أسئلة المجتمع بين قصور فقهي وغلو ليبرالي

أسئلة المجتمع بين قصور فقهي وغلو ليبرالي
الإثنين 16 يوليوز 2012 - 11:40

تهيمن على الجدالات المستعرة في الساحة ظاهرة التعصب للمرجعية الفكرية التي يرتبط بها كل مجادل ينخرط في مناقشة الأسئلة التي يطرحها سؤال التغيير، و تفرضها الوتيرة السريعة التي يتطور بها المجتمع. لذلك تغلب على الحلول المقدمة نبرة روتينية مملة لا تخرج عن شرنقة الأحكام الشرعية بالنسبة للخطاب الفقهي، و ثنائية حرية-قمع في المنظومة الليبرالية، إلى درجة أن القارئ المتابع للجدل القائم بين المرجعيتين يمكن له الاستغناء عن مطالعة ما تقدمه الجرائد و المجلات من آراء حول أسئلة المجتمع – و هي ليست كذلك بالنسبة للمرجعيتين، بل إنما هي قضايا مرتبطة بالإيديولوجيا-، فالفقيه ينضبط بمرجعيته الأصولية التي تختزل عمله في “استخراج الأحكام من الأدلة الشرعية”، بينما الليبرالي المرتبط بالنشاط الحقوقي-النقابي لا يمل و لا يكل من ترديد أسطوانته المشروخة حول “الحرية” بحمولتها التي لم يضبط دلالتها الفلسفية في الغالب، و في الحالتين معا تذوب أسئلة المجتمع و ينصهر الإنسان و حقه في الحياة الكريمة في بوثقة دوامة من الأسئلة لا ناقة له فيها و لا جمل،و يغيب الحس المقاصدي في الخطاب الفقهي، و مصلحة المجتمع و سعادته في الفكر الليبرالي:

أزمة الخطاب الفقهي

إن الخطاب الفقهي ككل يعاني أزمة منهجية تضرب في جذور إبستمولوجيا المبحث، فالخطاب الفقهي سلبي إلى أقصى حد، إنه لا يسهم في معالجة الأسئلة الاجتماعية التي تشغل المواطن البسيط، و لا يرى أن ذلك من وظيفته –هذا ما يقوله لسان الحال-، و إن كان الفقيه يدعي أنه الوصي الوحيد على المجتمع و راعي حقوقه الدينية و المدنية. فعلا، المسلم لابد أن يطلب حكم الله فيما يبادر فعله، لكن في المقابل لابد أن يكون الفقه في مستوى تطلعات و انتظارات المواطن، لا بد أن يسترشد بقواعد أصولية من قبيل “حيث المصلحة فثمة شرع الله”، و أن يتسلح بنظرة مقاصدية تجعل الإنسان محور الاهتمام، بعبارة أخرى لابد من أنسنة الفهم الديني، والانتقال من الإلهياء إلى الإنسياء، فالتشريع الإلهي إنما جاء لتحرير الإنسان و سعادته في الدنيا و الآخرة، هذا الكلام يردده دائما الفقهاء لكن شتان بين الخطاب و الواقع. و لو نقبنا بروية و تأني في أصل المشكل، سنجد أنه مرتبط بالأساس بطبيعة مبحث الفقه الإسلامي، إنه منذ أن أطر الإمام الشافعي عمل الفقيه و سطر حدوده، حكم عليه بالسلبية، فالفقه الإسلامي حتى وإن كان يدرس المشاكل الاجتماعية فذلك من أجل أن يصدر فيها حكما من الأحكام الخمسة (واجب، محرم، مستحب، مكروه، حلال).

ولا يساهم الفقيه أبدا في إيجاد حلول لمشاكل المجتمع، إن عمله ينتهي بمجرد أن يصدر حكما معينا، فهو بسلوكه النمطي هذا أشبه ما يكون بعمل رؤساء المصالح المتمثل في التوقيع، هكذا تغيب الرؤية النافذة العميقة لدى الفقيه، و هذا المنهج يوقعه في إحراجات كثيرة، منها أنه يترك التنظير الفكري و معالجة القضايا الاجتماعية للمدارس الأخرى المرتبطة بالبحث السوسيولوجي و السيكولوجي، التي تجر معها و لاشك رؤاها المادية، ثم عدم ربط الظواهر بمسبباتها الحقيقية، لأن طبيعة المبحث تملي عليه ذلك، فإصدار الفتوى صارت عند الفقيه عملا اعتياديا، و العادة تجرد سلوك ما من بطانته النفسية و الوجدانية، لتصير عملا ميكانيكيا آليا جامدا، و هذا هو سر جفاء أكثر الفقهاء و غلظتهم، بل و بغضهم للتصوف كتربية للنفس و تزكية لها، إنه لم يعد يستحضر جسامة المسؤولية باعتباره نائبا عن الشارع في إصدار الحكم.

