ظــاهرة المرشــح

ظــاهرة المرشــح
الأحد 20 شتنبر 2026 - 19:44

المدخل: الحملة كمسرح وجودي للمرشح

في علم السياسة المقارن، لم يعد يُنظر إلى الحملة الانتخابية بوصفها مجرد مرحلة إجرائية تسبق الاقتراع، بل تُدرس بوصفها «حدثاً وجودياً» يُعاد فيه تشكيل هوية المرشح وإعادة إنتاج علاقته بالجمهور. فالحملة ليست زمناً سياسياً عادياً، بل «زمن استثنائي» تنقلب فيه المعايير، وتُعلَّق فيه البروتوكولات، ويُعاد فيه اختراع المرشح بوصفه كائناً شعبياً. تصف الأدبيات السياسية هذه المرحلة بأنها «مسرح انتخابي» يتحول فيه المرشح إلى ممثل يؤدي دوراً مزدوجاً: دور «أحد الناس» الظاهر، ودور «الطامح إلى السلطة» المضمر.

في هذا السياق، يُطرح سؤال مركزي: ما الدلالة الحقيقية لسلوكيات المرشح خلال الحملة؟ هل هي تعبير عن جوهر أخلاقي، أم أنها تكتيكات في «إدارة الانطباع»؟ وإذا كانت تكتيكات، فما حدودها؟ تقدم هذه المقالة تحليلاً لظاهرة المرشح في الحملات الانتخابية، مركزة على ستة عناصر متشابكة: التواضع الظرفي، وتحمل الاستفزازات، والإنفاق المالي لصالح الذات، والاختلاط بالناس، والكرم والاحتواء، وكل ذلك تحت مظلة استعارة «ابتسامة الأسد التي تسبق الافتراس».

1. التواضع الظرفي: حين يُصبح «أحد الناس» رأس مال سياسي

يُعد «التواضع الاستراتيجي» (Humilité stratégique) مفهوماً محورياً في أدبيات التواصل السياسي. صاغه هنري كيسنجر في سياق السياسة الخارجية، حيث يعني «الاعتراف بالحدود والقيود بهدف الحفاظ على النفوذ على المدى الطويل». لكن السياسيين نقلوا هذا المفهوم من الدولة إلى الفرد: التواضع ليس فضيلة أخلاقية، بل «رأس مال سياسي» يُستثمر للحصول على شرعية شعبية.

تُظهر دراسة أكاديمية حول نائب الرئيس الغاني محمدو باوميا كيف استخدم «التواضع الاستراتيجي» لبناء صورة «قائد متواضع» على تويتر، من خلال إظهار «العادية» (Banalité) والقرب من الناس. لم يكن تواضعه حقيقياً بالمعنى الأخلاقي الصرف، بل كان «أداءً للأصالة» (Performance d’authenticité) أي أن يُقنع الجمهور بأنه صادق، دون أن يكون الصدق بالضرورة جوهره.

في الحملات الانتخابية العربية والأفريقية، يتخذ هذا التواضع أشكالاً ملموسة: الجلوس على الأرض مع الناس، والأكل بدون ملاعق، وتقبيل رؤوس كبار السن، وارتداء ملابس بسيطة، والظهور في الأسواق الشعبية. يصف تحليل لمشهد انتخابي عراقي هذا التحول بأنه «ارتداء قناع الحملة التكتيكي»: «يتخلى المرشح عن بروتوكولات مكاتبه الفاخرة ليعانق بساطة المضائف». لكن هذا القناع، بحسب التحليل ذاته، «يتبخر» بعد إعلان النتائج: «يختفي الفائز عن الأنظار، وتتحول تصريحاته العاطفية -إن وجدت- إلى بيانات صحفية مقتضبة وجافة».

هنا يبرز السؤال الأخلاقي: هل التواضع الظرفي خداع أم ضرورة ديمقراطية؟ يرى بعض علماء السياسة أنه لا يمكن للمرشح أن يُنتخب دون «التمثيل»؛ أي دون أن يُجسد ما يتوقعه الناخبون. فالناخب لا يريد مرشحاً «حقيقياً» بالمعنى المجرد، بل يريد مرشحاً «يُشبهه». لكن الفارق الجوهري بين «التمثيل الصادق» و«التواضع الاستراتيجي» يكمن في النية: هل التواضع وسيلة للوصول إلى السلطة، أم وسيلة لخدمة الناس؟

