أثارني مقال جديد لصديقي المفكر العراقي عبد الحسين شعبان، يتوقف فيه عند ما أسماه “الثقافلوجيا”، مستلهما موضوع كتاب الكاتب والروائي والناقد العراقي جمال حسين علي: “لماذا يكره المثقفون بعضهم؟”. وهو سؤال يبدو للوهلة الأولى، أقرب إلى المفارقة منه إلى الظاهرة؛ فكيف لمن يفترض أن الثقافة قد روّضت فيه غرائز الامتلاك والغيرة والنرجسية، ووسّعت أفقه النقدي والإنساني، أن يقع فيما يشبه العداء تجاه مثقف آخر؟
لكن السؤال في عمقه أكثر إرباكاً: هل توجد فعلا كراهية بين المثقفين، أم أن ما نسميه كراهية ليس سوى الوجه الخفي لصراع رمزي على المكانة والاعتراف والسلطة داخل الحقل الثقافي؟
إن الثقافة لم تكن في تاريخها الطويل، فضاءً منزها عن الصراع. وربما كان العكس هو الصحيح، إذ كلما ارتفعت القيمة الرمزية للفكرة، ازدادت شدة الصراع حولها؛ وكلما أصبح صاحب الفكرة حائزا على قدر أكبر من الاعتراف، أصبحت مكانته نفسها موضوعاً للمنافسة والمساءلة والنقد. ولذلك فإن تاريخ الفكر لا يخلو من صداقات انقلبت إلى خصومات، ومشروعات فكرية تباعدت حتى تحولت إلى قطيعة، ومجادلات تجاوزت حدود الأفكار لتطال أصحابها.
يكفي أن نستحضر، مثلاً، العلاقة المعقدة بين جان بول سارتر وألبير كامو. جمع الرجلين تاريخ فكري وسياسي مشترك، قبل أن يتصدعا حول قضايا تتصل بالعنف والثورة والعدالة وموقف المثقف من السياسة. لم يكن خلافهما مجرد اختلاف في الموقف السياسي؛ فقد تحول تدريجياً إلى قطيعة شخصية وفكرية، كاشفا عن تلك المنطقة التي يصبح فيها الاختلاف حول الأفكار اختباراً للذات نفسها.
والأمر ذاته يمكن استعادته في العلاقة بين سيغموند فرويد وكارل غوستاف يونغ. كان يونغ في لحظة ما أحد أبرز الوجوه التي رأى فيها فرويد امتدادا لمشروع التحليل النفسي، قبل أن ينتهي التقارب إلى انفصال عميق.
وهنا أيضاً لم يكن الصراع مجرد خلاف نظري حول طبيعة اللاوعي أو بنية النفس؛ فقد كان يتعلق كذلك بمن يملك حق تعريف الحقل الجديد وتحديد حدوده ومستقبله. وفي تاريخ الفلسفة والسياسة، نجد أمثلة أكثر قسوة. فقد كان الخلاف بين كارل ماركس وميخائيل باكونين جزءا من الصراع الكبير حول معنى الثورة وتنظيمها وموقع الدولة في المشروع الاشتراكي. وتحولت الاختلافات النظرية والتنظيمية داخل الأممية الأولى إلى صراع على الشرعية والاتجاه والقيادة.
بل إن علاقة فولتير وروسو تكشف بدورها عن المفارقة ذاتها: رجلان ينتميان إلى عصر التنوير، لكنهما لم يكونا متطابقين في رؤيتهما للإنسان والمجتمع والحضارة. فبينما ارتبط فولتير بنزعة عقلانية نقدية وإيمان بالتقدم، حمل روسو تصورا أكثر تشككا في الحضارة الحديثة وفي آثارها على الإنسان. ومن الاختلاف الفكري نشأت خصومة تجاوزت حدود الكتب إلى الشخصيات نفسها.
وفي الفضاء العربي، يمكن العثور على نماذج كثيرة بدورها: خصومات الأدباء والشعراء، وانقسامات المثقفين حول السلطة والثورة والحداثة والتراث، وصراعات المدارس الأدبية والفكرية، وهي جميعها تؤكد أن الثقافة ليست جزيرة معزولة عن البنية الاجتماعية التي تنتجها.
