للتحالفات ثمن، وللتخلي عنها ثمن أيضا. وهذه المقارنة تغيب كثيرا عن النقاش حول علاقات المغرب بالولايات المتحدة وإسرائيل والإمارات العربية المتحدة. إذ ينشغل بعض المنتقدين بما تفرضه هذه العلاقات من تنازلات، وما تثيره من تحفظات سياسية وأخلاقية، دون أن يمنحوا الاهتمام نفسه لكلفة البدائل. والحال أن السياسة الخارجية تُقاس بنتائجها: بالأمن الذي توفره، والمصالح التي تحميها، والقدرة التي تمنحها للدولة على اتخاذ قرارها باستقلالية.
والمغرب يتحرك في محيط لا يسمح بالاستخفاف بهذه الحسابات. فمن الشرق، يفرض دعم الجزائر للبوليساريو والتنافس الإقليمي معها يقظة دفاعية ومجهودا دبلوماسيا مستمرا. ومن الشمال، تجمعه بإسبانيا وبقية الشركاء الأوروبيين مصالح واسعة، لكنها تتعايش مع خلافات وضغوط وتفاوت في موازين القوة. وفي الحالتين، تزداد أهمية امتلاك شركاء مؤثرين وخيارات متعددة.
وقد أظهرت التوترات المحيطة بأزمة سبتة كيف يمكن لخلاف مع مدريد أن يمتد إلى المؤسسات الأوروبية. صحيح أن أوروبا لا تتحدث دائما بصوت واحد، وأن داخلها مصالح ومواقف يستطيع المغرب الاستفادة من اختلافها، لكن قدرته على التفاوض تصبح أقوى حين يستند أيضا إلى علاقات وازنة خارج هذا الفضاء. فالشريك الذي يعرف أنك لا تملك بديلا عنه يستطيع أن يطلب منك أكثر، بينما يضطر إلى مراعاة مصالحك حين تكون أمامك خيارات أخرى.
ولو كان المغرب يفتقر إلى شراكة مع قوة بحجم الولايات المتحدة، وإلى علاقات دولية متنوعة، لأتاح لإسبانيا وبعض القوى الأوروبية مجالا أوسع لفرض شروطها وتكريس علاقة غير متكافئة معه. لذلك فإن تنويع الشراكات ضرورة لحماية التوازن في العلاقة مع أوروبا نفسها، ولجعل احترام المصالح المغربية أكثر جدوى من محاولة إخضاعها للضغط.
وينطبق هذا المنطق، بصورة مختلفة، على العلاقة مع الجزائر. فمغرب أقل جاهزية عسكرية وأكثر عزلة دبلوماسية سيمنح القيادة الجزائرية هامشا أوسع للتصعيد واختبار قدرته على حماية مصالحه. وفي ملف الصحراء، يشكل الدعم الدولي عنصرا مؤثرا في موازين القوى. ويكفي استحضار الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية لإدراك أهمية هذا السند. يمكن مناقشة كلفته وحدوده، لكن يصعب تجاهل قيمته السياسية.
في هذا السياق، تتضح أهمية الشراكات مع الولايات المتحدة وإسرائيل والإمارات: تعاون دفاعي وسند دبلوماسي مع واشنطن، وتعاون أمني وتكنولوجي مع إسرائيل، واستثمارات وشراكة اقتصادية وسياسية مع الإمارات. وهي علاقات مختلفة في طبيعتها، ولا تشكل حلفا عسكريا موحدا أو ضمانة تلقائية للتدخل عند الأزمات. لكن قيمتها تكمن في القدرات التي تتيح للمغرب اكتسابها، وفي الخيارات التي تضيفها إلى أدواته التفاوضية.
أما الاعتراضات الداخلية، وخصوصا على العلاقة مع إسرائيل، فتستحق نقاشا جادا. فالقضية الفلسطينية تطرح اعتبارات أخلاقية وسياسية لا يجوز الاستخفاف بها. لكن الدعوة إلى القطيعة تقتضي أيضا تقدير نتائجها: ماذا ستضيف للفلسطينيين؟ وما الذي سيخسره المغرب؟ وكيف سيعوض ما قد يفقده من قدرات وشراكات؟ وبالمقابل، فإن الدفاع عن استمرار العلاقة يقتضي إدراك حدودها، فالاشتراك في مصالح محددة لا يلزم المغرب بتأييد جميع سياسات الطرف الآخر.
وتخضع الانتقادات الخارجية للمعيار نفسه. فمن يعترض على شراكات المغرب بدعوى الحفاظ على التوازن الإقليمي، عليه أن يطبق منطقه على تسليح خصومه وتحالفاتهم. ولا يمكن مطالبة الرباط بأن تجعل أمنها رهينا بتفضيلات أطراف لا تتحمل معها تبعات قراراتها. فالمغرب، مثل غيره من الدول، مسؤول عن حماية مصالحه واختيار الوسائل التي تخدمها.
ويشمل ذلك بعض الأصوات في العالم العربي التي تعترض على اختياراته الاستراتيجية. فما الدعم العملي الذي قدمه أصحاب هذه الاعتراضات للمغرب خلال أزمة سبتة؟ وما الجهود الدبلوماسية التي بذلوها للدفاع عن موقفه في قضية الصحراء؟ إن التضامن الذي يُستدعى للاعتراض على قرارات المغرب ينبغي أن يُقاس أيضا بما يقدمه له عندما تتعرض مصالحه للضغط. فالاشتراك في اللغة والثقافة والتاريخ لا يكفي وحده لضمان المساندة السياسية.