2. تحمل الاستفزازات: القوة التي تبتسم

من أبرز سمات المرشح في الحملات قدرته على «تحمل الاستفزازات» دون أن يفقد هدوءه. في المناظرات المتلفزة، وفي اللقاءات المباشرة مع الناخبين، يتعرض المرشح لشتائم واتهامات ومقاطعات. رد فعله على هذه الاستفزازات يُصبح جزءاً من صورته: هل هو «حكيم» أم «عصبي»؟ هل هو «واثق» أم «مهزوز»؟

تُشير أدبيات «إدارة الانطباع» إلى أن الصمت الاستراتيجي في وجه الاستفزاز هو أحد أقوى أدوات المرشح. فالمرشح الذي لا يرد على الإهانة يُرسل رسالة ضمنية: «أنا فوق هذا». وهذا يُعزز صورته كقائد قوي لا يتأثر بالتفاهات. يقول المثل العربي القديم، الذي كثيراً ما يُستشهد به في هذا السياق: «إذا رأيت أنياب الليث بارزةً فلا تظنن أن الليث يبتسم». هذا البيت لأبي الطيب المتنبي يُلخص جوهر الظاهرة: تحمل الاستفزاز ليس ضعفاً، بل هو «ابتسامة الأسد».. هدوء يخفي خلفه استعداداً للافتراس.

في هذا الإطار، يُطرح مفهوم «الغواية السياسية»: الضحك والابتسامة، بالنسبة للسياسي، هما «أسلحة غواية تسمح بإعطاء صورة لطيفة وبشوشة وودودة متعارضة مع الصورة الجدية والصارمة للعمل السياسي». لكن هذه الابتسامة ليست بريئة؛ إنها «ابتسامة وظيفية» تنتظر اللحظة المناسبة لتنقلب إلى «قبضة».

3. الإنفاق المالي: «الكرم» كأداة انتخابية

لا يمكن فهم ظاهرة المرشح دون تحليل العلاقة بين المال والسلوك الانتخابي. في كثير من الديمقراطيات الناشئة، يتحول «الكرم» إلى استراتيجية انتخابية: المرشح يوزع المال، يقدم الهدايا، يمول مشاريع صغيرة، يدفع فواتير علاج، ويوزع «سلالاً غذائية». هذا ليس «كرمًا» بالمعنى الأخلاقي، بل هو «استثمار انتخابي» (Investissement électoral) يُتوقع منه عائد سياسي.

تُظهر دراسة حول الحملات الانتخابية في إندونيسيا كيف يواجه المرشحون ضغوطاً مؤسسية واجتماعية لدمج «سياسة المال» (money politics) في استراتيجياتهم الانتخابية. هذا ليس انحرافاً فردياً، بل «قاعدة لعبة» غير رسمية تفرضها البيئة الانتخابية. وفي نيجيريا، يُوصف توزيع المرشح للذرة المسلوقة على أنصاره بأنه «مظهر متكرر من مظاهر التواضع الانتخابي»، حيث يوزع المرشحون الطعام والمال على «المحتاجين» في مشهد يُصورهم كـ«أبطال شعبيين». لكن النقاد يرون في ذلك «تكتيكاً انتخابياً قديماً» يهدف إلى «خداع الناس».

المفارقة أن هذا الإنفاق لا يُنظر إليه دائماً بوصفه فساداً، بل غالباً ما يُبرَّر بوصفه «واجباً اجتماعياً»: فالمَرْشَح الثري «يجب» أن يتصدق على «إخوانه الفقراء». هذا التبرير الأخلاقي يُخفي بنية خفية من «الرأسمالية السياسية»: المال ليس فقط وسيلة للفوز، بل هو أيضاً وسيلة لتبرير السلطة بعد الفوز.

4. الاختلاط بالناس: «الحميمية» المصطنعة

من أعمق سمات الحملة الانتخابية ما يمكن تسميته «الحميمية المصطنعة» (manufactured intimacy) . المرشح يتجول في الأحياء الفقيرة، يزور المقاهي الشعبية، يجلس مع الباعة المتجولين، يلتقط الصور مع «الناس العاديين». هذا الاختلاط ليس تواصلاً عادياً، بل هو «أداء» (performance) يهدف إلى إنتاج «قرب رمزي» compensate عن «البعد الطبقي» الحقيقي.

تُظهر الأبحاث حول الحملات الانتخابية في جنوب أفريقيا كيف أن «أداء العادية» (performance of ordinariness) هو استراتيجية شعبوية تُستخدم لإقناع الناخبين بأن المرشح «واحد منهم». لكن هذا الأداء، بحسب الدراسة ذاتها، «يُنظر إليه من قبل الناخبين كتودد موسمي ووعود غير منجزة، وتركيز على الفوز لخدمة الذات بدلاً من الخدمة العامة الحقيقية».