لكن ما الذي يجعل المثقف تحديدا، عرضة لهذا النوع من الصراع؟. إن ثمة ما يستحضر نموذج بيير بورديو في هذا الشأن. فالحقل الثقافي في تصوره، ليس مجرد فضاء حر لتبادل الأفكار؛ إنه مجال تنتظم داخله علاقات القوة، ويتنافس الفاعلون فيه على ما يمكن تسميته “الرأسمال الرمزي”: الاعتراف، الشهرة، الشرعية، المكانة، القدرة على التأثير، وحق تحديد ما يعتبر معرفة مشروعة أو فنا رفيعا أو خطابا مقبولا. ووفق ذلك فإن المثقف لا يصارع دائماً من أجل “الفكرة” وحدها؛ قد يصارع بصورة واعية أو غير واعية، من أجل “الموقع الذي تمنحه الفكرة لصاحبها داخل الحقل الثقافي”.
يمكننا أن نؤول هنا المسألة في اكتساب بعدها السوسيولوجي، إذ حين يكون عدد المقاعد الرمزية محدودا، يصبح صعود الآخر قابلا لأن يُقرأ باعتباره تراجعا للذات. وحين تتحول الثقافة إلى سوق للاعتراف، قد يصبح نجاح المثقف الآخر مزعجا لا لأنه أخطأ، وإنما لأنه نجح في احتلال مساحة كان المرء يتصور أنها تخصه، فهو يحتاج إلى الآخر كي يعترف به، لكنه قد يخشاه في الوقت نفسه لأنه قادر على انتزاع الاعتراف منه. ولذلك قد تنشأ علاقة ملتبسة بين الحاجة إلى الآخر والرغبة في إقصائه.
أستحضر بهذا الخصوص مفهوم “الاعتراف” عند أكسل هونيث ومفهومه؛ فالذات كما يراها لا تكتمل في عزلة، وإنما تتشكل عبر اعتراف الآخرين بها. غير أن الحاجة إلى الاعتراف قد تنقلب إلى صراع عندما يصبح الاعتراف موردا نادرا أو غير متكافئ. عندها لا يعود الآخر مجرد شريك في إنتاج المعنى، بل يتحول إلى منافس على الحق في أن يكون “مرئيا” ومسموعا ومؤثرا. ومن هذه الزاوية، ربما لا تكون “كراهية المثقفين” كراهية خالصة، وإنما “رغبة محبطة في الاعتراف”.
وهنا تحديدا تكتسب المسألة بعدها النفسي والفلسفي. فالمثقف مهما بلغت معرفته، لا يتخلص من هشاشة الأنا. الثقافة تستطيع أن تهذب الغرائز، لكنها لا تلغيها. ويمكن للمعرفة نفسها أن تصبح أحياناً وسيلة أكثر تعقيداً لإخفاء النرجسية، لأن صاحبها لا يقول: “أنا أفضل منك”، وإنما يبني منظومة كاملة من المفاهيم والحجج لإثبات ذلك. وهذا ما يجعل بعض الخصومات الثقافية شديدة القسوة، فالعدوان لا يأتي دائماً في صورة شتيمة؛ قد يأتي في صورة تفكيك منهجي للآخر، أو تجاهل متعمد، أو إنكار لأهميته، أو احتكار للشرعية، أو تشكيك دائم في كفاءته ومشروعيته. إن ميشيل فوكو ألمح إلى هذا النوع من الخطاب في أحد أبعاده، فهو لا يعتبره فقط مجرد وسيلة للتعبير عن الحقيقة، وإنما مجال لإنتاج السلطة وتوزيعها. ومن يملك القدرة على تحديد من يتكلم، ومن يُسمع، ومن يستحق صفة الخبير أو المفكر أو المثقف، يمتلك جزءاً من السلطة الرمزية داخل المجال الثقافي. ولذلك قد تكون أخطر أشكال الخصومة الثقافية تلك التي لا تعلن نفسها خصومة؛ تلك التي تعمل من خلال “الإقصاء الصامت”. أن تُدعى إلى الندوة ولا يُدعى الآخر. أن يُستشهد بعشرات الأسماء ويُستبعد اسم محدد. أن يُختزل مشروع فكري كامل في هفوة عابرة. أن يتحول الاختلاف إلى تشكيك في النوايا. أن تصبح الصداقة الثقافية رهينة للمواقف السياسية. أن يصبح الاعتراف بالآخر نوعاً من التنازل عن الذات. كل ذلك يكشف أن الصراع الثقافي قد يكون أكثر تعقيداً من الصراع السياسي؛ لأنه يعمل غالبا في منطقة رمادية بين الفكرة والشخص، بين النقد والغيرة، بين الاختلاف والرغبة في الإقصاء.
