الدعارة.. "مشترك إنساني"

الدعارة.. "مشترك إنساني"
الأحد 7 يوليوز 2019 - 01:09

… ونحن إذ نعرض لهذا الموضوع، فليس من باب التحامل أو الدفاع عن ظاهرة الدعارة، لأن الأمر لا يحتاج منا أو من غيرنا لذلك، فالظاهرة اجتماعية عرفتها ولا تزال جميع المجتمعات البشرية، ولن تزول إلا بزوال البشر، فقط يتم التعامل معها من زوايا مختلفة: التحريم والتقزز والنبذ والاتجار والزجر القانوني …نظرة المجتمع دونية تحتقر الظاهرة وأصحابها، ولو أن الاحتقار والأذى والعار يلحقان غالبا بالعاهرة/ المرأة.

ومن العاهرات من بلغت مجدا، أو كانت وراء مجد عظيم، فالعاهرتان “داني” و”ليونتيوم” جعلتا الفيلسوف أبيقور يتمثل فلسفة اللذة.. ثم العاهرة “فريني” التي وقعت في غرام النحات الشهير براكسيتليس، فجعل لها تمثالا على غرار صورة الإلهة “أفروديت”، والعاهرة “لئيس” التي جمعت ثروة طائلة أنفقتها على الفقراء وبناء المعابد…وغيرهن كثر.

تعود بنا الأسطورة اليونانية إلى إحدى اللحظات الحميمة التي لازالت تشكل مصدر متعة ولذة بالنسبة لبني البشر، عبر مرور الحقب التاريخية، مشكلة المشترك بين الإنسانية؛ ويتعلق الأمر بزراعة الكروم وصناعة الخمور، والمتعة، وممارسة النشوة، وتحقيق اللذة، وذلك من خلال أسطورة ديونيزوس ورفيقته سيلين، اللذين عملا على تعليم الناس كيفية الإقبال على هذه الملذات وتحقيق النشوة، وهو فعل استلزم الاحتفاء بديونيزوس، امتنانا له لسعيه وراء خلق اللذة.

وبالعودة إلى القرن 5 ق م سوف نجد أن بلاد الإغريق عرفت انتشارا واسعا حد الظاهرة للعاهرات من مختلف المراتب الاجتماعية، ولعل أدناها ما عرف بـ”البورناي”، الذين اتخذوا من المواخير سكنا لهم تحت رعاية الحكومة. وقد كانت الدعارة في أثينا، قديما، مقننة وتؤدى عنها ضرائب للحكومة، وتختلف من طبقة اجتماعية إلى أخرى.

مومس، عاهرة، فاسدة، بائعة الهوى، باغية، غاوية، ساقطة، فاجرة، فاسقة، مسافحة..جميعها أسماء تحمل صفة بذيئة منحطة داخل المجتمع، توصف بها المرأة التي تبيع جسدها للرجل، بل يعتبر مجرد طرق هذا النوع من الحديث فجورا وخدشا للحياء..لكن لنتساءل فقط عن سبب إعفاء الفاعل من فعل العهر وصفته، أي الرجل؟ أو ليس الرجل عاهرا مقابل العاهرة؟ ألا يحمل الصفات ذاتها ويتقاسمها مع المرأة باعتبارهما شريكين في الفعل؟ لماذا هي مرفوضة داخل المجتمع؟ بل لماذا يعاقب كل من يقدم على هذا الفعل؟ بل الإسلام قضى بالرجم المؤدي إلى الموت..

ويحمل لنا التاريخ البشري/ مكتوبا أو شفويا أو مسكوكا روايات ووقائع عن الدعارة باعتبارها فعلا مألوفا لا محيدا عنه داخل المجتمعات بمختلف تراتبها الاجتماعي، وهو امر لم يغفل عنه المؤرخون، إذ وقفوا عند وقائعه كجزء من تاريخ هذه المجتمعات، ومنها المغرب الذي لا يمكن أن يشكل استثناء عن قاعدة الدعارة باعتبارها ظاهرة سوسيولوجية، أو لنقل عنها ظاهرة ثقافية، بالمعنى الواسع للثقافة، أي الثقافة كنمط عيش.

