اللغة والايديولوجيا في الإشهار الدولي المترجم إلى العربية

اللغة والايديولوجيا  في الإشهار الدولي المترجم إلى العربية
الأحد 6 مارس 2016 - 22:43

كتاب فريد ومفيد صدر مؤخرا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بدولة قطر للأكاديمي الجزائري محمد خاين تحت عنوان:”الإشهار الدولي والترجمة إلى العربية: رهانات الاحتواء وأكراهات والثقافة” يسلط الضوء من خلال مقاربات سوسيوثقافية ولغوية على أبعاد وعلاقات النص الإشهاري المترجم، وحدود امتداداته النصية واللغوية بعد العملية إياها.

يستفيض الكاتب في البحث عن الحمولات الثقافية والأيديولوجية وعملية النقل العصيبة التي تؤول النص الأصلي وتعيد صياغته من جديد ليكون قادرا على مواكبة ما سماه بإرادة القولالتي يريد المشهر تمريرها من خلال رسالة ما.

ومن أهم ما ميز الكتاب التحفة انطلاقه من مؤسسات سوسيولسانية تواصلية، اعتمادا على دلالات النص الإشهاري المترجم، بتحديد منظومات الاعتراض الترجمي العلمي وممكناته على مستويات عدة منها الأنساق اللغوية واللسانية والتواصلية. وهي الإشكاليات التي توفق محمد خاين في رصد آبرز تناولاتها، حيث قام بوضع القارئ أمام كثلة دافقة من الأسئلة المعرفية، وذلك بالإجابة التكتيكية عن تمايزات الترجمة والعلامة الإشهارية، بما هي لغات وتعالقات نصية ودلالية،والمعوقات اللسانية التي تحصر النص المترجم وتجعله غير قابل للمواءمة التقريبية، ثم العوامل غير اللسنيةالموجهة للمترجم النصي الإشهاري. والعلاقات الأيقونية التي ترافق النصاللساني في الفضاء الإعلاني، وما مكيفاتها السوسيوثقافية تجاه اللغة المنقول إليها؟.

لا أريد هنا تقدير وتقييم الكتاب على أسس نقدية توظيفية صرفة، لأن محاولات للتدليل على هذا المنحى سيضعني في مأزق التحليل أو التفكيك غير المنطقي، حيث إن مشروعا لا يمكن تحديده في دائرة معينة، كما أن المغامرة غير مضمونة العواقب، مادام الاحتيال على النص المقروء يعتبر أساسا ضربا من ضروب الغوض في ثنايا استشكال غير مسبوق، بل إنه ضرب من ضروب كسر الثنائيات: الدال والمدلول/ الواقع والمثال.

وعليه فإنني أواكب فقط لمعا من تجليات تلك المفاهيم وأجهزة التحقيق الاستراتيجية التي تقوم عليها مدخلات الكتاب. ومن أهمها محور مركزي تغلغل فيه الكاتب بارتفاع متمكن، أضحت فيه لغة التخصيص بؤرة انتقالية وبرهانية تمثل في جانب منها خلخلة لمعاني اللوغوس وتوثيقا لتشاكلاتها وحضورها في الوعي الجمعي المتابع.

أعترف أن عناصر الإثارة في كل هذا وذاك استرداد الباحث في أولى اختياراته التقديمية للأجهزة المفاهيمية الأكثر تأثيرا في الرسالة الإشهارية، بوصفها ذات فاعلية وفعالية تداولية، مستنطقا، بذكاء فيلولوجي مبدع العلامات المؤسسة للماركات الاشهارية ووظائفها المرجعية والموضوعاتية والاثباتية، وكلها أسس استراتيجية في العمود الفقري للوظيفة التداولية التي يقوم عليها الوازع الاشهاري وهوياته.

ويزيد الاعجاب توسعا ومراهنة على الحداثة والتجديد في المواضعة على الخلفيات والمرجعيات الفكرية المعتمدة في مستويات البحث، وبخاصة في تأ؛يره للعلامات اللغوية وأفعالها المقابلة إشهاريا.

ويعتبر محور الإشهار بوصفه فعلا لغويا في الكتاب المعني جانبا تأسيسيا للمهمات التداولية للاشهار، ليس بتناول البنى اللسنية في ذاتها، ولكن أيضا الاهتمام بعمليات تحليل اللغة بمختلف طبقاتها المقامية، على أساس “آنها كلام محدد صادر عن متكلم معين، وموجه إلى مخا؛ب بذاته، بلفظ واضح، في مقام تواصلي معلوم، بغية تحقيق غرض تواصلي بين. وكذلك لكونه يمثل نمطا متفردا ومتميزا..” حسب تعبير الباحث.