بيد أن السؤال الأخلاقي يظل قائماً: كيف يمكن حصر هذه الظاهرة داخل نخبة يفترض المجتمع أنها تمثل نموذجاً للوعي والقدوة؟. ربما لأن المثقف ليس ملاكا معرفيا، ولا تقاس أخلاقيته بعدد الكتب التي قرأها أو الشهادات التي يحملها أو المفاهيم التي يستخدمها. فالمعرفة لا تنتج الأخلاق بصورة آلية. قد يكون الإنسان واسع المعرفة وضيق الأفق، عالما بالتاريخ وعاجزاً عن فهم الآخر، بارعا في نقد الاستبداد وممارساً لاستبداد رمزي داخل محيطه. وهذه واحدة من أكثر مفارقات الثقافة إيلاماً: أن يمتلك الإنسان أدوات نقد العالم ولا يمتلك أدوات نقد ذاته. وربما هنا تكمن المشكلة الحقيقية. فالمثقف الذي يمارس النقد تجاه السلطة والمجتمع والدين والسياسة والإعلام، ثم يستثني ذاته من النقد، يتحول تدريجياً إلى ما يشبه السلطة التي كان ينتقدها.
وعندما يصبح موقعه الثقافي جزءاً من هويته، يصبح الاعتراف بخطئه تهديداً لكيانه الرمزي، فيقاوم النقد لا بالحجة فقط، وإنما بالدفاع عن صورته أمام الآخرين. وفي ذلك تصبح المراجعة الذاتية شرطاً أخلاقياً للثقافة. ولعل بول ريكور كان محقا في إصراره على أن الذات لا تُفهم خارج علاقتها بالآخر. فالأنا لا تتأسس باعتبارها جزيرة مكتفية بذاتها؛ إنها تتشكل في علاقة مستمرة مع الآخر.
وإذا كان الآخر ضرورياً لكي أعرف نفسي، فإن إقصاءه قد يكون، في بعض الأحيان، شكلاً من أشكال العجز عن مواجهة الذات. ولذلك فإن السؤال “لماذا يكره المثقفون بعضهم؟” قد يكون بحاجة إلى إعادة صياغة: لماذا يخاف بعض المثقفين من الاعتراف بالآخر؟. فالكره قد يكون نتيجة، أما الجذر فقد يكون الخوف: الخوف من فقدان المكانة، من تراجع الحضور، من ظهور أكثر ذكاءً أو تأثيرا، من انكشاف محدودية الفكرة، أو من اكتشاف أن الصورة التي بنيناها عن أنفسنا ليست بالصورة التي يراها الآخرون.
وفي هذه النقطة يصبح المثقف شبيها بكل إنسان، لا مختلفاً عنه. لكن الفرق أن خطأ المثقف أكثر كلفة؛ لأن المجتمع يمنحه سلطة رمزية مضاعفة، ولأن كلمته لا تبقى دائماً داخل حدود ذاته. ومن هنا فإن خصومته مع الآخر ليست مجرد شأن شخصي، خصوصاً عندما تتحول إلى مدرسة في الإقصاء أو إلى تحريض على الكراهية أو إلى صناعة اصطفافات ثقافية مغلقة. ومع ذلك، لا ينبغي أن نخلط بين “الخصومة والكراهية”. فالاختلاف العميق ليس عيباً في الثقافة؛ بل ربما يكون شرطاً لوجودها.
