المواطن الافتراضي

المواطن الافتراضي
السبت 8 غشت 2026 - 23:22

هل أصبحت الخوارزميات شريكًا في صناعة المجتمع المغربي؟

لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد أدوات للتواصل أو الترفيه، بل تحولت إلى أحد أهم الفاعلين في تشكيل الوعي الفردي والجماعي. وإذا كانت الدولة الحديثة تقوم على مؤسسات مثل الأسرة، والمدرسة، والجامعة، ووسائل الإعلام، والأحزاب السياسية، فإن العقدين الأخيرين شهدا بروز فاعل جديد يتمتع بقدرة غير مسبوقة على التأثير، هو المنصات الرقمية وخوارزمياتها.

هذه المنصات لا تكتفي بنقل المعلومة، بل تحدد للمستخدم ما يراه أولًا، وما يتكرر أمامه، وما يثير اهتمامه، وهو ما يمنحها تأثيرًا يتجاوز دور الإعلام التقليدي. ومع مرور الوقت، يصبح المستخدم أكثر ارتباطًا بما تعرضه له الخوارزمية، فتتشكل رؤيته للعالم من خلال محتوى مختار بعناية لتحقيق أكبر قدر من التفاعل، وليس بالضرورة أكبر قدر من الدقة أو التوازن.

ومن هنا يمكن الحديث عن ظهور ما يمكن تسميته بـ”المواطن الافتراضي”، وهو مواطن يعيش جزءًا مهمًا من حياته داخل الفضاء الرقمي، ويتفاعل مع الأحداث من خلال شاشة الهاتف أكثر مما يتفاعل معها في الواقع. وتصبح هويته الرقمية، وما ينشره، وما يتابعه، وما يحصل عليه من إعجابات وتعليقات، جزءًا أساسيًا من صورته عن نفسه.

المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في أن الخوارزميات تكافئ المحتوى المثير للجدل، والمشحون بالعاطفة، والسريع الانتشار. ولذلك تنتشر الأخبار المضللة والإشاعات وخطابات التحريض بوتيرة تفوق انتشار المعلومات الدقيقة. ومع الوقت، يجد المستخدم نفسه داخل “فقاعة رقمية” لا يرى فيها إلا الآراء التي تشبه رأيه، فيزداد اقتناعًا بأن ما يراه هو الحقيقة الكاملة، بينما يختفي التنوع والاختلاف من أمامه.

في المغرب، كما في كثير من الدول، برزت خلال السنوات الأخيرة ظواهر اجتماعية كشفت حجم هذا التأثير. فقد انتشرت عبر المنصات دعوات استطاعت الوصول إلى آلاف الشباب في وقت قصير، سواء تعلق الأمر باحتجاجات شبابية، أو بدعوات إلى الهجرة الجماعية نحو سبتة ومليلية. ولا يمكن تفسير هذه الأحداث بوسائل التواصل وحدها، لأن أسبابها تمتد إلى عوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية وسياسية. لكن في المقابل، يصعب تجاهل الدور الذي لعبته المنصات الرقمية في تسريع انتشار الدعوات، وتوسيع نطاقها، وتحويلها إلى ظواهر جماعية خلال فترة وجيزة.

وهنا يبرز سؤال جوهري: هل أصبح القرار الفردي قرارًا مستقلًا فعلًا، أم أنه يتأثر بما تفرضه الخوارزميات من محتوى متكرر ومؤثر؟ فعندما يشاهد الشاب مئات المقاطع التي تقدم الهجرة باعتبارها الحل الوحيد، أو تصور النجاح بصورة مبالغ فيها، أو تحرض على تقليد سلوك معين، فإن ذلك قد يؤثر في نظرته إلى الواقع، حتى لو لم يكن العامل الوحيد في اتخاذ قراره.

وتزداد خطورة هذا التأثير لدى فئة الشباب والمراهقين، لأن شخصياتهم لا تزال في طور التكوين. فهم يقضون ساعات طويلة أمام الشاشات، ويتلقون كما هائلًا من الرسائل والصور والأفكار دون امتلاك الأدوات الكافية للتمييز بين المعلومة الموثوقة والمحتوى الموجه. وهنا تتراجع أدوار الأسرة والمدرسة ومؤسسات التنشئة أمام قوة المؤثرين وصناع المحتوى، الذين قد يمتلك بعضهم جمهورًا يفوق جمهور مؤسسات إعلامية كاملة.

ومن النتائج الأخرى لهذا التحول، تغير مفهوم المواطنة نفسه. فقد أصبحت المشاركة لدى بعض الشباب تقتصر على التفاعل الرقمي، من تعليق أو مشاركة أو وسم، بينما تتراجع المشاركة الواقعية في العمل المدني أو النقاش العمومي المنظم. وهكذا، يشعر الفرد بأنه مارس دوره بمجرد التفاعل عبر الشاشة، حتى وإن لم ينعكس ذلك على الواقع.

ولا ينبغي أن يقودنا هذا التحليل إلى شيطنة وسائل التواصل الاجتماعي، فهي أتاحت فرصًا غير مسبوقة للتعلم، والتواصل، وريادة الأعمال، والوصول إلى المعرفة. لكن هذه الإيجابيات لا تلغي الحاجة إلى الاعتراف بأن المنصات الرقمية أصبحت تمتلك تأثيرًا واسعًا في تشكيل الرأي العام، وأن هذا التأثير يفرض تحديات جديدة على المجتمع والدولة.

إن مواجهة هذه التحديات لا تكون بالمنع أو الرقابة وحدهما، بل ببناء مواطن يمتلك وعيًا رقميًا وقدرة على التفكير النقدي، يستطيع أن يميز بين الحقيقة والتضليل، وبين الخبر والرأي، وبين النقاش المشروع وخطاب التحريض. كما تقتضي تطوير دور المدرسة والإعلام والأسرة، حتى تستعيد هذه المؤسسات مكانتها في بناء شخصية الفرد.

لقد دخل المغرب، كما دخل العالم، مرحلة جديدة أصبحت فيها المنافسة الحقيقية على العقول قبل أن تكون على الأرض. ومن ينجح في بناء مواطن واعٍ، قادر على استخدام التكنولوجيا دون أن يقع أسيرًا لها، سيكون الأقدر على حماية تماسك مجتمعه واستقراره.

ويبقى السؤال مفتوحًا: إذا كانت الدولة تبني المواطن عبر التربية والتعليم والقانون، فمن يبني المواطن داخل العالم الرقمي؟ وهل أصبحنا أمام مواطن يعيش في وطن حقيقي، بينما يتشكل وعيه في وطن افتراضي تحكمه خوارزميات شركات عابرة للحدود؟

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
تحذيرات مرعبة تجتاح العالم
الجمعة 6 نونبر 2026 - 22:00

تحذيرات مرعبة تجتاح العالم

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد العزيز باريك
الجمعة 6 نونبر 2026 - 21:00

لقاء خاص | عبد العزيز باريك

صوت وصورة
جدل زيادات طاكسيات بالرباط
الجمعة 6 نونبر 2026 - 15:32

جدل زيادات طاكسيات بالرباط

صوت وصورة
استمرار مهام دي ميستورا
الجمعة 6 نونبر 2026 - 12:32

استمرار مهام دي ميستورا

صوت وصورة
جيل جديد يروي المسيرة الخضراء
الخميس 5 نونبر 2026 - 23:07

جيل جديد يروي المسيرة الخضراء

صوت وصورة
زيت الزيتون بين 30 و60 درهما
الخميس 5 نونبر 2026 - 22:41

زيت الزيتون بين 30 و60 درهما