ومن آفات الفقه الإسلامي كما هو الآن، عدم ربط الأحكام بمسبباتها، الفقيه يدافع بشراسة عن حرمة الإجهاض، لكنه لا يتساءل ما هي أسباب الإجهاص في المجتمع؟ لا نجد جوابا عنده، غير تحميل العلمانيين بدونكشوتية غبية لمسؤولية ما نشهده من تفسخ و انحلال أخلاقي، كأن المغربي صار بليدا و لم يعد له تمييز، و كل من هب و دب يستطيع ان يؤثر فيه. إنه لا يعود إلى دراسة القاعدة الاجتماعية، و ربط تفشي الزنا بالواقع السوسيواقتصادي المزري للإنسان المغربي، هذا الأخير لم تعد له “الباءة” التي هي شرط لبناء أسرة، فينصرف عن الحلال إلى الحرام بحثا عن تفريغ شهواته الجامحة التي يهيجها الواقع أكثر فأكثر، و الأدهى و الأمر، أنه لا ينخرط في نقاش جاد حول مصير تلك النفس التي ستولد غدا، و البحث عن ضمانات جادة لتأمين حياته، يقول الفقيه بعناد الإجهاض حرام، ثم يولي ظهره لتبعات حكمه، و يتمثل بالمثل الشعبي “معزة و لو طارت”.

ولعل أكبر إحراج يواجه الخطاب الفقهي، هو تجاهله لدور السلطة الحاكمة في تعطيل الأحكام، لذلك لا نجده في الغالب يناقش تطبيق الحدود لأن المسألة –كما يعي ذلك جيدا- منوطة بالحاكم الذي سلك مسلكا علمانيا، إن من الأحكام الملتصقة بالإجهاض مثلا تطبيق حد الزنا على الواقعين في الفاحشة، لكن جبن الفقهاء و طمعهم في التزلف من الحاكم لنصر إيديولوجيتهم جعلهم يتملصون من الدفاع عن قضاياهم بصدق، و يتملقون للحاكم الذي لا يرقب فيهم إلاّ و لا ذمة.

على أن التشدد للمرجعية الفكرية تميزا عن الآخر، تبدو واضحة في مقاربة الفقيه لسؤال الإجهاض، إننا لا نجد عنده إنصافا و موضوعية، فهو يصدر حكمه بتحريم الإجهاض دون تفصيل، مع أن الاختلاف حول حكم الإجهاض قوي جدا، و هو اختلاف مرده إلى مناط التحريم، فالحنفية و الحنابلة جعلوا المناط هو نفخ الروح، أي بعد أربعة أشهر، و الشافعية يذهبون إلى أن مناط التحريم هو تصور و تخلق الجنين، أي أربعون يوما، بينما يرى المالكية والظاهرية أن التحريم يكون من تلقيح المني لبويضة المرأة، و منهم من قال بتحريم العزل، لأن الحيوان المنوي يحمل أصل الاستعداد للحياة، و بعد كل هذا القضية اجتهادية لا نص قطعي فيها كما يقر بذلك الضالعون بصناعة الفقه، يقول الدكتور محمد يعقوبي خبيزة : “لا يوجد نص قطعي الدلالة في مناط تحريم الإجهاض، و إنما هي آراء اجتهادية، حددت المناط مسبقا ثم استندت إلى نصوص شرعية إن دلت على الوقت الذي يتم فيه ما ادعي انه مناط فإنها لا تدل على أنه هو المناط المعتبر عند الشارع حقيقة و بصورة قطعية” (مقال “الاجهاض و حكمه في الشريعة” بمجلة الإحياء، العدد 11،يناير 1998)، و يقول محمد سعيد رمضان و هو ينص على الاختلاف في مناط التحريم “إذا كان للإمام الغزالي أن يصطلح فيحدد أولى مراتب استعداد أصل الحياة باللحظة التي تلتقي فيها خليتا الرجل و المرأة فإن لغيره أن يصطلح أيضا فيجعل أولى مراتب هذا الاستعداد عند تحويل النطفة إلى علقة أو إلى مضغة بدأت تسري فيها خطوط الصورة و التخلق” (محمد البوطي، مسألة تحديد النسل وقاية و علاجا، ص 85)، طبعا يجب أن ندرك أن البوطي شافعي المذهب لذلك جعل المناط هو التخلق، استنادا على بعض الروايات.

