أن ننتظر حتى تسقط كل هذه الدول حتى نقول: وفت أمريكا نذرها، فيا رب الْعن من ساعدها، أم يجوز لنا أن نعيدها مع كل دولة، خاصة أن “حجَّاج ” كل كوفة يختلف عن الآخر.

لا أظنه النذر الأول ولا الأخير الذي تنذره “الغزالات” حُيال “كوفتنا”. كلنا قرأ عن مؤتمر بازل 1897، نذرت الصهيونية بإقامة دولة يهودية في فلسطين خلال 50 سنة، وفي سنة 1948 وفت الصهيونية نذرها زماناً ومكانا، وخنس الحجّاجات الذين كانوا يوماً ما أسودا على شعوبهم، نعامات في الوغى، فقادوا الأمّة من نكبة إلى نكسة ثم إلى نَعْسة …

صلّت غزالة الخوارج في مسجد الكوفة وانسحبت بجيشها. لكن غزالة صهيون لن ترضى إلا الصلاة في الهيكل، أي على أنقاض المسجد الأقصى، ولا تنوي الخروج بعد ذلك. غزالة البنتاغون أمرها جد ملتبس ومُعقد، فهي لا تخفي عطفها، وأحياناً ولاءها للصهيونية، ولا يمنعها تحالفها مع بعض دول المنطقة أن تجهر بصليبية حملتها. تتلحَّف تارة بدثار الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتارة بحماية الأقليات، ومرة بمحاربة الإرهاب. وقبل هذا وبعده تتكلم جهراً عن مصالحها “المشروعة” في المنطقة.

غزالة الخوارج استمدت “إديولوجيتها” من فهم مغلوط للإسلام، وغزالة صهيون من نبوءة تلمودية. أما البنتاغون ففي مختبراته تتفاعل التوراة بالإنجيل في محلول الدولار تحت نار البترول.

وتأبى الإهانة إلّا أن تسلط علينا غزالة أخرى استعادت أرثوذوكسيَتها بعد أن تلحفت عدة عقود بالماركسية اللينينية. لسنا ندري كم ركعة تنوي صلاتها، ولا بأيَّ ترانيم. كل ما نعرفه أن الحجَّاج نفسه هو من أذَّن لصلاتها في الكوفة الدمشقية.

نظرية المؤامرة، يقول القائل. كانت مؤامرة مع زبغنيو بريجنسكي [1] وبرنارد لويس[2] ومع الجنرال رالف بيترز[3]، أمّا الآن فهي ما بعد المؤامرة، أوْ قلْ ورشة مشتغلة ومشتعلة، وَقُودها العرب والكرد والأمازيغ والفرس والبشتون والطاجيك… والسُّنة والشيعة والإخوان والوهابيون… كل حسب زمانه وإحداثيات كوفته.

لسنا نتكلم عن قضاء وقدر، ولا عن أقلام رُفِعت وصحُفٍ جفَّت، بل عن تخطيط ومدافعة وأخذ بنواميس التاريخ والجغرافية. وإلى أن يتصالح الحَجّاج مع شعبه، ويوقف اسْتِئْساده عليه، ستظل الكوفة موضع نذر وتَنَذُّر.

الهوامش:

[1] مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، ومؤلف كتاب ”رقعة الشطرنج الكبرى” وكتاب ”رؤية استراتيجية، أمريكا وأزمة السلطة العالمية”. البعض يصفه بمؤسس تنظيم القاعدة. https://ia801709.us.archive.org/22/items/ketaby20/008rooyah.pdf

[2] أستاذ فخري بريطاني أمريكي لدراسات الشرق الأوسط في جامعة برنستون. يوصف بأنه أحد أهم علماء الشرق الأوسط الغربيين، واشتهر بوضعه خريطة جديدة للعالم الإسلامي بدويلات جديدة.

[3] كاتب مقال ”حدود الدم.. كيف سيبدو الشرق الأوسط بصورة أفضل”. وضع هو الآخر خريطة جديدة للشرق الأوسط.

http://www.alzaytouna.net/arabic/data/attachments/2012/ME_Blood_borders_6-12.pdf

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • يوفانتيس
    الإثنين 13 نونبر 2017 - 07:18

    السيناريو الذي يعيشه الشرق الاوسط حاليا كان في البداية سينفد في المغرب العربي مباشرة بعد جلاء الاستعمار الا ان الغرب غير فكرته بعد وفات فرانكو واعادة النظام الملكي لاسبانيا فالمصير سيكون واحدا على الامة بشرقها وغربها وشمالها وجنوبها .