وقد يكون تاريخ الفكر العظيم تاريخا للخلافات بقدر ما هو تاريخ للأفكار نفسها. المشكلة تبدأ عندما يتوقف الخلاف عند حدود الحجة وينتقل إلى “إلغاء الشخص”. فالفكرة يمكن أن تُقتل بالحجة، أما الإنسان فلا ينبغي أن يُقتل رمزياً لأنه يحمل فكرة لا تعجبنا. لهذا فإن الثقافة الحقيقية ليست تلك التي تنتج إجماعاً بين المثقفين، وإنما تلك التي تمنحهم القدرة على الاختلاف دون أن يتحول الاختلاف إلى عداوة، وعلى النقد دون اغتيال، وعلى المنافسة دون إلغاء، وعلى الاعتراف بفضل الآخر دون الشعور بأن فضيلته تنتقص من فضيلتنا. لقد كان تاريخ الثقافة حافلاً بالخصومات، وربما سيظل كذلك؛ لأن الفكر نفسه يولد من التوتر، والاختلاف، والمواجهة.
لكن قيمة المثقف لا تظهر حين يكون متفقاً مع الآخرين، وإنما حين يختلف دون أن يفقد إنسانيته. ومن هنا فإن “الثقافلوجيا” التي يستدعيها عبد الحسين شعبان تفتح، في تقديري، بابا أوسع من سؤال الكراهية بين المثقفين. إنها تقودنا إلى مساءلة اقتصاد الاعتراف، وسلطة الرموز، ونرجسية المعرفة، وأخلاق الاختلاف، وحدود المثقف بين نقد العالم ونقد الذات. فربما لا تكون المشكلة أن المثقفين يختلفون؛ فهذا قدر الفكر. والمشكلة أن بعضهم يريد أن يكون “المثقف الوحيد الذي يحق له أن يختلف”. وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة: هل يكره المثقف مثقفاً آخر لأنه يختلف معه، أم لأنه يذكّره بأن الحقيقة التي يمتلكها ليست ملكاً له؟. وربما يكون السؤال الأعمق من ذلك كله: ماذا تبقى من الثقافة حين يفشل المثقف في ممارسة أبسط ما تعلّمه الثقافة: أن يعترف بأن الآخر قد يكون على حق؟.
كلما قوي مركب النقص في الشخص وتمثل الذات عند الآخر، كلما زادت نسبة الخصومة وربما الحقد والحسد في مواجهة الآخر، ولهذا يجب وجوبا جازما الاستعانة على قوى النفس بالمؤثرات الخارجة عن ذات الفرد، شريطة أن تكون هذه المؤثرات مقبولة أخلاقيا واجتماعيا وفكريا وعاطفيا وعقليا ودينيا-وهذا هو الأهم والأعم والأتم
“Notre amitié n’était pas facile mais je la regretterai. Si vous la rompez aujourd’hui, c’est sans doute qu’elle devait se rompre”
“لم تكن صداقتنا سهلة لكني سأندم عليها، وإذا قطعتموها اليوم فبلا شك لأن قدرها كان أن تنقطع.”
Jean-Paul Sartre
(معبرًا عن نهاية صداقته المعقدة مع Albert Camus)
“We are rarely proud when we are alone”
“نادراً ما نشعر بالفخر حين نكون وحدنا.”
Voltaire
(تشير هذه العبارة إلى حاجة الإنسان، وخاصة المثقف، الملحة للاعتراف والمكانة أمام الآخرين داخل الفضاء الاجتماعي والرمزى .)
إن ما طرحته يا صديقي يضع الإصبع على جرح عميق في جسد نخبتنا الثقافية التي باتت تختزل المعرفة في أدوات للهيمنة والإقصاء. وحين يتحول الفكر إلى حصن للدفاع عن النرجسية الفردية، يفقد المثقف رسالته النبيلة في تنوير المجتمع وتهذيب وعيه. إن الخصومة الفكرية الشريفة هي وقود التطور والتجدد، شريطة ألا تفسدها غريزة التموقع وصراع المراكز الرمزية البغيض. فالمعرفة الحقة هي التي تمنح صاحبها التواضع للاعتراف بنسبية الحقيقة وبأن الآخر شريك وليست منافساً ينبغي محوه.
ALHOCEIMA
غريزة الصراع، والتنافس على الاعتراف، وهشاشة الأنا لا تخص أهل الأدب وحدهم، بل تمتد لتضرب بعمق في أساطير الحقل العلمي ومختبراته. فالعلم الذي نظنه منصباً كاملاً للحيادية والموضوعية، غالباً ما تقوده صراعات شخصية ضارية وغرور إنساني قاسي.