مناقشة موقف الليبرالي من الحرية :

لندع جانبا موقف الليبرالي من قضايا جزئية معينة، و لنناقشه في رؤيته للحرية التي يستند إليها في تبريره لضرورة السماح ببعض القضايا التي تبدو مشينة و مرفوضة في المجتمع. صحيح أن التفكير في الحرية من صلب التفكير في الإنسان و متفرع عنه،و طرح سؤال “ما الحرية” يقودنا بداهة للتساؤل عن الإنسان،و العكس صحيح،من هنا يرى “غرامشي” أن أصل السؤال “ما الإنسان” هو استشكال عن مصير الإنسان،أ هو قادر على التحكم و السيطرة في مصيره الخاص؟ أي هل الإنسان حر بما فيه الكفاية؟ لا يهمنا هنا الإجابة عن هذا السؤال الكبير و الواسع،الذي يمكن أن نطرحه من أكثر من زاوية و ننظر إليه بأكثر من عين،و لكن من المهم جدا أن نسجل أن البحث في الحرية باعتبارها موضوعا للنقد الفلسفي الصارم و التحليل الموضوعي الفاحص يؤدي إلى نفي الحرية و تكريس “اللاحرية”، وذلك لا من منظور الدين كما يعتقد البعض بسطحية،فعندما نتموقع داخل دائرة الدين،فإننا نتناول قضية أخرى، إنها علاقة الإرادة الإلهية بإرادة البشر،و لعل الجواب عن هذا السؤال الأنطولوجي قد حسم في كتب علم الكلام،و إنما عند نفحص عن علاقة الإنسان بالطبيعة،حينئذ نفاجأ بالحتمية والضرورة، حيث يرزح الإنسان تحت نير الإكراهات الطبيعية،ما يعني تضييق أفق الحرية،و كذلك إذا ألغينا أي وازع أو سلطة خارجية،نكون خاضعين لإكراهات ذاتية لاشعورية،فنتأرجح بين الوعي و اللاوعي،الشعور و اللاشعور،بل حتى إذا تخلصنا من كل ما هو كوني،ذاتيا كان أو خارجيا،و رحنا نفكر في علاقة الإنسان – ككائن حر اجتماعي فاعل بالاختيار لا بالطبع- بالمجتمع و بالأنظمة السياسية،تواجه الحرية إكراهات تفرض نفسها بحدة،قد تكون موضوعية معقولة و قد تكون استبدادية لا تبغي غير خنق الإنسان و سلب حقه في ممارسة الحرية.

إن الإنسان يعيش في المجتمع،ما يعني أن منظومة القيم السائدة تعمل على تقليص إمكان الفعل الإنساني،ذلك لأن هذا الأخير لا يقوم بذات الفاعل فقط،بل إنه كما يقول ابن رشد “إضافة موجودة بين الفاعل و المفعول،إذا نسبت إلى الفاعل سميت فعلا و إذا نسبت إلى المفعول سميت انفعالا”،من هنا نستشعر إكراهات الآخر الذي قد ينزعج بما يصدره شخص ما كمنفعل بفعله،و كذلك الأنظمة السياسية،حتى إذا تجاهلنا الأنظمة الديكتاتورية التي تتعمد قهر المواطن،و أخذنا النظم الديموقراطية فإننا نجدها تنخر جسد الحرية بعناد دائم لا لشئ إلا لأنها ديموقراطية،فهذه الأخيرة تميل دائما إلى رأي الأغلبية،فمثلا لو قمنا باستفتاء حول قانونين و رجحت كفت قانون،ألا نكون هنا قد تعسفنا عل الأقلية التي مالت إلى القانون المرجوح؟فالنتيجة إذن أن الديموقراطية تتحول عندما ننظر إليها من ثقب الحرية من أرقى ما توصل إليه الإنسان في مجال السياسة إلى شكل من أشكال الاستبداد و عقبة أمام تحقيق الحرية.إن هذه الإكراهات التي تحيط بالحرية و تنهش جسدها النحيل و المخاطر التي تحدق بها من كل جانب هي التي حملت الليبراليين على الاستخفاف بمكر بكل من نظر للحرية من ماركسيين و هيغليين و وجوديين،و هذا التملص يعبر عنه المفكر المغربي عبد الله العروي بقوله : “إن الليبرالية لا تمثل نظرية بين نظريات الحرية،بل تنفي ضرورة تنظير الحرية”،و في موضع آخر يقول “إن الليبرالية تنفي البحث في نظرية الحرية عن قصد لأنها تخاف من نتائجها”.