يصف مقال عراقي هذا التحول بوصفه «حميمية المقهى التي تذوب فيها الفوارق»، حيث «يقف المرشح لالتقاط الصور مع عمال النظافة والباعة الجوالين، لتصبح تلك الصور سلاحاً انتخابياً حاداً». لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ما الذي يحدث بعد الانتخابات؟ يختفي «خادم الشعب» ليحل محله «صاحب المنصب»، ويتحول المشهد إلى «بروتوكول المكتب البارد».

5. الكرم واحتواء الجميع.. «الابتسامة» التي تسبق «الافتراس»

تجتمع كل العناصر السابقة في صورة واحدة: المرشح الذي «يبتسم للجميع». هذه الابتسامة هي «ابتسامة الأسد» — ليس تعبيراً عن فرح حقيقي، بل هو «كشف عن الأنياب» بشكل مقنع. قال أبو الطيب المتنبي: «إذا رأيت أنياب الليث بارزةً فلا تظنن أن الليث يبتسم. «هذه الاستعارة ليست مجرد بلاغة، بل هي وصف دقيق لظاهرة سياسية: المرشح في الحملة يُظهر «الأنياب»؛ أي القوة والطموح، لكنه يُغطيها «بابتسامة»؛ أي التواضع والكرم والاحتواء.

في التحليل السياسي، يُشار إلى هذا بوصفه «الاستيلاء على الجميع»(co-optation): المرشح يحتوي الجميع، لا لأنه يحبهم، بل لأنه يحتاجهم. يحتوي الأغنياء بالوعود الاقتصادية، والفقراء بالصدقات، والشباب بالخطاب العاطفي، والشيوخ بالاحترام المبالغ فيه. ويصف تحليل عراقي هذه الظاهرة بأنها «الإفراط في التفاؤل المعدي» الذي «يحول منصات التواصل إلى مسرح استعراض لمشاريع لم يوضع حجر أساسها بعد».
لكن «الاحتواء» ليس دائماً سلمياً. إنه يحمل في طياته تهديداً ضمنياً: «من ليس معي فهو ضدي». هذا التهديد لا يُقال صراحة، بل يُفهم من «الابتسامة» ذاتها. الابتسامة التي تقول: «أنا أحتويك الآن، لكن إذا خالفتني، سترى الأنياب».

خاتمة: نحو تفكيك ظاهرة المرشح

إن فهم «المرشح كظاهرة» يتطلب تجاوز التحليل السيكولوجي الفردي إلى التحليل البنيوي للعلاقة بين المال والسلطة والتمثيل. في المغرب، كما في باقي الديمقراطيات الناشئة، «المرشح ليس شخصاً، بل موقعاً» في بنية انتخابية تفرض سلوكيات معينة. التواضع الظرفي، تحمل الاستفزازات، الإنفاق المالي، الاختلاط بالناس، الكرم والاحتواء — كلها ليست صفات فردية، بل هي «استراتيجيات موقعية» يفرضها «حقل الانتخابات» بوصفه حقلاً له قواعده ومنطقه الخاص.

لكن هذا لا يعني أن المرشح «ضحية» البنية. إنه فاعل يختار، لكنه يختار ضمن حدود. والسؤال الأخلاقي الحقيقي ليس: «هل المرشح صادق؟» — لأن الصدق في السياسة مفهوم معقد — بل: «ما حدود التمثيل؟ متى يتحول التواضع إلى خداع، والكرم إلى رشوة، والاحتواء إلى استيلاء؟».

«ابتسامة الأسد» ليست مجرد استعارة أدبية؛ إنها «آلية سلطة» (mechanism of power) تُنتج «المؤسسة السياسية» في أبهى صورها وأخطرها. ومن يريد فهم الانتخابات، عليه أن ينظر إلى «الابتسامة» قبل أن ينظر إلى «الأصوات»؛ فقط لأن الابتسامة هي التي تصنع الأصوات، وليس العكس.

-دكتور في الحقوق

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
شوكي: المواطن والمغرب العميق
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:09

شوكي: المواطن والمغرب العميق

صوت وصورة
بنعبد الله والتغطية الصحية
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:40 1

بنعبد الله والتغطية الصحية

صوت وصورة
أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:30 5

أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي

صوت وصورة
المنصوري: سألجأ إلى القضاء
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:10 5

المنصوري: سألجأ إلى القضاء

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | المهدي بنسعيد
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:34 1

الطريق إلى الانتخابات 2026 | المهدي بنسعيد

صوت وصورة
بنعبد الله يهاجم "الفراقشية"
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:29 1

بنعبد الله يهاجم "الفراقشية"