وفي انتقاله من المستوى النظري إلى التطبيقي يضعنا المؤلف أمام مأزق استفهامي خطير، إنها ماهية تجليات هذه النظزية على مستوى الاشهار؟ يخلص فيها بعد خبرة وتخابر مع أفعال الواقع اللغوي وشروط اندماجه وتماسكه وقصدية إنتاج الملفوظات وتأويلها إلى أن الفعل اللغوي يتمظهر من خلال الطريقة التي يقدم بها المنتج لسانيا، حيث :”يجري تغييب جميع المقاصد النفعية والتجارية، ويعاد تحميله بمجموعة من القيم مثل الصحة والطبيعة..”.فتوظيف اللغة في آليتي التقرير والايحاء في تمرير رسائله،وفق نمطية ما يسميه بارت بالمفارقة، باعتمادها ،أي اللغة ، وسيلة للتدليس، تتحول حسب المؤلف “من مجرد كونها وسيلة اتصال مثلى بين الفاعلين الاجتماعيين، إلى آلية لمجموعة من الادعاءات التي تعدم الإثبات، وذلك بوساطة بعض الحالات اللسانية..”.

ويفرد الباحث محمد خاين فصلا كاملا لارتدادات هذه المفارقة البارتية على الهوية والسلوك اللغوي، في أبعاده الثقافية والتربوية، مع تأثيرات ذلك على الخصوصيات المحلية. وهكذا ينطلق صاحب الكتاب من فجوة المؤثرات العولمية، التي تصير النص بوصفه بنية سطحية في شكل فيزيائي يكون عرضة لتقاطعات لسانية وغير لسانية.

ومن ثمة فمقاربة الكاتب لمستوى مضمون الرسالة الاشهارية المتمثلة في البنية العميقة للنص المترجم، تحت إخضاعه لجملة من التحويرات وسمها المؤلف بإكراهات العولمة، مستخلصا تكريس ثقافة الاختراق والاحتواء للآخر المستلب، هي مقاربة تعبر تكتيكيا نحو إعادة تصحيح مفاهيم التحولات الكبرى في مجال الاعلام والاتصال، وانحراف تحوير مفهوم المحلية.

وأجزم خاين انجراف هذه التحولات الخطيرة بفعل الثورة الرقمية واختراق الحدود الجيوسياسية، مع ما يرافق هذه المتغيرات من تمظهرات تشكل أنظمة سياسية واقتصادية وصناعية وتجارية، ما أثر بشكل مباشر في بروز ما يسمى بالتنوع الثقافي والإثني، علاوة على قيام الشركات متعددة الجنسيات بالتمدد في بلدان العالم وفرض اندماجات اقتصادية وثقافية وسياسية.

من أهم الاختراقات العولمية للنص الاشهاري ما خص له المؤلف في بحثه عنوانا مثيرا سماه “التعاقب اللغوي” وهو ما يعرف حسب الكاتب بتجاور تراكيب تنتمي للغتين مختلفتين أو أكثر، مشكلة بذلك نصا مكتملا على مستوى بنيته السطحية من دون أن يشعر المتلقي أن فيه إقحاما أو عدم تجانس بين اللغات الموظفة، وقد قام المؤلف في إطار تدبيه للإشكالية بتفصيل الظاهرة انطلاقا من مرجعياتها وإوالياتها، موضحا أن المعاجم المختصة قدمت هذا الاختراق، كظاهرة لسانية اجتماعية على أنها استراتيجية تواصلية، يستخدم من خلالها الفرد أو الجماعة تنوعين لسانيين أو لغتين مختلفتين في المقام الاتصالي الواحد.

ومثل المؤلف هذه التعاقبات اللغوية بمجموعة من النصوص التي أطلقها العاملون في سوق خدمة الهاتف المحمول، في السياق السوسيواقتصادي الجزائري، والتي اعتمدوا فيها عملية المزج والتهجين بين مجموعة من الأنساق اللسنية العائدة إلى العربية الفصحى، والعاميةالجزائرية والفرنسية والانكليزية، الأمر الذي يدلل، يقول خاين،على أن التهجين أصبح يشكل للإشهاريين الجزائريين مادة أساس يسترفدون منها بغية جذب انتباه المستهلكين وحملهم على الامساك بواقع صنع بوساطة اللغة، مع أن هذا الواقع في حقيقة الامر هو الذي صنع نفسه، يقول خاين.

أما الترجمة التي تستأتر بسلطة تدجين النص واستيلابه فيعرفها الكاتب بوصفها أداة لإظهار التمايز والاغتراب وإبقاء مسافة التباعد مع الآخر، واعترافا بالايديولوجيا، فهي ايضا احدى تحققات الاختراق العولمي المتمظهر في النصوص الاشهارية للثقافات المحلية. وهي التي يلجأ فيها المترجم إلى ممارسة فعل ترجمي يعرف في حقل الاشهار بالتكييف، بغية اخفاء ما قد يثير حساسية الشعوب المخاطبة.

ومن أهم عمليات الاختراق وضع النص الاشهاري في لغة المصدر يراعى فيه قابلية الترجمة.

ويخلص الكاتب في هذه المدارة التحليلية الى ارتباط الترجمة بالعولمة، فهي اداة من ادواتها المحققة لها، حيث يتحقق الانزياح من مفهوم الامانة للمصدر الى الامانة للهدف.