إن تجربة الحرية طوبي أكثر ما هي واقع،و وهم أبعد ما تكون عن الحقيقة،و لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يدعي شخص عن وعي و روية أنها جسدت في حقبة ما في صورتها “المثالية” و “الكاملة”،المجردة و العارية من أي حاجز أو عائق،و هذا راجع بالأساس إلى مفهوم الحرية في حد ذاته،إن هذا الأخير اتخذ كشعار لا كمفهوم،الحرية أدلوجة،و في الأيديولوجيا تحضر الغواية و يغيب التنظير الفلسفي الغائي،فمن يرفع شعار الحرية لا تسأله عن ماهيتها،و لكن قل له ما صورتك عنها؟ و كيف و أين و متى تتصور حضورها؟ بعبارة أوضح ما هي مطالبك التي تريد تحقيقها باسم الحرية؟ عندئذ حتما سنتفق على أن من يرفع شعار الحرية لا يرى فيها مبدأ و لكن منتهى لامشروط،و كل من يؤدلج الحرية لا يرى فيها باعثا على التصرف و إرادة في الفعل فقط،وإنما مطية يركبها لغاية و غرض،فباسم الحرية و تعميق شعور الشعوب المقهورة بها نشبت حروب راحت ضحيتها حضارات عريقة،و باسمها نادت جهات معينة بضرورة تحرير المرأة من العاديات البالية وأغروها تحت يافطة الحرية بما سموه مساواة،و بأدلوجة الحرية يدعو البعض إلى ما يسمونه تنقية الذهن من الخرافات الدينية و الأساطير.. و المطالب التي تحمل توقيع الحرية طويلة جدا.

من أجل ذلك تباينت الرؤى و اختلفت مشارب الناس في الحرية،فالليبرالي البسيط في تفكيره ينتقد حرية الماركسي و يرى فيها استعبادا لا يخفى و طوبي مستحيل التحقق،و الماركسي الذي لا يشعر بوجوده و كيانه إلا داخل مجتمع القطيع،ينقض رؤية الليبرالي للحرية بدعوى أنها ورقة رابحة في يد فئة قليلة،و تهميش مكشوف للبروليتاريا التي تقتات من على جهدها العضلي-الفكري،فالحرية عند الماركسي ليست حقيقة أو واقع و إنما حلم لم(ن) يبزغ فجره،و هو مازال ينتظر نهاية التاريخ لتتحقق،و الوجودي يوظف الحرية ليصير مقدسا كالإله، لذلك يدعو بشغب إلى ضرورة الانتقال من الإلهياء إلى الإنسياء،،و يرى أن رمز ألوهية الإنسان حريته،و هذه الحرية التي تميز الإنسان تجعله مسؤولا عن الوجود،و بالتالي فحرية الإنسان في قدرته على إعدام الوجود،يقول الوجودي “دوستويفسكي” : ” لقد بحثت مدة ثلاث سنوات عن صفة ألوهيتي و أخيرا عثرت عليها،تلك الصفة هي الإرادة،بالإرادة وحدها يمكن أن أبرهن على عصياني و حريتي الجديدة المخيفة،إنني أنتحر لأعبر عن تمردي حريتي”،و مادامت الحرية عند الوجودي هي القدرة على إعدام الوجود،فقد وظف بعض المفكرين العرب هذه الفكرة و دعوا إلى الحرية الوجودية،طبعا بعد تنحية مفهوم الوجود و تعويضه بالنظام السياسي،إن الحرية عند الوجودي العربي هي القدرة على إعدام الأنظمة السياسية و الإطاحة بها…