كانت الدعارة تمارس في مختلف مدن المغرب وسط أحياء معروفة وخاصة بأثمان بخسة، وقد عاين الرحالة الحسن بنمحمد الوزان الفاسي، صاحب كتاب وصف أفريقيا، حيا للدعارة بفاس يحميه رئيس الشرطة وحاكم المدينة. وذكر عبد الرحمن بن زيدان أن السلطان عبد الرحمن كتب عن ظاهرة الدعارة، وأن الشيوخ عمدوا إلى إفساد زوجات رعاياهم، خاصة من كن على حسن وجمال. وأورد الضعيف أن أحد القواد، وهو القايد الحبيب المالكي، ترامى على قرية بكاملها سنة 1767م، ومنع الرجال من دخولها دون النساء، وكان يأتي بالنساء هناك كرها لممارسة البغاء وإشباع نزواته.

ونجد اهتماما كبيرا بظاهرة الدعارة لدى الكتاب الفرنسيين الذين أرخوا لفترة الاستعمار الفرنسي، أمثال المؤرخ جاك تورتو الذي تناول بالحديث الدعارة وما يرتبط بها من مهن، خاصة أنها تشكل مصدر ربح لـ”العاهرة” و”القوادين”، وتخلق رواجا اقتصاديا، خاصة وسط الأحياء الفقيرة، حيث يتم استقطاب الفتيات القادمات من البادية واستغلالهن، وبالتالي تم التأسيس لشبكات سرية للدعارة. وتتطور وتجدد الأساليب وتختلف من وسط لآخر، ومن فئة اجتماعية لأخرى، لكن تبقى المهنة واحدة، يزاولها عدد هائل من العناصر ولا تظهر في الواجهة غير الفتاة العاهرة. ثم Christelle Taraud، المتخصصة في الشؤون المغاربية، خاصة في كتاب “La prostitution coloniale”، الذي تناولت فيه ظاهرة البغاء أو الدعارة في المغرب والجزائر وتونس في الفترة ما بين 1830 إلى 1962، ما يعطيه أهمية بالغة، لأنه يرتد بالظاهرة إلى لما يراوح قرنا من الزمن. ثم كتاب “Bousbir: La prostitution dans le Maroc colonial. Ethnographie d’un quartier réservé”، وهو عمل مشترك بين Jean Mathieu et P.H. Maury، وهو عبارة عن قراءة أنثروبولوجية لحي خاص بمدينة الدار البيضاء، اشتهر بانتشار الدعارة خلال فترة الحماية الفرنسية. وكانت العاهرات يخضعن للمراقبة الطبية والمتابعة اليومية، لأن الجنود الفرنسيين كانوا يترددون على هذا الحي… فأصدرت مرسوما لذلك سنة 1924 تم تحيينه سنة 1954، وهو قانون يرخص بفتح بيوتات الدعارة أو ما عرف ببيوت ممارسة المتعة.

ويروي الصحافي الفرنسي “بيير داريوس”، الذي أنجز تحقيقا عن حي بوسبير سنة 1933، أن عدد العاهرات راوح 1000 فتاة، منهن الفرنسيات والإسبانيات والمغربيات، مسلمات ويهوديات، ليرتفع عددهن إلى 3000 عاهرة …(يتبع)

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

11
  • عبد الرحيم فتح الخير.
    الأحد 7 يوليوز 2019 - 17:15

    اعتبار العلاقات الجنسية دعارة يعتبر تعسفا في حق رغبة فطرية ، كما الأكل وكما الشرب . لذالك أي دولة تمنع مواطنيها من العلاقات الحرة الراشدة وتحاصر الحرية الفردية تحت أي مبرر كان تعتبر دولة متخلفة متسلطة . نقطة ورجوع إلى السطر …. مات الكلام .