وكما وضع المؤلف لهذه الترجمة الاشهارية رهانات تقوم عليها وتتقوى بقواعدها، من الاقتصادي والثقافي والسوسيوثقافي والقانوني والايديولوجي، فإنه لم يخف قلقه من تأثيراتها على منظومة القيم والسلوكات المحلية، على الأقل في الوعي بالمؤشرات والقرائن ذات الطبيعة الثقافية الايديولوجية من أجل مقاربة المكون الثقافي.

صاحب الكتاب الجدير بالقراءة المتعددة، لسنيا وحفرا اركيولوجيا لغويا عمل على وضع الاطار التاريخي والمرجعي للترجمة الاشهارية ووثق لمعظم النظريات الخطابية في الشأن، انطالقا من النظرية المعادل الدينامي والمدرسة الالمانية الى نظرية انماط النصوص ونظرية الاهداف الانجليزية، مستوحيا في سياق هذه القطائع الابستمولوجية الى بسط جملة من معايير الترجمة الاشهارية.

الكتاب تحفة معرفية اعلامية بديعة، أبرز عبر مقاربة اكاديمية ناذرة في موضوع لم يسبق إليه إلا في محطات تعميمية، وصادرة عن باحث لسني جزائري مرموق، أهم قضايا الاعلام الاشهاري العولمي الذي يشكل في علاقاته بالثقافات والتعدديات شكلا من أشكال التسلطية الامبريالية الجاثمة على صدور البلدان العربية المتخلفة.

إننا بحاجة ماسة الى مثل هذه الابحاث العلمية المشرفة، حيث يمكن تقويض المفاهيم السلبية للخطابات الاعلامية الموجهة، من خلال صياغة اسس جديدة للمثن الاشهاري وتعديله وتكييفه بحسب الخصوصية الثقافية المحلية، حتى لا يستمر الاجهاز على العقل العربي، الذي استنزف وأقبر في ثلمة لن يعرف مآل انبلاجها، على الأقل في راهن يغلي عشوائية وتخبطا وانفلاتا مريبا.

[email protected]

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • amahrouch
    الإثنين 7 مارس 2016 - 08:59

    Je n ai pas lu l article mais j ai envie d écrire ceci:il vaudrait mieux appeler appeler le Maghreb maghreb français au lieu de Maghreb arabe.La langue française y est présente et aimé plus que l arabe,géographiquement nous sommes situés près de l Europe.La France est un pays développé et sa culture véhicule des valeurs humaines etc.S aligner aveuglement sur l Arabie où l exploitation de l Homme par l Homme persiste encore est m est incompréhensible.

  • الافريقي
    الإثنين 7 مارس 2016 - 20:25

    الى البحار1،لاتستهزء من القراء لم تقرء النص ولاتعرف المعنى المقصود به وتعلق خارج العرض بلغة اجنبية وباسلوب رديئ ، ها ! لقدنجحت فعلا الايديولوجية الفرنكوفونية في انتاج الجيل الاول الاول من ااممانعين ..؟

  • amahrouch
    الإثنين 7 مارس 2016 - 23:51

    au n 2 l africain.D abord j ai dit que je n avais pas lu le texte et vous me le reprocher,ça veut dire que tu ne comprend pas très bien le français.Deuxièmement tu n arrives meme pas à écrire trois lignes sans faute en arabe.Troisièmement vous n avez rien à dire,vous ne discutez pas les idées,vous etes nuls c est pourquoi l Arabie a son emprise sur vous

  • Assouki Le Maure
    الأربعاء 9 مارس 2016 - 13:05

    اعد النظر في تعليقك الثاني وصحح اخطائك بنفسك، وكف عن التباهي بلغة (ديدرو) فهي تاريخ حروب و وحروب ديانات وثقافة جماعات وثورة تنويرية واستعمار للقارات و عقلية امبيريالية, كتاباتك باللغة" الفرنسية" سقيمة . هكذا درسنا شخصية الفرنسيين في بداية ستينيات القرن الماضي، قليل هم من اخترقوا تاريخ العقل الفرنسي ك: سي محمد الشرقاوي و سي عبد الله العروي وو اما الاخرون فما زالوا فرانكو فونين برواياتهم واشعارهم وسكيتشاتهم المازوشية…ولقاءاتهم التلفزية .

صوت وصورة
الاتحاد الاشتراكي يواصل حملته بالرباط
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 22:12 1

الاتحاد الاشتراكي يواصل حملته بالرباط

صوت وصورة
قاطنو المحج يطالبون بالإنصاف
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:50

قاطنو المحج يطالبون بالإنصاف

صوت وصورة
مسيرة الاتحاد الاشتراكي في البيضاء
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:33 2

مسيرة الاتحاد الاشتراكي في البيضاء

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | محمد شوكي
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:02 4

الطريق إلى الانتخابات 2026 | محمد شوكي

صوت وصورة
شراكة أوروبية مغربية بالذكاء الاصطناعي
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 20:30

شراكة أوروبية مغربية بالذكاء الاصطناعي

صوت وصورة
الاستفادة من الزيادة في الحد الأدنى للأجور
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 20:00 4

الاستفادة من الزيادة في الحد الأدنى للأجور