أصل الحرية عند الهيغيلي الدولة،و عند الماركسي الطبقة، وعند الوجودي الوجدان الفردي،أما الليبرالي فيدهس بسطحيته كل الأصول لأنه كما قلنا ينفي ضرورة تنظير الحرية،إذ وعى نتائجها التي توقعه في مطبات و تناقضات،فتملص من التنظير بجبن خالع،و اتخذ منه موقفا يشبه تصرف النعامة عندما يحدق بها خطر ما..هذا عن الليبرالي الغربي،أما الليبرالي العربي الذي تعمق شعوره بضرورة الحرية كردة فعل على تضييق الخناق عليها في واقعنا العربي من قبل الأنظمة المستبدة، ورأى فيها تلك الشجرة الخالدة التي يستمد منها وجوده،فقد ركب العمياء بعد أن تعامى هو الآخر،و تخبط خبط عشواء في إدراك حقيقة الحرية الليبرالية،لذلك وقع في ثلاثة أخطاء،كلها تنم عن أدلجة الحرية،الأول عدم الوعي بالمراحل الأربعة التي مرت بها الليبرالية،و هو ما يفسر كثرة التداخلات الزمنية التي تذوب و تلغى فيها بصمات التاريخ و آثاره في بلورة المفاهيم،الثاني : الانتقائية الغبية التي تكشف عن تدليس واضح،فالليبرالي العربي يستمد أفكاره من غير ما مذهب،فلا يعير اهتماما للتناغم و الانسجام في كتاباته، ولا يتحرى التناسق المنطقي في عرض الأفكار،بل قد ينتقي أي فكرة تخدم قضية الحرية المطلقة المرادفة للتسيب على كل الأصعدة من أي منظومة فكرية،و يورد فكرتين عن الحرية متعارضتين ثم يرسمهما في لوحة و كأنهما على ود و وفاق،و ذلك باعتماد سلاح التأويل من أجل تطويع النصوص لتتوافق مع غايته (غوايته)،و الخطأ الثالث تهميشهم للتراث أو لواقعنا التاريخي..

إن الدين ككل يلعب دورا رئيسيا في تحرير الإنسان، وتحطيم القيود و الأغلال التي تحد من حريته الفكرية،أقول الفكرية لأن الدين لم يخول للمسلم حق مطلق التصرف في جسده،بل ضبط هذا الأخير بأحكام أوجب الالتزام بها،و هذا ما انتبه له الليبرالي “جون ستورت ميل” في كتابه “في الحرية”،حيث يشتد نكيره على تحريم الإسلام للخمور و أكل لحم الخنازير،و تكوين هيأة (الحسبة) لمراقبة هذه الأمور،إنه يرفض نطام الحسبة بشدة و يرى في ذلك تجني على الإنسان باعتباره عاقلا يعرف مصلحته – على حد زعمه -،لكنه لم يثبت على موقفه،عندما يعي هو الآخر تناقضات مطلق الحرية، فيعود ويتساءل بحيرة هل يجوز بيع الخمور والسموم و التبغ؟ هل يجب تحديد النسل؟هل يسمح للفرد أن يستعبد نفسه؟ هل يجب إجبار المرء على التعليم؟ لقد ضل ميل مترددا في الجواب عن هذه الأسئلة،يقول عبد الله العروي معلقا : “في واقع الأمر لم يكن من المنتظر أن يطرح ميل مثل هذه الأسئلة إذا تذكرنا الحجج التي بنى عليها انتقاده للحسبة في الإسلام،لقد رفض مبدأ الحسبة لأنها تفترض في رأيه خطأ أن الإنسان لا يعرف مصلحته،و ها هو الآن يرجع إلى المنطلق الذي كان الفقهاء المسلمون يبررون به نظام الحسبة” إن ميل توصل إذا إلى كون الإنسان قد يضر نفسه بنفسه في حالة إطلاق حريته من أي قيد،و هذا بالضبط هو المقصد الذي من أجله حرم الإسلام بعض الأمور سواء تلك التي تمس عقله أو نفسه أو ماله أو عرضه أو دينه،فمن أجل أن ديننا يخاطب العقل يحرم على المسلم الانغماس الكلي في تحقيق شهوات النفس التي تحد من قدرات الإنسان الفكرية،إن ديننا يريد انتصار العقل و الحفاظ عليه في معركته الضروس مع الجسد،إن الحرية في الإسلام هي مدى قدرة الإنسان على تحقيق العقل في حياته،طبعا بعد التخلص من الحاكم الوهمي و الحسي.

