هناك خمسةٌ تواريخ تُشكل المُنعَطفات الحاسمة في التاريخ الحديث والمعاصر لمدينة سوق الأربعاء، يرتبط الأول باستقرار الفارس “الطيب بن الشرقاوي” في المدينة سنة 1902 قادِما إليها من منطقة أولاد اخليفة، وتَعْيِينِه قائدًا على المنطقة سنة 1906 بظهيرِ السلطان المولى عبد العزيز، بحيث شَكّلَ حولَه وحدةً اجتماعية ومجالية من دَواوِير المنطقة وضَمِنَ قدرا من الحماية والاستقرار للساكنة المحلية في زمن توتُّر السلطة المركزية.
ويتعلق الثاني بنُزول المسؤول القُنصُلي الفرنسي السابق السيد “بواصي” من طنجة الدولية إلى مدينة سوق الأربعاء سنة 1906، فقد وضع نواةَ الحياة المدنية والصناعات الفلاحية والخدمات. أما الثالث، فهو اختيارُ منطقة الغرب كإحدى المناطق المدنية الكُبرى في فترة الحماية الفرنسية، لا سيما ابتداءً من سنة 1934 بتعيين عالم الاجتماع الفرنسي جاك بيرك مُراقِبا مدنيا. مع هذا المُعطى ظهرتْ وتَعزّزت التنظيمات الإدارية والمرافق العمومية والمُبادرات الحُرّة، وجاء معها استقرارُ مُستوطِنين أوروبيين من قُرابة 8 جنسيات أكثرها فرنسية تظُمُّ قوميات مُختلفة. نتيجةَ ذلك تكرّست تقاليد ومُمَارَسات تمدينية حديثة. في حين شكلت سنة 1958 التاريخَ التأسيسي الرابع للمدينة، عندما صدر أولُ تقسيمٍ إداري في ظل الاستقلال وكانت بمُوجبه سوق الأربعاء جماعةً حضرية بقوِة ظهيرٍ ملكي صادر عن المغفور له السلطان محمد الخامس.
بالنظر إلى ما يُقارب 120 سنة من الوجود الحديث والمُعاصر ضِمْنَ مجالٍ اجتماعي وجغرافي وتاريخي واحد ومُستقر، وبالقياس إلى هذا المسار المحلي العام الحافل بالمحطات الانتقالية وما يَفْرِضُه من تراكُمٍ في العُمران، فإن الحاصل التنموي والمدني يبدو هَشَّا ودون مستوى هذا المسار. إن العودة هنا إلى تواريخ الماضي ليست مرَضا بالنوستالجيا التي اسْتَشْرَتْ في خطاب الكثير من أبناء وبنات المدينة، وأدخَلَتْهُم في ما يُسَمِّيه عبد الله العروي “الرقص المسعور حول الذات”، ولكنها محاولةٌ للحَفر الأركيولوجي في الماضي وصولا إلى تشريح أزمة الحاضر هنا والآن، وبحثا عن كُوّةٍ نحو الهُناك في ما هو قادمٌ من الزمن الجَمعي.
بناءً على هذا المسار المحلّي كما تُبْرٍزُه المحطات التاريخية الأربعة كلٌّ بأفضالِها التي اكتفيتُ بالإشارة إليها، لأن المقام يطولُ لشَرحِها، فإن التراكُم التاريخي الطبيعي كان مِن المُفترَض أن يُفْضِي إلى واقع محلي تتجلّى فيه المعايير الأولية والأساسية لمفهوم المدنية والعيش المُشترك على مستوى العقلية/الذهنية، سواء كما يُفتَرَضُ أن تتجلى في نظام العلاقات الاجتماعية وفي حركة المجتمع المدني والحياة السياسية، أو في التدبير العمومي، والخدمات التي يُقدّمُها القطاع الخاص وبُروز النُخَب المحلية.
مما لا شكّ فيه أن هناك تطوُّرا على مستوى التحديث من خلال بعض الأوراش والمُنْشَآت والمرافق والواجِهات، لكن دينامية الوعي الحديث والمدني، أي درجة تطوُّر العقلية/الذهنية وارتقائها القيمي والثقافي ونُضج سلوكها العام، قد ظَلَّت خارج المِضْمار مَهما يبدو من بعض مظاهر اللباس وإكسسوار التقدُّم، لأن التقدم يحصل أولا في نظام العقل لا في صورة الشكل. مَن يتأمل اليوم الحياة اليومية والاجتماعية، يُحِسُّ كأنه أمام مَشاهد كاريكاتورية، حالة من الفوضى السائلة، والارتجال الشامل، والعشوائية الطافحة التي سُرعان ما تُبيدُ أيَّ محاولة للتقدُّم العُمراني وتنظيم المجال. ومن يُمْعِنِ النظرَ في العلاقات بين الفاعلين السياسيين محليا يُصابُ بالدهشة من كثرة السجالات الشعبوية السيكوباتية واقعيا وافتراضيا، كأن التدافُع ليس مُحاورات ونقاشات مُتَحَضِّرة حول المدينة، بل هو فِتْنَةٌ قَبَلية حول المراعي وحَمِيَّةٌ بَدَوِية بين العَشائر. أما في المجتمع المدني، فالقاعدة هي البدءُ من الصفر والافناء الرمزي المُتبادل أيضا، بحيث إن تدبير العلاقات بين فُرقائِه يَضعُنا أمام مجتمع ما قبل المدينة، عاجز تماما عن تحقيق التراكم التاريخي كأنَّه بلا ذاكرة.
أمام هذا الوضع البِنيوي المُرَكَّب، وفي ظلِّ التّيه الجمعي، فإن المدينة قد ضيَّعت مواعيد كثيرة مع التاريخ، وعطّلت العديد من المُبادرات، وفَرَّقت أكثر مِمّا آلَفَتْ، وبَقِيَتْ على قارعة الطريق تُمارس النُواح والعَويل الجماعي، أمامَها مُستقبلٌ بلا مَعالم، وليس بين يَديْها خارطةُ طريقٍ، وكلٌّ فيها مُتَحَمِّسٌ ومُتَصَلِّبٌ لما لَدَيْه، بينما الآخَرون هُم الباطل. إن الوعي الجمعي المحلي مُطالَبٌ بوضع مُسَلَّماتِه جانبا دون أهواء الأنفُس، وإعمال النظر النقدي الرصين في الذوات، والوصول إلى صيغةٍ راشدة للتداوُل والتدافُع، والتبصُّر في طُرُق الترافُع المدني والسياسي الذي يَليق بمسار المدينة، إنْ لم يكن من أجل مواطن اليوم، فليَكُن من أجل مُواطن الغد.
تبارك الله عليك دائما متألق و ذو نظرة ثاقبة و ثقافة شاسعة في شتى المجالات دمت مبدعا و بالتوفيق دائما
مقال رصين أعتبره شخصيا دعوة صادقة لإعادة ترتيب أولويات منطقة لا تود الانعتاق والانطلاق نحو مستقبل أفضل يسع الجميع
بوركت
سوق الأربعاء كأي سوق فقدت جزء من مريديها من القبائل المجاورة التي كانت هي حاضرتها بالإضافة إلى الطريق السيار حرمها من مدينة عبور القاطنين و المهاجرين من الشمال إلى باقي الربوع . وصدقت فيها مقولة غرباوية ” كو ما كانو الجواد ما يتفرجو الرعيان “