وخير مثال على ذلك هو الفيزيائي النمساوي العبقري لودفيغ بولتسمان (Ludwig Boltzmann)، الذي وضع الأسس الكبرى للتحريك الحراري الإحصائي (Statistical mechanics)، وكان من أشرس المدافعين عن «نظرية الذرة» في وقت كان فيه كبار علماء عصره (مثل Ernst Mach and Wilhelm Ostwald) يسخرون من أفكاره ويحاربونها بشراسة معتبرين الذرات مجرد خرافات فلسفية أو أوهام غير قابلة للملاحظة.
لقد تعرض بولتسمان لحملة تضييق وتشكيك علمي ونفسي قاسية انعزلت بها أفكاره، مما فاقم صراعاته مع الاكتئاب، ليضع حتف حياته منتحراً شنقاً في 5 سبتمبر 1906، قُبيل أعوام قليلة فقط من إثبات التجارب العلمية لصحة نظرياته وانتقالها إلى عرش اليقين المطلق.
ALHOCEIMA
تا بع
واليوم، خُلد اسمه على شواهق التاريخ، بل وحُفرت معادلته الشهيرة للإنتروبيا (Entropy)
S=k ln(W)
على قبره، تلك المعادلة التي تعني بوضوح أن التعقيد والفوضى في الكون يتزايدان باستمرار، لعلها تعكس أيضاً حالة الفوضى والخصومة التي تتزايد بلا مبرر في عالم البشر. وكأن التاريخ يُعيد نفسه، لتتحول معركة الاعتراف من صالونات الأدب إلى أروقة العلم، دافعة بالعباقرة أحياناً ثمناً باهظاً لرفض العالم الاستماع لصوت الحقيقة المبكرة.
حتى أينشتاين نفسه، الذي ساهم لاحقًا في إثبات وجود الذرات من خلال أبحاثه عن الحركة البراونية(Brownian motion)، لم يسلم من معركة الاعتراف. فقد دار صراع فكري حاد بينه وبين دافيد هيلبرت (David Hilbert)، الرياضيي الألماني العظيم، حول نظرية النسبية العامة. حيث اتهم بعض العلماء هيلبرت بأنه سبقه إلى بعض الأفكار الأساسية للنظرية، مما أثار جدلاً مريرًا حول الأولوية العلمية والاعتراف بالمساهمة. رغم أن التاريخ ثبت فيما بعد أن كلًا منهما سلك طريقًا مختلفًا، إلا أن هذا الصراع يكشف كيف أن الغريزة التنافسية والرغبة في الاعتراف يمكن أن تطغى حتى على أعظم العقول.
ALHOCEIMA
تا بع
ولا يقتصر الأمر على الانتحار. الصراع بين العلماء كان دائمًا جزءًا من تقدم المعرفة. على سبيل المثال:
Newton and Leibniz
الصراع على اختراع حساب التفاضل والتكامل (Calculus)، الذي تحول إلى خصومة شخصية مريرة حول الأولوية.
Darwin and Wallace
رغم أن الانتقاء الطبيعي (natural selection) كان اكتشافًا مشتركًا، إلا أن Darwin حصل على معظم الاعتراف، مما ترك Wallace في الظل.
Nicolas Tesla and Edison
ليس فقط اختلافًا علميًا حول التيار المتردد مقابل التيار المستمر (Alternating Current (AC) vs. Direct Current (DC))، بل أيضًا صراعًا على السلطة والتأثير في العالم الصناعي.
هذه الصراعات لا تنبع من اختلافات فنية بحتة، بل من الرغبة في الاعتراف والخوف من النسيان. العلم، مثل الأدب، ليس معزولًا عن البنية الاجتماعية التي تنتجها. المكانة الرمزية في المجتمع العلمي يمكن أن تكون دافعًا للابتكار أو مصدرًا للألم.
في النهاية، سواء في الأدب أم العلم، الاعتراف هو عملة نادرة، والصراع هو ثمن التقدم. لكن السؤال الأخلاقي يبقى: هل يمكن أن يكون العلم حقًا موضوعيًا إذا كان العلماء أنفسهم ليسوا كذلك؟
ALHOCEIMA