إن العقل أعدل قسمة بين الناس كما يقول ديكارت،فهو الذي ينبغي أن نجعله معيارا و ميزانا نحتكم إليه فيما اختلفنا فيه من مسائل الفكر و غيره،فالحرية أدلوجة و مجرد مصطلح زائف فضفاض،يقول ميل و هو ينزع عنه قميص الليبرالية “كلما تعين ضرر واقع أو محتمل،إما للفرد أو للعموم،ينزع الفعل الذي يتسبب في الضرر من حير الحرية ليلحق بحيز الأخلاق أو القانون”،و يبقى العقل هو المحدد الوحيد لهذا الضرر،و هذا لا يتعارض مع الشرع،لأن العقل حق و الشرع حق،و الحق لا يضاد الحق.

خلاصة:

أكثر السجالات المفتعلة في واقعنا الراهن، يراد لها أن تكون شجرة تخفي غابة مشاكلنا المعقدة و المتشابكة، إننا إذا انخرطنا فيها و أهدرنا طاقاتنا في مسايرتهم على الخط الذي رسموه له سنكون مخطئين. إن الصراع القائم إيديولوجي فج، لا يهم المواطن البسيط المغلوب على أمره من قريب و لا من بعيد، و ما نراه من ركوب الجماهير للعمياء و تصفيقهم لتيار فكري معين أمارة على انطلاء الحيلة علينا. و حتى هذا الجدل الساخن لا ينم أبدا عن صحوة وعي، بل هي حوارات لا تفتئ تدق ناقوس الخطر، أين نحن من قضايا التنمية التي كانت تناقش على نطاق واسع في أوج انتشار الاشتراكية في الوطن العربي؟ بل و أين نحن من أصول استبداد الكواكبي و أصول حكم علي عبد الرازق تحرير المرأة لقاسم أمين و قضايا أخرى نهضوية بامتياز.
www.Adiltahiri.maktoobblog.com

‫تعليقات الزوار

7
  • hamada
    الإثنين 16 يوليوز 2012 - 15:13

    نتبع ديننا بما ارتضاه الله لنا . فالحرام حرام ولو شاء مثلكم أن يحلوه. والحلال حلال ولو شاء مثلكم أن يحرموه

    حرمنا على أنفسنا شهوات الدنيا أبتغاء رضوان الله

    حرمنا على أنفسنا الزنا والخمر والتبغ لأنه مضرة لنا ولأهلينا

    حرمنا على أنفسنا العري والسفور وفضلنا الجلباب والحجاب فهو برد وسلام

    أرتضينا الإسلام دينا وتشريعا لأنه استسلام وخضوع لله وليس أستسلام لشهواتنا

    أما مثلكم فلا وزن لهم عندنا مهما تربصو بعقيدتنا لأنكم غثاء كغثاء السيل

    هناك فاصل بين الدنيا والآخرة ألا هو الموت فانظروا ماذا أعددتم

    قال تبارك وتعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [الجاثية:23].

    أسأل الله لنا ولكم الهداية فقد ضاقت الدنيا بكم

  • عبد الرزاق
    الإثنين 16 يوليوز 2012 - 23:29

    فعلا نشكرك على أفكارك العلمية التي تمزج الاطلاع الواسع في أمور الدين، و التمكن من المناهج العلمية،نترقب بشغف مقالاتك و شكرا

  • nour
    الثلاثاء 17 يوليوز 2012 - 12:01

    . Merci pour cet article clair & concis
    Sinon, pour M HAMADA je crois que tu n'as pas bien saisi la thèse de l'auteur.

