التسويق الانتخابي في المغرب

التسويق الانتخابي في المغرب
الإثنين 7 شتنبر 2026 - 11:49

الخصائص الثابتة والرهانات الجديدة

تحولت الحملات الانتخابية من مجرد لحظة ظرفية تسبق التصويت إلى حقل معرفي متخصص داخل العلوم السياسية يهتم بفهم آليات إقناع الناخب وتوجيه سلوكه. ورغم أن أدبيات سابقة تناولت الطابع الاحتفالي لهذه الحملات في السياق المغربي من خلال التركيز على الألوان والإطعام الجماعي كآليات تقليدية للحشد، إلا أن هذه الورقة تحاول تجاوز هذا الوصف السطحي نحو مقاربة تحليلية أعمق. فهذا التحول في النظر إلى الحملة لم يكن معزولا، بل اقترن ببروز فروع معرفية جديدة كالتواصل السياسي والتسويق الانتخابي، وعلم النفس السياسي، وسوسيولوجيا الانتخابات، وتحليل الخطاب والسيميائيات السياسية، وهي فروع جعلت من الحملة موضوعا للدراسة الدقيقة من حيث خطابها وصورتها ووسائل تأثيرها. وسبب هذا الاهتمام أن الفاعل السياسي بات يدرك أن كسب الرهان الانتخابي لا يتوقف على جودة البرنامج فقط، بل على القدرة على الوصول إلى الناخب والتأثير فيه بمختلف الوسائل. وفي السياق المغربي، ورغم طول التجربة الانتخابية، لا يزال تحليل الحملة في حاجة إلى هذا الفهم البنيوي العميق، وهو ما يصبح أكثر إلحاحا ونحن مقبلون على انتخابات 23 شتنبر 2026.

ويظهر هذا العمق بوضوح حين نتأمل الخصوصية التي تميز الحملة المغربية. فهي لا تبدو كعملية تواصلية تقنية صرفة حول البرامج بقدر ما تتحول إلى تظاهرة احتفالية، وهو طابع ناتج عن ضعف التكوين الإعلامي والسياسي لدى جزء من الأحزاب التي تعوض هذا النقص بالاحتفال.

ويتخذ هذا الطابع الاحتفالي مظهرين أساسيين لا يزالان حاضرين بقوة أولهما الاعتماد الكثيف على الألوان والرموز معا. ففي مشهد حزبي يضم اليوم 34 حزبا سياسيا مرخصا، يصبح التمييز البصري ضرورة انتخابية، لذلك تمنح وزارة الداخلية لكل حزب لونا ورمزا يميزانه عن باقي المنافسين، مع استثناء الألوان والرموز الوطنية. فنجد مثلا رمز الحمامة والجرار والميزان والمصباح والوردة والكتاب والحصان وغيرها. وهكذا يصبح اللون والرمز هما الهوية الحقيقية للحزب والمرشح معا، بحيث يختفي المرشح وراء لونه ورمزه وتتحول كل الملصقات والمنشورات والشارات وحتى التجمعات إلى حاملة لنفس العلامة البصرية، فتتحول الحملة إلى كرنفال من الألوان والرموز.

ويمكن تفسير هذا اللجوء إلى الألوان والرموز بعوامل ما زالت قائمة إلى اليوم، منها انتشار الأمية الأبجدية والسياسية لدى شريحة واسعة من الناخبين حيث يسهل تذكر الحمامة أو المصباح أكثر من تذكر اسم الحزب أو برنامجه، وغياب اختلاف ايديولوجي واضح بين معظم الأحزاب في ظل تعدد حزبي يصل إلى 34 حزبا مما يجعل الرمز واللون هما الفارق البصري الوحيد، بالإضافة إلى محاولة التأثير العاطفي والسيميائي السريع في الناخب، فالرمز يختزل تاريخا ودلالة، الجرار يوحي بالأرض، والميزان بالعدل، والمصباح بالنور والإصلاح.

أما المظهر الثاني للطابع الاحتفالي فهو الإطعام الجماعي، وهي ممارسة ليست جديدة في المنافسة السياسية بالمغرب، فقد استخدمتها الطوائف والزوايا قديما لجمع الأنصار باعتبار أن الإطعام رمز للقوة والكرم السياسي، لذلك نجد أن كثيرا من الأحزاب المغربية على اختلاف توجهاتها لا تزال تلجأ إلى هذه العملية عشية انتخابات 23 شتنبر 2026، حيث يقوم المرشحون بتقديم وجبات غذائية للناخبين في القرى والأحياء الشعبية. وتهدف هذه العملية في الأساس إلى التأثير في سلوك الناخب، ففي مجتمع لا تزال تعاني فئات منه من الخصاص يعتبر الإطعام وسيلة فعالة لتجميع أكبر عدد من الناس والتعرف عليهم شخصيا وضمان تصويت جماعي لصالح المرشح، فالمرشح يلتقي بالجماعة ويقدم وليمة جماعية للأعيان وبعد الانتهاء من الأكل تقرأ الفاتحة ليصبح أفراد الجماعة ملتزمين أخلاقيا بالتصويت لمن أطعمهم، وهو مشهد لا يزال يتكرر اليوم وإن أصبح يوثق عبر الهواتف ومواقع التواصل.

وعموما فإن الحملات الانتخابية بما تحمله من خصائص احتفالية تضفي نوعا من التنشيط على الساحة السياسية وتكثف من نشاط الأحزاب، كما تشكل فرصة يشعر فيها الناخب العادي بنوع من الاهتمام حيث يجد من يطرق بابه ومن يصافحه ويغدق عليه الوعود. غير أن تأثير هذه الحملات يبقى مع ذلك موضع تساؤل مشروع ونحن نستعد لاقتراع 23 شتنبر 2026، فمن الصعب جدا تحديد ما الذي يؤثر فعلا في قرار التصويت، فلا اللجوء إلى الوسائل التقليدية كالألوان والرموز والولائم، ولا الاعتماد على الوسائل الحديثة والرقمية، ولا حتى تدخل الإدارة أو توزيع الهدايا يمكن أن يضمن لوحده وصول الأحزاب إلى أهدافها، لأن اللعبة السياسية في جانب كبير منها لا تزال ترسم بعيدا عن نتائج الحملة الانتخابية نفسها.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
تحذيرات مرعبة تجتاح العالم
الجمعة 6 نونبر 2026 - 22:00 1

تحذيرات مرعبة تجتاح العالم

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد العزيز باريك
الجمعة 6 نونبر 2026 - 21:00 5

لقاء خاص | عبد العزيز باريك

صوت وصورة
جدل زيادات طاكسيات بالرباط
الجمعة 6 نونبر 2026 - 15:32 13

جدل زيادات طاكسيات بالرباط

صوت وصورة
استمرار مهام دي ميستورا
الجمعة 6 نونبر 2026 - 12:32 15

استمرار مهام دي ميستورا

صوت وصورة
جيل جديد يروي المسيرة الخضراء
الخميس 5 نونبر 2026 - 23:07

جيل جديد يروي المسيرة الخضراء

صوت وصورة
زيت الزيتون بين 30 و60 درهما
الخميس 5 نونبر 2026 - 22:41 7

زيت الزيتون بين 30 و60 درهما