  • المهدي
    الأحد 7 يوليوز 2019 - 20:33

    السي فتح الخير السلام عليك .. لا شك انك تعرف ان هناك فرق بين الدعارة والعلاقات الجنسية الرضائية فهذه الاخيرة تخضع لمنطق الرغبة والغريزة والأحاسيس والميل والتجاذب الفطري بين الجنسين بينما الدعارة علاقة زبونية تقوم على مبدأ بيع اللذة والجسد بمقابل ولو كانت العاهرة متقززة من الزبون وقلبها على حافظة نقوده .. الدعارة تجارة بالجسد لتحقيق ربح مادي قد يكون مبلغاً مالياً مقابل لذة عابرة أو ممارسة لايام او أشهر مقابل الحصول على ترقية في العمل او تسديد ديون إلخ .. لتنتهي ببلوغ الهدف دون ارتباطات عاطفية .. وهناك المرة الشبقية التي تعشق تعدد الشركاء وقد تعتبر إمرأة فاسدة لكنها ليست بالضرورة عاهرة .. والله أعلم …

  • محمد محسين
    الأحد 7 يوليوز 2019 - 21:15

    كون أن الدعارة قديمة قِدَمَ الانسان لا يعني بالضرورة تقديسها أو الدفاع عنها كممارسة طبيعية وكون بعض ممارسات الدعارة كان لهن شأن في التاريخ أو كُنَّ وراء تحقيق مجدٍ عسكري او فكري أو فني ما لا يعني تمجيد الدعارة في حد ذاتها؛ فبنفس المنطق المُغالط سنعتبر الجشع والقتل والأنانية قيما فُضْلى لأنها قديمة قدم وجود الانسان وربما اقدم من الانسان وبنفس المنطق سنعتبر الاستعباد والغزو أشياء رائعة لأنها ساهمت في بناء حضارات راقية من الناحية العلمية والفكرية، وسنعتبر الاستبداد شيئا محمودا لأنه أنتج لنا الحضارة المصرية وتحفا معمارية في فرنسا القرن الرابع عشر على سبيل المثال.

  • محمد محسين
    الأحد 7 يوليوز 2019 - 21:36

    السي عبد الرحيم النص يتحدث عن الدعارة اللي هي استغلال طرف لطرف آخر جنسيا مقابل المال أو شيءٍ مادي آخر، وليس عن العلاقات الجنسية الحرة الراشدة كما سميتها، هذا من جهة ومن جهة اخرى تقنين الجنس منذ نشأة التجمعات البشرية الأولى كان من العوامل المهمة للخطوة العملاقة التي خطتها البشرية نحو الحضارة، تقنين الجنس كان يعني الشعور بالأمان العاطفي والنفسي والتفرغ للانتاج والإبداع مع ضمان انتقال الجينات والثروة المادية للأجيال المقبلة، قبل أن تقتل الكلام اقرأ تاريخ الحضارات. ولا تحكم على تاريخ عشرات الألاف من السنوات بمعايير السبعين سنة الاخيرة التي تعتبر لحظة في عمر البشرية. ومن وجهة نظر بيولوجية محضة الحيوانات الملتزمة في علاقاتها الجنسية أكثر نجاحا من غيرها ..

  • عبد الرحيم فتح الخير.
    الإثنين 8 يوليوز 2019 - 10:04

    هناك سوء فهم كبير بين ما حاولت التعبير عنه وبين ما استقر في فهم الأصدقاء . فأنا وأنا أطالب بسرعة تنزيل قانون الحريات الفردية لا أشجع على الدعارة تحت الضغط ، ولا أقبل بها مطلقا إلا إن كانت قرارا حرا من داعرة اختارت عن طواعية أن تشتغل بالميدان كما هو المعمول به في دول الشمال . حيث أخلاقية العلاقات الحرة هناك تخضع للخطوط الحمراء التي لا تعاكس الفطرة وتنبني على المصارحة .

  • منصورى
    الإثنين 8 يوليوز 2019 - 10:50

    تشكل بيوت الدعارة فى مغربنا نسبة أكبر من الدول التى تقننها لأن العشوائية والكبت الجنسى هو الذى أفرز لنا هذه البيوت بأعداد كثيرة لو قُننت لكان أفضل لأن السلطات لا تحاربها لأن أصحابها يرشون السلطات من أجل أن تبقى مفتوحة وتمارس مهنتها فلا يتبادر لذهن القارئ أننى أشجع على ممارسة هذه المهنة فأنا ضدها وأكرهها وأنبذها وإنما هذه هى الحقيقة الدعارة الغير مقننة تكون أحيانا هى السبب فى تفسخ المجتمع وانحلاله وانحرافه وانتشار الجريمة والمخدرات والأمراض المنقولة جنسيا ووو….