  • أ يونس الناصري
    الثلاثاء 17 يوليوز 2012 - 13:24

    أعدت أفكار العروي بأسلوبك الخاص لاغير، قد انتقد الشافعي قبلك كثيرون ، كل أعداء الفقه الإسلامي قد انتقدوه ، لكنكم لم تأتوا بجديد ،ولن تستطيعوا الإتيان بجديد ، لأنكم لم توقروا أجدادكم العلماء الربانيين ، وقرأتم أحرفا في الفلسفة البائدة وعلم الاجتماع الآتي من الغرب ، ولو سألناكم هل درستم بتأن تاريخ ابن خلدون؟ لأجبتم بلا، أو قرأنا فيه صفحات.
    فليخجل أمثالك من التطاول على الفقه الذي اعترف به أعتى المستشرقين وأحقدهم على الإسلام( جولد سيهر وغيره)، لم تنتقد التطرف اللبرالي إلا بآراء فلسفية محتشمة، وفي الأخير وافقتهم بذكرك لقاسم أمين، ومن أفسد النساء المسلمات بدعم ماسوني إلا قاسم أمين؟
    معلوماتكم أخذتموها عن كبار العلمانيين الذين طبختهم إنجلترا وفرنسا في جامعاتها، وأنا على يقين أنكم لم تقرؤوا رسالة الشافعي بتحقيق أحمد شاكر رحمه الله، فهو أحسن تحقيق.
    أنصحك بأن تقرأ تراث أمتنا بإيمان عميق وتبجيل كبير لمن أوصل لنا الدين غضا طريا ، وأنما على يقين بأنك ستغير نظرتك لمراجعك التي نهلت منها.
    القران والسنة المحكمان يردان على كل متمرد، فاقرأهما بتدبر.
    وتحية لهسبريس وقرائها الأفاضل.

  • محتسب
    الثلاثاء 17 يوليوز 2012 - 16:22

    ضيعت نفسك ايها الفتى وأدخلتها في متاهات الفلسفة وعلم الكلام اللذان لا طائل وراءهما إلا الضياع ، ألا تكفيك هذه الآية : قال الله تعالى : قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين

  • musulman démocrate
    الأربعاء 18 يوليوز 2012 - 10:29

    تأثير العروي يبدو واضحا عليك من خلال الفكر والأسلوب أيضا،رغم أني لا أعتقد أنك لا تشاركه نفس القناعات.
    أتوسم في قلمك مشروع مفكر مبدع إن شاء الله.
    لا تنتبه لبعض التعاليق.

  • سامي الدريد
    الأربعاء 17 أبريل 2013 - 00:45

    اخي الكريم الفقهاء الحاليين لايرون الفقه الامجرد مادة حفظوها عن ظهر قلب ليس لها اي دلالات فكرية وهم بذلك يقومون بالدفاع عن شرع الله كما يدعون والنصوص والقرائن كثيرة واكثر ان تذكر هنا على ان الدين الاسلامي مبني على المصلحة العامة وارتباطاتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والاسلام ليس مادة جامدة كما ذكر بعض المعلقون هنا على كلامك انما هو مادة حية تسير مع الزمان وتتطور معه وايضا هناك ما يكفي من الادلة وابن خلدون كان من اشد المعارضين لمثل هذه النمطية في التفكير وابن رشد كذلك ….احسنت في طرحك واتمنى لك التوفيق والسداد

صوت وصورة
آراء مغاربة في لقاح كورونا
السبت 23 يناير 2021 - 15:41 19

آراء مغاربة في لقاح كورونا

صوت وصورة
أسرة تحتاج السكن اللائق
السبت 23 يناير 2021 - 14:52 7

أسرة تحتاج السكن اللائق

صوت وصورة
كروط ومقاضاة الداخلية لزيان
السبت 23 يناير 2021 - 13:31 9

كروط ومقاضاة الداخلية لزيان

صوت وصورة
محمد رضا وأغنية "سيدي"
السبت 23 يناير 2021 - 11:40 1

محمد رضا وأغنية "سيدي"

صوت وصورة
صرخة ساكنة "دوار البراهمة"
الجمعة 22 يناير 2021 - 23:11 10

صرخة ساكنة "دوار البراهمة"

صوت وصورة
عربات "كوتشي"  أنيقة بأكادير
الجمعة 22 يناير 2021 - 20:29 29

عربات "كوتشي" أنيقة بأكادير