وللمغرب، بطبيعة الحال، شركاء عرب قدموا دعما يستحق التقدير، ومنهم من ترجم موقفه إلى خطوات ملموسة، مثل فتح قنصليات في الأقاليم الجنوبية، لكن هذه المواقف لا تعني وجود تضامن عربي موحد يمكن الاعتماد عليه في كل أزمة. ولذلك يظل من حق المغرب البحث عن الدعم خارج هذا الإطار، بحسب التزامات كل طرف ومواقفه الفعلية. فلا يستقيم أن يُطلب منه تحمّل مخاطر أزماته، ثم يُراد اختيار شركائه نيابة عنه.
غير أن الدفاع عن هذه الشراكات يفرض قدرا مماثلا من الواقعية تجاه أصحابها. فالحلفاء لهم مصالحهم، وينتظرون مقابلا لدعمهم، ويسعون إلى حماية شركاتهم وتوسيع نفوذهم. والعلاقات الدولية تقوم على الأخذ والعطاء؛ لا نستطيع فيها الحصول على كل ما نريد، ولا تكفي مشاعر الرضا والغضب وحدها لاتخاذ القرار. والمسؤولية السياسية تقتضي اختيار أقل البدائل ضررا وأكثرها حفظا للمصالح الأساسية، مع الحد من التنازلات ومنع تحوّل التزام مرحلي إلى تبعية دائمة.
وقد يرغب الشريك في مغرب مستقر ومزدهر، ثم يتراجع عن ذلك حين يصبح هذا المغرب منافسا صناعيا أو يكتسب تكنولوجيا تقلّص حاجته إليه. ولا تنفرد أوروبا بهذه الحسابات؛ فقد يفضّل أي حليف الاحتفاظ بزبون لسلاحه، أو سوق لمنتجاته، أو شريك يحتاج باستمرار إلى دعمه السياسي. ولذلك ينبغي أن تُدار العلاقة مع الحلفاء بالوعي نفسه الذي تُدار به العلاقة مع المنافسين، وإن اختلفت الأدوات والأهداف.
وفي قضية الصحراء، تمنح أهمية الدعم الدبلوماسي الدول التي تقدمه قدرًا من التأثير. وهذا لا يثبت أنها تريد إدامة النزاع، لكنه يفرض توسيع دائرة المساندة وترسيخ المصالح المتبادلة، حتى تقل قدرة أي طرف منفرد على تحويل موقفه إلى ورقة ضغط. فتغيير الشركاء لن يحقق استقلالا أكبر إذا انتهى إلى استبدال اعتماد مفرط بآخر.
وهنا تكمن صعوبة التدبير السياسي: كيف نحصل على ما نحتاج إليه اليوم، ونبني في الوقت نفسه القدرة على تقليص حاجتنا إليه غدا؟ البداية هي التقدير الدقيق لإمكاناتنا وأوراقنا التفاوضية. فالموقع الجغرافي، والبنيات التحتية، والعلاقات الإفريقية، والتعاون الأمني، وفرص الاستثمار، كلها عناصر قوة تتوقف قيمتها على حاجة الآخرين إليها، وحسن توظيفها، وتوقيت استخدامها. والتفاوض يقتضي معرفة ما نستطيع انتزاعه، وما يمكننا رفضه، وحجم الضغط الذي نقدر على تحمّله.
وتندرج القوة العسكرية ضمن هذه المعادلة. فالردع يحتاج إلى تسليح وتكنولوجيا وكفاءات، وإلى اقتصاد يمولها وإرادة سياسية تسندها. ولا يشترط التفوق الشامل على جميع الأطراف، بل قدرة موثوقة تجعل الخصم يدرك أن كلفة الاعتداء ستفوق مكاسبه. وشراء المعدات خطوة في هذا الاتجاه، لكن اكتساب المعرفة وتكوين الكفاءات وتطوير الإنتاج الوطني يمنح هذه القوة استمرارية واستقلالا أكبر.
لذلك ينبغي ترتيب الأولويات على آجال مترابطة. على المدى القصير، حماية الأمن وتثبيت المكاسب الدبلوماسية وتجنب المواجهات المستنزفة. وعلى المدى المتوسط، تحويل الشراكات إلى فرص لاكتساب المعرفة وتطوير الصناعة المحلية، مع تنويع الأسواق ومصادر التمويل والتكنولوجيا. أما على المدى الطويل، فالرهان هو بناء قاعدة علمية واقتصادية ومؤسساتية تسمح للمغرب بالتفاوض من موقع أقوى. وتصبح الكلفة المرحلية مبررة حين تساعد على بلوغ هذه الغاية.
ولا يستقيم هذا المسار دون وحدة وطنية متينة. ففي اللحظات الحاسمة، تزداد قدرة الدولة على الصمود حين يسندها شعب يثق بمؤسساته ويلتف حول حماية السيادة والمصالح الأساسية. وهذه الثقة تتراكم بالإنصاف وصون الكرامة وتقاسم ثمار التنمية. وتتسع الوحدة الوطنية للاختلاف والنقد، مع الحفاظ على القدرة على الاجتماع عندما يشتد الضغط الخارجي. فالجبهة الداخلية المتماسكة ورقة قوة يدرك قيمتها الحليف والخصم معا.
وتبقى قيمة أي شراكة فيما تضيفه إلى قدرة المغرب على حماية نفسه والتفاوض بشروط أفضل. فإذا راكمت المعرفة والإنتاج والبدائل، أمكن الدفاع عن كلفتها. أما إذا أبقت مواطن الضعف على حالها، مقابل تنازلات متزايدة، فإن مراجعتها تصبح ضرورة. والرهان هو الاستفادة من قوة الحلفاء اليوم، مع بناء القوة الوطنية التي توسّع حرية القرار المغربي غدا.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.