  • عبد الرحيم فتح الخير .
    الإثنين 8 يوليوز 2019 - 11:00

    في دول الغرب المتقدمة لايغير شاب على أمه الأرمل إن قررت أن تقيم علاقة بالتراضي ، ولايجد في نفسه عضاضة من الأمر . والأخ لايمانع أن تكون أخته في علاقة ترتضيها وترضيها ، ولا يجد في نفسه حرجا ، ويؤمن بأن للآخر رغبات كما له رغبات . وهو عكس المعمول عندنا حيث تتخد الغيرة معنى ينحوا نحو الإستبداد ، والأنانية . فيسمي الأشياء بغير أسمائها ، ويلبس الأخلاقيات حمولة فهمه الشاذ . فيكني الرجل المتتعد العلاقات فحلا ، ويقول عن المتعددة العلاقات عاهرة . في إقصاء ظالم لتوصيف رغبة يقبل بها ويرفضها على "حريمه" … عجبي

  • إلى السي عبد الرحيم.
    الإثنين 8 يوليوز 2019 - 20:14

    السي فتح الخير لقد ارتقت مرتقا صعبا لسنا في أوربا نحن في المغرب وديننا الإسلام .

  • الحسن العبد بن محمد الحياني
    الإثنين 8 يوليوز 2019 - 21:36

    قال عز من قائل:"الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖوَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ"س النور (2)؛و قال سبحانه:"وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانً"[الفرقان:68،69].وقال تعالى:"وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ"[المؤمنون:5 – 7].وقال سبحانه:"وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا"[الإسراء:32].فالعاهرة زانية والزانية عاهرة والعهارة محرمة على العبد المسلم الذي يمتثل لأوامر مولاه ونواهيه عن حب وطواعية يبتغي بذلك وجه الله.

  • محمد بن عبد السلام
    الثلاثاء 9 يوليوز 2019 - 15:52

    باز للرجال !! هل يمكن قول " زانية " دون وجود " زاني " مع من زنت ؟ لماذا يلقى اللوم على المرأة المسكينة وحدها ( كما يلام الحمار المسكين ) ؟ حين تعرض امرأة جسمها "للبيع " ( معذرة لكل النساء) إن لم يوجد هناك " زبون " فلن "تبيعه "….أيها الرجال لا تلوموا سوى أنفسكم "الرجال " .حين تنعتون امرأة " ب "عاهرة " الرجل هو "العاهر …المفسد …المسؤول الأول عن كل المصائب ".

  • المهدي
    الأربعاء 10 يوليوز 2019 - 10:10

    تعليق 10 كلامك في محله .. لو لم تكن هناك قذارة لما كان هناك مرحاض ولو لم تكن هناك قمامة وأزبال لما كانت هناك حاوية ولا طارّو دالزبل ولو لم تكن هناك جثت عفنة لما كانت هناك حفر ومقابر وبالتالي فَلَو لم يكن هناك رجال داعرون متهتكون لما كانت هناك عاهرات ولا بغايا .. فكل شيء قذر وجد لاحتواء ما هو أقذر منه .. انها ثنائية الوعاء والمحتوى ….

صوت وصورة
حكايات ما تقالتش | السيناريست بشرى ملاك
الأحد 1 نونبر 2026 - 21:00 1

حكايات ما تقالتش | السيناريست بشرى ملاك

صوت وصورة
وفرة الأسماك في الأسواق
الأحد 1 نونبر 2026 - 19:39 11

وفرة الأسماك في الأسواق

صوت وصورة
أسعار الطماطم تغضب المغاربة
الأحد 1 نونبر 2026 - 17:58 11

أسعار الطماطم تغضب المغاربة

صوت وصورة
وقفة ضد "رسوم الجامعة"
الأحد 1 نونبر 2026 - 15:34 5

وقفة ضد "رسوم الجامعة"

صوت وصورة
طانطان تحتفي بالتراث الحساني
الأحد 1 نونبر 2026 - 13:45 2

طانطان تحتفي بالتراث الحساني

صوت وصورة
مبادرة "رفاه الحيوان"
الأحد 1 نونبر 2026 - 11:57 2

مبادرة "رفاه الحيوان"