  • جليل نور
    الإثنين 13 نونبر 2017 - 07:39

    حرام عليك سي يوسف كيف تشبه سيدة رائعة حاربت طاغية دمويا مثل الحجاج ب"ماما أمريكا" العدوانية؟..ألم يكن العكس أصح، اليانكي/الحجاج؟..الإثنان كل في زمنه و بوسائله امتهنا كرامة و سفكا دماء أهل الكوفة و غير الكوفة، و دماء و دموع الضحايا الأبرياء شاهدة عليهما يوم الحساب..مقال تشكر عليه، لكن لا للأسف تشبيه غير موفق!

  • الحجاج بن يوسف الثقفي
    الإثنين 13 نونبر 2017 - 09:38

    أبو محمد الحجاج بن يوسف الثقفي (40 – 95 هـ = 660 – 714 م)، قائد في العهد الأموي، ولد ونشأ في الطائف وانتقل إلى الشام فلحق بروح بن زنباع نائب عبد الملك بن مروان فكان في عديد شرطته، ثم ما زال يظهر حتى قلده عبد الملك أمر عسكره.
    أمره عبد الملك بقتال عبد الله بن الزبير، فزحف إلى الحجاز بجيش كبير وقتل عبد الله وفرق جموعه، فولاه عبد الملك مكة والمدينة والطائف، ثم أضاف إليها العراق والثورة قائمة فيه، فانصرف إلى الكوفة في ثمانية أو تسعة رجال على النجائب، فقمع الثورة وثبتت له الإمارة عشرين سنة.
    بنى مدينة واسط. ومات بها، وأجري على قبره الماء، فاندرس. وكان سفاكا سفاحا مرعبا باتفاق معظم المؤرخين. عُرف بالمبيد.

  • مهتم
    الإثنين 13 نونبر 2017 - 11:51

    نعم لازلنا نتعاطف مع بعض فرق الخوارج التى حاربت الظلم و الانفراد بالسلطة ، لكن ذلك لا يمنعنا من استهجان موقفهم من امير المؤمنين علي ابن ابي طالب . ما اشبه اليوم بالامس فنحن نتعاطف مع كل من حارب الطغيان و الاستبداد لكننا نحنق عليهم حين يستهدفون الناس البسطاء .
    اما مقارنة غزالة الحرورية بعنجهية الولايات المتحدة فلا شك ان الامر فيه شيء من التجني على غزالة ، يبقى الناظم بين الطرفين ان كلاهما نذر و كلاهما وفى بنذره.

  • مهتم٢
    الإثنين 13 نونبر 2017 - 12:46

    المفارقة في الفكر الخارجي انه ابتدأ عنيفا لا يعرف وسطية ، لينتهي الى اباضية مسالمة لا تسمع عنها حسا ، اللهم وساطات دولة سلطنة عمان. و هي للامانة وساطات غالبا مل تكلل بالنجاح. هناك بعض " الخوارج " في دولة الجزائر الشقيقة يعرفون بالمزاب ، ليس عندي معلومات اضافية عنهم سوى انهم مهادنون و لا يتبنون الفكر الخارجي الاصلي.

  • المهدي الصالحي
    الثلاثاء 14 نونبر 2017 - 17:23

    المهدي الصالحي

    شكراً جزيلاً أستاذ يوسف أن عرفتنا بقصة غزالة الحرورية وشجاعتها في محاربة الحجاج.
    طبعا ينبغي أن لا ننتظر أن يوفي المستكبرون بعهودهم في استباحة محارمنا، بل علينا أن نعد العدة مجتمعين كشعوب وككيانات لمواجهة الطغاة، خاصة بعدما أسلس القادة العرب القياد للعدو الخارجي…
    لا زالت ضحكتك المتميزة هي نفسها … بعد مرور أكثر من 20 سنة ههههههه
    خالص التحية صديقي الكريم

صوت وصورة
جلسة ماراطونية في ملف حامي الدين
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 00:10

جلسة ماراطونية في ملف حامي الدين

صوت وصورة
صناع يتألقون في معرض الفرس
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 22:37

صناع يتألقون في معرض الفرس

صوت وصورة
سفارة مصر تحتفل بذكرى أكتوبر
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 21:27

سفارة مصر تحتفل بذكرى أكتوبر

صوت وصورة
الهوية المتوسطية بأكاديمية المملكة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 19:53

الهوية المتوسطية بأكاديمية المملكة

صوت وصورة
يوسف .. زراعة الرئتين أمل النجاة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 15:27 7

يوسف .. زراعة الرئتين أمل النجاة

صوت وصورة
معرض الفرس والسلامة الطرقية
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 13:02

معرض الفرس والسلامة الطرقية