مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يحدث أمرٌ عجيب في حياتنا السياسية: السياسيون الذين بحثنا عنهم طوال الولاية، يبدؤون فجأة في البحث عنّا.
تختفي المسافات، وتذوب الحواجز، وتصير يد السياسي طويلة بما يكفي لتبلغ كتف المواطن، وابتسامته واسعة بما يكفي لتغطّي خمس سنوات من الغياب. إنها المعجزة الانتخابية.
فجأة يصبح المواطن «عزيزاً»، و«شريكاً»، و«صاحب القرار»، بل «منبع الشرعية»… أوصافٌ جميلة، لولا أنها تنتهي غالباً بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع.
في هذا الموسم، لا يحتاج السياسي إلى «العقد الاجتماعي» كما تخيّله روسو؛ يكفيه عقدٌ أبسط: صورة، ومصافحة، ووعد، ومنشور على وسائل التواصل. عقدٌ بلا بنود، وبلا التزام، وبلا طرفٍ يُحاسِب؛ حتى ليخيّل إليك أن المشكلة ليست في أن الدولة وحشٌ كبير كما خشي هوبز، بل في أن بعض الوعود وحوشٌ صغيرة، تُولَد قبل الانتخابات وتموت بعدها مباشرة.
وهنا يجد المواطن نفسه أمام سؤالٍ قديم: هل أنا مواطن أم مجرد ناخب؟ المواطن كائنٌ له حقوق وواجبات وذاكرة ومطالب، أما الناخب فيُستدعى عند الحاجة ثم يُعاد إلى وضعية الانتظار.
والأغرب أن بعض الحملات تتعامل مع الذاكرة الشعبية كأنها ذاكرة هاتف قديم: «امسح البيانات السابقة… وابدأ من جديد».
اذهب إلى أيّ خرجة انتخابية وسترى المشهد نفسه: خيمة على قارعة الطريق، أكوابُ شايٍ تدور، صفٌّ من المصافحات، ووعدٌ بطريقٍ معبّدة أو مستوصفٍ «هذه المرة». تُلتقط الصورة، ثم تُطوى الخيمة، ويبقى الطريق كما هو.
ولا أحد يتحدث كثيراً عن الحصيلة. لا أحد يسأل بما يكفي: ماذا تحقّق؟ وماذا لم يتحقّق؟ ولماذا لم يتحقّق؟ ومن يتحمّل المسؤولية؟ بدل ذلك نسمع الكلمات السحرية نفسها: التنمية، الشباب، التشغيل، العدالة الاجتماعية، الإصلاح، الكرامة… كلماتٌ جميلة إلى حدّ أنها تعيش طويلاً حتى بعد أن تموت المشاريع التي وُلدت باسمها.
ثم تبدأ الخرجات. السياسي يخرج إلى المواطن، والمواطن يخرج لاستقباله، والمصوّر يخرج لالتقاط الصورة، والصورة تخرج إلى المواقع… ويبقى السؤال الوحيد: من خرج فعلاً من وضعه في هذا كله؟ قد يكون المواطن هو الوحيد الذي لم يبرح مكانه.
المفارقة أن الديمقراطية يُفترض أن تجعل السياسي في خدمة المواطن، لكن الموسم يقلب المعادلة مؤقتاً: المواطن يخدم الصورة، والصورة تخدم الحملة، والحملة تخدم الحزب، والحزب يخدم البرنامج، ثم يأتي البرنامج ليطلب من المواطن… الصبر. وهكذا يصير الصبر بدوره بنداً في البرنامج الانتخابي.
لكن لا ينبغي أن نُحمّل السياسي وحده الوزر، فالسياسة مرآة المجتمع أيضاً. إذا راهن بعضهم على الذاكرة القصيرة، فلأن بعضنا يمنحهم فرصة اختبارها كل مرة؛ وإذا باع أحدهم الوهم، فهناك دائماً من يشتريه بالتقسيط.
غير أن جذر المشكلة أعمق من النسيان. المسألة ليست أن ذاكرتنا قصيرة فحسب، بل أننا لا نملك، بين استحقاقٍ وآخر، أداةً حقيقية للمحاسبة: لا مؤسسة يدخلها المواطن ليقول «هذا ما وُعِدتُ به، وهذا ما لم يتحقّق». وحين تغيب المحاسبة، يتحوّل الصوت من تفويضٍ إلى صفقة، ويصير الوعد سلعةً موسمية لا التزاماً دائماً.
لذلك، ربما نحتاج قبل الانتخابات إلى حملةٍ من نوعٍ آخر: حملة ضد النسيان. حملة يسأل فيها المواطنُ المرشّح: أين كنت طوال هذه السنوات؟ ماذا فعلت؟ ماذا عارضت؟ ماذا اقترحت؟ ماذا حقّقت؟ وماذا ستفعل هذه المرة، غير تغيير صورة البروفايل؟
فالانتخابات ليست حفل عودةٍ للسياسي إلى المواطن، بل موعدٌ لعودة المواطن إلى ذاكرته. وفي ديمقراطيةٍ ناضجة، لا يكون السؤال «من سيعطيني أكثر؟» بل «من يستحقّ أن أمنحه سلطة تمثيلي؟». فالسلطة ليست هديةً لمن يجيد المصافحة، ولا مكافأةً لمن يملك أكبر عدد من الصور، ولا جائزةً لأعلى صوتٍ على المنصّة. السلطة أمانةٌ مؤقتة — وهذا وحده جوهر العقد الذي بدأنا به: طرفان يلتزمان، لا طرفٌ يَعِد وطرفٌ ينتظر.
وأخطر ما قد يصيب الديمقراطية ليس أن يكذب السياسي، بل أن يعتاد المواطن سماع الكذب حتى يصير جزءاً من الفولكلور الانتخابي.
فمرحباً بالخرجات الانتخابية… لكن قبل أن نخرج لاستقبال السياسيين، علينا أن نخرج قليلاً من ذاكرتنا الانتقائية. فبعض الوجوه لا تعود إلى المواطن لأنها اشتاقت إليه… بل لأنها تذكّرت موعد الانتخابات.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.