الدبلوماسية.. فن التوقيت!

الدبلوماسية.. فن التوقيت!
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 20:38

حين يكون الصمت موقفا.. وحين تتحول لحظة واحدة إلى قيمة مضافة للموقف.. وحين تصير المبادرة مؤثِّرَة في الأحداث!

مرة أخرى، تُقَدِّم الدبلوماسية المغربية نموذجا في تدبير علاقاتها الدولية تجاه القضايا الوطنية، وتبصم على محطة متميزة تنضاف إلى سابقاتها من محطات، رَتَّبت فيها قواعد اللعب…

هكذا، يخرج بلاغ الديوان الملكي، عقب إخفاق مجلس الأمن الدولي في تمرير مشروعيْ قرارين قدمتهما الولايات المتحدة وروسيا بشأن الصحراء المغربية، الجمعة 30 أكتوبر الماضي، جراء استخدام موسكو حق النقض (الفيتو) ضد المشروع الأمريكي، في حين لم يحز المشروع الروسي على العدد الكافي من الأصوات لاعتماده. يخرج البلاغ، ليرحب بعدم تجديد مهمة بعثة المينوروسو، ويؤكد على أنه ينبغي أن يغادر أفرادها ومعداتها الصحراء المغربية في الأيام المقبلة، مع التزامه (المغرب) بوقف إطلاق النار في الإقليم.

توقيت البلاغ، بدا أنه مدروس بعناية، ويعكس قراءة شاملة، متأنية، وعميقة للمشهد بشكل استباقي؛ بل إنه، يأتي تكملة لما لم يقله مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وهذا ما يتضح جليا من مضمون الخطاب الذي حمله، نبرته، ودلالاته..

المملكة المغربية عبر البلاغ، لم تكتف بانتظار ما سيقوله مجلس الأمن؛ بل قرأت الفراغ الذي تركه القرار، ثم قدمت تأويلها السياسي للمرحلة التالية… وهو التأويل، الذي لم يكن ليجد قوته، لولا التوقيت المناسب الذي أسس له البلاغ.. وسياق صدوره..

ليغدو بذلك، “توقيت” البلاغ، كخطوة مفكر فيها… تعكس، ربما، في جانب منها توقعا مبكرا للسيناريوهات المحتملة… بل إنه، يؤسس لفلسفة الفعل والمبادرة، بدل الانسياق إلى ردود الأفعال، أو الارتهان للانتظار، كمنهج وحيد لتدبير الموقف. فجعل من انتهاء مهمة بعثة المينوروسو، وعدم المصادقة على مشروع قرار الولايات المتحدة، فرصة سانحة لتقديم رؤية المغرب للقضية، قبل أن تتشكل قراءات منافسة.. فأكد على عدم جدوى الاستمرار في إدراج الملف في جدول أعمال مجلس الأمن، ووضع بالتالي حدا للمسار الأممي للقضية.. في رسائل واضحة بأن المملكة تمتلك زمام المبادرة.. وترسم، عبرها، ملامح المرحلة المقبلة… والتي لا تخرج عن سيادة المغرب على صحرائه. كواقع، وكحق، وتاريخ.. ومستقبل.

اختيار اللحظة المناسبة للخروج ببيان أو بلاغ، تجل من تجليات التمرس في تدبير العلاقات الدولية، وانعكاس لتراكم هادئ في تملك آليات العمل الدبلوماسي.. تماما كالحالة التي يلاذ فيها إلى الصمت.. كموقف رسمي، يزيد الوضع قوة أكثر مما يضعفه.

والمتتبع لمختلف المحطات السابقة، لا بد أن يلتقط هذا الحس الدبلوماسي “المتقدم” في التعاطي مع الأحداث والأزمات، بدءا من الخطاب الملكي السامي “التاريخي” الذي أعقب قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر بتاريخ 31 أكتوبر 2025، الذي جعل من مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب (سنة 2007) أساسا للمفاوضات، “الخطاب” الذي جاء بمضمون قوي ذي حمولة تاريخية وعبارات ستظل خالدة في الأذهان ك “فتح مبين” و “هناك مغرب ما قبل 31 أكتوبر 2025 وهناك ما بعده”. وهي اللحظة التي تم ترسيخها بإعلان يوم 31 أكتوبر من كل سنة “عيدا للوحدة” بالمملكة المغربية الشريفة، بموجب بلاغ للديوان الملكي بتاريخ 04 نونبر 2025.

ومرورا بالأزمة مع الجارة الشمالية، إبان ولوج المدعو ابراهيم غالي بهوية مزورة إلى الأراضي الإسبانية، أبريل 2021، وكيف تفاعلت الدبلوماسية المغربية بشكل فوري وآني مع الواقعة، عبر استدعاء السفير، وكذا عبر بيانات وزارة الخارجية التي أعقبت الحدث فحولته إلى موقف سياسي. في تدبير مثالي لعامل الزمن، واستغلال مماثل للمعلومة المتوفرة حول ولوج المعني بالأمر لأراضي الجارة.

وليس انتهاء بلحظة عودة المغرب للاتحاد الإفريقي سنة 2017، وخطاب جلالة الملك، في القمة 28 للاتحاد المنعقدة بأديس أبابا، وعبارة جلالته وقتها.. “لقد حان موعد العودة إلى البيت.”.. بما حملته من معاني.. في تدليل على الاختيار الواعي بتوقيت العودة..

لذلك، يغدو توقيت تسجيل الموقف، سواء بالمبادرة أو الإحجام، من آليات الاشتغال الدبلوماسي، والذي يتضح أن الدبلوماسية المغربية، مجسدة في خطب صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصر الله وأيده، وتوجيهات جلالته السامية، وبيانات وزارة الخارجية وتصريحات مسؤوليها، تستعرض (الدبلوماسية المغربية) من حين لآخر، قدرتها على تملكها وإجادة توظيفها.

هكذا.. يصير الخروج ببلاغ، ليس تفصيلا شكليا في العمل الدبلوماسي، بل جزء من الموقف نفسه!

ذلك أن الدبلوماسية، ليست فقط امتلاك القدرة على صياغة الموقف، بل امتلاك القدرة على اختيار اللحظة التي يصبح فيها الموقف أكثر تأثيراً، والكلمة أكثر دلالة، والصمت أكثر بلاغة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
تحذيرات مرعبة تجتاح العالم
الجمعة 6 نونبر 2026 - 22:00 1

تحذيرات مرعبة تجتاح العالم

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد العزيز باريك
الجمعة 6 نونبر 2026 - 21:00 5

لقاء خاص | عبد العزيز باريك

صوت وصورة
جدل زيادات طاكسيات بالرباط
الجمعة 6 نونبر 2026 - 15:32 13

جدل زيادات طاكسيات بالرباط

صوت وصورة
استمرار مهام دي ميستورا
الجمعة 6 نونبر 2026 - 12:32 15

استمرار مهام دي ميستورا

صوت وصورة
جيل جديد يروي المسيرة الخضراء
الخميس 5 نونبر 2026 - 23:07

جيل جديد يروي المسيرة الخضراء

صوت وصورة
زيت الزيتون بين 30 و60 درهما
الخميس 5 نونبر 2026 - 22:41 7

زيت الزيتون بين 30 و60 درهما